العدالة الاجتماعيّة من دروس الهجرة النّبويّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطْبة الثَّانيّة لشهر صفر بتأريخ 14\2\1439هــ-3\11\2017م

حول: العدالة الاجتماعيّة من دروس الهجرة النّبويّة

الحمد لله ربّ العالمين , العدل المقسط , القائل فِي كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النّساء:4\135], نَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤمِنُ بِهِ ونتوكَّلُ عَلَيْهِ , إنّه مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ وأشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ والأَوهَامُ , وأشهَدُ أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أفْضَلُ الأنَامِ. والصَّلاة والسّلامُ عليه وعلى آله وصحبه أجمعِينَ .

 أمّا بعد,

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ , سِرّاً وعَلانِيَةً , إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَة مِنْ جَمِيعِ أنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ طِبْقاً لِقَولِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 2\21] .

إخْوةَ الإيمان , هّذَا هُوَ اللِّقَاء الثّانِي من شهر صفر ثاني الشّهور الإسلاميّة الهجرية ونحن على سِلسلة موضوعاتنا الهجريّة , حيث قد عالجنا الموضوعات الآتية : وقفات بين عامَيْنِ , والْهِجْرة النَّبويّة : دروس وعِبَرٌ , والْوحدة الوطنيّة , والتّكافل الاجتماعِي , والأمن والاستقرار .و الاقتصاد الإسلامِي مِنْ دُرُوسِ الْهجرة النَّبويّة واليوم إن شاء الله تعالى نتحدّث عن : العدالة الاجتماعيّة من دروس الهجرة النّبويّة .

العدالة الاجتماعيّة من دروس الهجرة النّبويّة:

أيّها المسلمون الكرام , لا تستطيع المجتمعات العيش بلا أنظمة وقوانين تحكمها، فالقوانين هي وسيلة الحفاظ على الحقوق وهي الوسيلة التي تصان فيها كرامة الفرد وتستغل فيها الثروات وتحدد بها المسؤوليات والواجبات المناطة بالجهات والأفراد والجماعات، لذلك لا وجود للدولة بلا قوانين تنظمها وتديرها ولا وجود للدولة أيضاً بلا العدالة التي تضمن تطبيق القوانين على جميع الناس بلا استثناء أو تمييز.

ما هي العدالة ؟

فالعدالة هي مفهوم إنساني مهم جداً، ويعني المساواة بين جميع الأفراد في حقوقهم وواجباتهم كل حسب قدرته وظرفه فليس من العدالة معاملة القوي والضعيف بنفس المعاملة، ويندرج تحت هذا المصطلح تكافؤ الفرص بين جميع الأفراد وتوزيع المقدرات والثروات والمكتسبات بالمساواة.

تحقيق العدالة في المجتمع:

تحقيق العدالة في المجتمع ليس بالموضوع السهل، وخصوصاً في ظل انتشار الفساد الذي يعد غياب العدالة هو أحد أسبابه وهو أحد نتائجه، فتحقيق العدالة يكون بوجود الشرفاء في المجتمع الذين يتولون أمور الدولة وأجهزتها، ويستلمون التحكيم بين الناس فيما يبدر بينهم من خصامات ومشاجرات عن طريق إنشاء وإدارة جهاز قضائي قوي يستطيع العدل في القضايا والمخاصمات التي تحدث بين الناس.وعن طريق إحساس الناس بأنهم جميعاً متساوون بالحقوق والواجبات لا تمييز بينهم على أساس عرقي أو طائفي أو ديني أو على أساس أوضاعهم الاجتماعية أو أشكالهم أو غيرها من أشكال التمييز التي تسبب حالة احتقان في المجتمع يصعب التخلص منها على مر الازمان والعقود إلا بمجئ أناس مخلصين قادرين على تخطي هذه الأزمات.

غياب العدالة من المجتمعات:

إنّ غياب العدالة من المجتمعات هو مدعاة للفوضى وانتشار الظلم والفساد والفقر وإهدار الحقوق، فتصبح هذه البيئة خصبة للتطرف والتعصب والانحدار الأخلاقي وانتشار الجرائم. تختفي العدالة بتحكم فئة معينة من الشعب في مكتسبات دولة فتشعر الفئات المعدمة في المجتمع بغياب العدالة مما يسبب كل المصائب السابقة.

العدالة هي الصمام الذي يحفظ الدول والمجتمعات:

فالعدالة هي الصمام الذي يحفظ الدول والمجتمعات، فليست العبرة في عدم وجود الموارد، ولكن العبرة في أن يشعر الجميع بأن نقص الموارد حالة عامة يتأثر بها الجميع. فالتنظير للعدالة وتكافؤ الفرص واحترام الحقوق لا يشبع الناس ما لم يجدوا أن هؤلاء المنظرين قد تحولوا من التنظير إلى التطبيق العملي، فوجود القضاة الفاسدين والمسؤولين اللصوص والأطباء الذين باعوا ضميرهم يعطي للناس انطباعاً بأن هؤلاء الناس خلقوا للتنظير وأن العدالة لم تأخذ مجراها، فالعامل الكادح يأخذ الفتات والذي يجلس في أفخم الأجواء ويدعي الغيرة على المصلحة العامة ويسرق وينهب وربما يقتل إرضاءً لغرائزه وأهوائه فهو الذي يحوز على الاهتمام الأكبر سواء كان هذا الاهتمام مادياً أم معنوياً.

العدالة الاجتماعية:

العدالة الاجتماعية ، هي نظام اقتصادي ، اجتماعی يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع¹. تسمى أحيانا العدالة المدنية، و تصف فكرة المجتمع الذي تسود في العدالة في كافة مناحيه، بدلا من انحصارها في عدالة القانون فقط. بشكل عام، تفهم العدالة الاجتماعية على أنها توفير معاملة عادلة و حصة تشاركية من خيرات المجتمع.

العدالة الاجتماعية تشكل مادة خصبة للنقاش:

العدالة الاجتماعية تشكل مادة خصبة للنقاش في السياسة، و الدين، و محددات المجتمع المتحضر. من وجهة نظر اليسار ، تتمثل العدالة الاجتماعية في النفعية الاقتصادية، و إعادة توزيع الدخل القومي ، و تكافؤ الفرص ، و غيرها من أمارات المجتمع المدني.

العدالة في الإسلام:

أرسى الإسلام قواعد العدل بين الناس، لأن العدل أساس المُلك وهو من مثل العليا والقيم الخالدة، في كل زمان ومكان. وفرض الله على المؤمنين إتباع الحق، وإلتزام الصدق، والترفع عن الظلم، لأن الظلم مرتعه وخيم؛ ولأن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله لا يحب الظالمين. ويهتف الإسلام بالضمير البشري أن يتحرى العدل في القول والعمل، ولا سيّما في الشهادة، لأن الشهادة لله تعالى فلا يجوز كتمانها، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:2\283]

ويفرض الإسلام على المؤمنين أن يظلوا قائمين بالقسط، مواظبين على العدل يقولون الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين قال تعالى:

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النّساء:4\135]

وفي الآية الكريمة توجيه سام بأن لا نخاف في الله لومة لائم، فلا نحابي الغنيّ لغناه، أو فقير لفقره، بل نقول الحقّ لأنه أحق أن يُتِّبَع. ولا يجوز للمسلم أن يتبع هوى النفس وينحرف عن جادة العدل والصواب.

إنّ الإسلام يأمر بمراعاة قواعد العدل مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ولا يحل لأحد أن ينحرف عن طريق الصواب بدافع من الكراهية والبغضاء حتى مع الأعداء، فيظلم أو يجور ويرتكب ما لا يحل؛ لأن العدل من تقوى القلوب قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:5\8]

أي لا يحملنكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، أو نقض العهد تشفيًا مما في قلوبكم.

ففي في فتح مكة أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليدخل فيها وقال:

«لو علمت أنه رسول الله لم امنعه»

فلوى علي كرم الله وجهه يده وأخذ المفتاح منه عنوة، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصلى فيها ركعتين، ولما خرج سأله عمّه العباس (رضي الله عنه) أن يدفع له المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزل قول الله تعالى:

 ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النّساء:4\58].

فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عليًّا (رضي الله عنه) بأن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه ففعل ذلك عليّ، فصار ذلك سببًا لإسلامه. ونزل الوحي بأن السدانة في أولاده أبدًا.

فإذا كان هذا هو العدل مع المشركين فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ إن من أسباب هلاك الأمم أن يُحابى الأشراف والرؤساء وذوو الجاه، بينما يُعاقَب الضعيف الذي لا جاه له يحميه، ومن شأن هذه التفرقة أن تثير أحقاد العامة، وتبعث كامن العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقد يخرجون على القانون، كما أنها تشجع المعتدين من الإشراف والعظماء على التمادي في فسادهم وجرأتهم، وفي هذا يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «إنما أُهلك الذين من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعْتُ يدَها»

بهذا القول الفصل بلغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) الحدّ الأعمى في التأثير على قومه فلم يبق مجالاً للشفاعة أو المحاباة. وعن معقل بن يسار (رضي الله عنه) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:

«ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت يوم بموت وهو غاش لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة».

ذلك أن الرعية أمانة، ومن ولاّهُ الله تعالى شؤون خلقه وُجِبَ عليه أن يحوطهم بالنصح، ويحكمهم بالعدل، ومن قصّر في حقَ من حقوق الرعية فهو غاش للأمة إن مات على ذلك حرّم الله عليه الجنة، وهذا وَعيد شديد لمن ولي أُمور الناس فلم يعدل بينهم ولم يتق الله في معاملتهم.

وعلى هدي الرسول (صلى الله عليه وسلم)، سار الصحابة (رضي الله عنهم) فهذا أبو بكر بعد أن ولي الخلافة يقول:

«أيّها الناس إِني قد وُلّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيفُ حتى أخذ الحقّ منه».

بهذه العبارة أرسى أبو بكر (رضي الله عنه) قاعدة عامة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم وهي علاقة تقوم على التعاون والعدل في سبيل المصلحة العامة وتم بذلك تأكيد رقابة الأُمّة على تصرفات الخليفة في إدارة شؤوون الدولة. وسار عمر (رضي الله عنه)، على خُطى سلفه أبي بكر، وأوصى أحد القضاة فقال:

«…وإجعل الناس عندك سواء، لا تبالي على من وجب الحق، ثم لا تأخذك في الله لومة لائم. وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله».

إن عدل الحاكم بين رعاياه من شأنه أن يوثق الصلة بينه وبين الناس فتشيع الطمأنينة وتستقر الأوضاع ويمضي كل لغايته، وقد أظل الجميع الويةُ الأمن والسلام. هذه هي الخطوط التي وضعها الإسلام لإقامة العدل وبناء مجتمع زاخر بالمباديء الإنسانية السامية، وحافل بالعدل والحق والحب والاخاء. وما قيمة الحياة لو تجردت من هذه المعاني، واقفرت من العدل وغاض فيها نبع الحب والحنان؟!

العدل سبب سعادة الإنسان في الحياة :

فما أحوج الإنسان إلى أن ينعم بالعدل في الحياة سواء كان في علاقته مع نفسه أو مع ربه أو مع الناس .

فعلى مستوى نفسه: هو يوازن بين العقل والغضب والشهوة سواء كان العدل ذاتيًّا نابعًا من كيانه أو أثرًا من الخارج كعلم أو معرفة أو إدراك أو اقتداء وتتـجلى صور العـدل مع نفـسه في عدة صور مثل: العدل بين الجسد والروح والعدل بين العقل والفكر والعدل بين العمل والكسل والعدل في الأخذ والعطاء.

 وعلى مستوى الناس: بالعدل في الحقوق والواجـبات وفي البيع والـشراء والحكم والقضاء وفي الشهادة والأمانات وفي المنع والعطاء أيًّا كانت مسئوليته في الحياة طلبًا لرضا الله عزَّ وجلَّ وأجره وثوابه. وبذلك فالعدل هو مفتاح استقرار واطمئنان المجتمعات وحافز على العمل والإنتاج ومصدر لنماء العمران وكثرة الخيرات والأرزاق وزرع الثقة بين أفراد الوطن الواحد.

 يقول ابن خلدون: “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذٍ من أن غايتها ومصيرها انتهابها بين أيديهم وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب والعمران”

 ولذلك فالبديل في المجتمع إذا اختفى العدل المشاحنات والفوضى والاضطراب مثل غضبة الشعوب المحتلة ضد محتليها أو ثورات الشعوب لرفع الظلم الواقع عليها من حكامها بالغلاء والبطالة والسرقات والاضطهاد. وعلى العكس ففي ظلال العدل عاشت شعوب الأرض تنعم بثماره،التي أعلنها مندوب الغرب للفاروق عمر: “عدلت فأمنت فنمت يا عمر”، وها هو عمر الحاكم العادل بينما كان يـمرُّ ليلاً عـلى عـادته ليتفـقد أحـوال الرعـية فـرأى رجـلاً وامرأةً عـلى فاحشةٍ فجمع الناس وخطب فيهم: “ما قولكم أيها الناس، في رجلٍ وامرأة، رآهما أمير المؤمنين على فاحشة؟” فردَّ علي بن أبي طالب: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يُجلد القذف شأنه شأن سائر المسلمين ثم تلا قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[النور:24\4]. فتوقف عمر عن ذكرهما لعجزه عن الشهود. وما قصة درع الخليفة علي بن أبي طالب مع النصراني الذي اختصمه عند شريح القاضي الذي قضى بالدرع للنصراني الذي انصرف ثم عاد بعد عدة خطوات يقول: أما أني أشهد أن هذه أحكام أنبياء أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه فيقضي لي عليه “الدرع درعك يا أمير المؤمنين”. إن البشرية اليوم في حاجةٍ لترى من أمتنا هذا العدل واقعًا تراه كما لمسته بالأمس وما ذلك بالصعب عليها والرسول  يبشرها بجزاء العادلين: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي   قال: “إن المقسطين العادلين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وولوا” وإذا كان الموت آتٍ فليحذر كلُّ حاكمٍ أن يكون غاشًّا لرعيته لقوله  : “ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم تموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة” متفق عليه.

العدل سبب استقرار البشرية :

إن البشرية اليوم في أمسِ الحاجة إلى العدل الذي أقامه الإسلام على الأرض لإسعاد الدنيا وتصحيح مسار البشر وإنه لا سبيلَ لاستقرار العالم إلا بالرجوع إلى العدل على كافة المستويات عالميًّا ودوليًّا وإقليميًّا ووطنيًّا فرديًّا وجماعيًّا من المساواة والحرية والعدالة والإقرار بالحقوق لأصحابها فهل يحسن العقلاء في هذا العالم من الحكام ومن السياسيين والمفكرين تلقي هذه الدعوة لاستعادة العدل الغائب وإقامته في ربوع المعمورة . وهل يفتح عقلاء الدنيا عقولهم وقلوبهم ويتخلصوا من أي ميلٍ أو هوى ليخرجوا البشرية من هذا الاضطراب والفساد العالمي الممسك بخناق العباد فلا تزال دعوة العدل معلنةً سبيل النجاة   إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا     فالحكم بالعدل بين الناس لأنه عدل شامل بين الناس جميعًا لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ولا عدلاً مع أهل الكتاب دون سائر الناس وإنما حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا .

الخطبة :

الْحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ , القائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النّحل:16\90-91] , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى ونَشْكُرُهُ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلهِ وصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أمَّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ , نُثْني على الحكومة الفيدرالية على اجتهادها نحو الحرب على الفساد بأنواعه المختلفة في نيجيريا خاصّة على شجاعة الرّئيس محمّد بُخاري في طَرْد أمين العام للحكومة الفيدرالية : Babachir Lawal من منصبه عقابة له نتيجة فساده الاقتصادي . كما نوصِي أمينة العالم للحكومة الفيدرالية السّيدة أمينة الأول Aminat Lawal أن تحسب منصبه أمانة لها ومسئولية وستقف يوم القيامة, يوم الحساب , أمام ربها للحساب . وعليها أن تذكر دائماً سبب طرد الأمين السّابق خزياً وتحقيراً وندامةً .﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:2\281]

الدُّعاء:

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.  اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ . وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply