صِفات عِبَاد الرّحمن : (3) قِيامُ اللَّيْلِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الثّالثة لشهر جُمادَى الأُولى بتأريخ 16\5\1439هــ-2\2\2018م

حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (3) قِيامُ اللَّيْلِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-64] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85]. 

وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.

أمَّا بَعْدُ , 

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .

إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثَّالِث لِشَهْرِ جُمَادَى الأُويَى وَنَحْنُ عَلَى صِفَاتِ عِبَادِ الرّحْمنِ مُنْذُ الأُسبُوعَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ , وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْ صِفَتَيْنِ مِنْهَا وَهُمَا التّوَاضُع وَالْحِلْم والْيَوْمَ نَسْتَمِرُّ بِذِكْرِ ثَالِثِ صِفَاتِ عِبَادِ الرّحْمَانِ الّذِي هُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ .

أيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ , لا زِلْنَا نَعِيشُ مَعَ عِبَادِ الرَّحْمَنِ , مَعَ هَذِهِ اللَّوْحَةِ الْقُرآنِيَّة التي رسمها اللهُ تَبَارَكَ وتعالَى لِعِبَادِهِ , لِيُصَوِّرَ فِيهَا نَمُوذَجاً لَنَا مِنَ النّمَاذِج الرَّاضِيَة الْمَرضِية عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى , يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-64]. 

حَدَّثَنَا اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ فِي أنْفُسِهِمْ , وَحَالُهُمْ (التَّوَاضُع) لا الفَخْر وَلا الْكِبْرِيَاء : ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ .

وَحَدَّثَنَا عَنْ حَالِهِمْ مَعَ النَّاسِ , وَهِيَ حَالَةُ مَا لا يُشْغِلُ نَفْسَهُ مَعَ السُّفَهَاء , وَلا يُخَاطِبُ الْجَاهِلِينَ إِلّا سَلاماً : ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ .

وَهُوَ هُنَايُحَدِّثُنَا عَنْ حَالِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ , وَتَتَجَلَّى حَالُهُمْ هَذِهِ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ , إِذَا أرخِى اللَّيْلُ سُدُولَهُ , إِذَا أَوَى النَّاسُ إِلَى فُرُشِهِمْ ولحفهم , كَان لَهُم حالٌ مع اللهِ : ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ , والْخليّون هُجّع , والنّاس فِي غَفَلاتِهِمْ نائمون , أو فِي سهرِهِمْ مَاجِنُون , أوْ فِي مجونهِم ساحرون , أو فِي سهرهِمْ مَاجِنون , أو فِي مجونهم ساهرون .. هناك ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ .

إنّهم في لَيْلِهِم بَيْنَ سُجُود وقِيَام , وَهَذِهِ أَظْهر حالِ الصَّلاة : السّجُود والْقِيَام : ” أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ –عَزَّ وَجَلَّ- وَهُوَ سَاجِدٌ , فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ” (رواه مسلم , وأبُو داود , والنَّسائِي , من حديث أبي هُريرة –رضي اللهُ عنه (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : الحديثان 193 , 923) .

وُصِفُوا بِالسُّجُودِ حَيْثُ يَضَعُونَ جُبْهَاتِهِمْ عَلَى الأَرْضِ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , هَذِهِ الجباه التي عَلَتْ وارتَفَعَتْ فَلا تنْحَنى لِمَخْلُوقٍ , إنَّمَا تَنْحَنى للهِ سُبحانه وتعَالَى , راكعةً ساجدةً , خاشعةً خائفةً , طَامِعَةً فِي رحمة اللهِ عَزَّ وَجلَّ .

﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ , فهُم بين سُجودٍ وَقِيَامٍ , يقُومون يتلون كتاب اللهِ , يقرأون كلام اللهِ , يسألونه الرّحمة , ويستعيذون به من النّار .

إنّهم يفعلون ذلك ليس طالبا لمرضاة أحد , ولا ابتغاء مَحمّدة أو شُهرة , وإنّما يفعلون ذلك للهِ, ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ .

إنّهم يبيتون للهِ , يبتغون وجهه , يرجون رحمته , ويخافون عذابه , وصدق الله العظيم حينما وصف أمثال هؤلاء فقال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزّمر :39\9]. هذا هو العلم , العلم بما أعدّه اللهُ لعباده الصّالحين في الآخرة من نعيم , وما أعدَّه للآخرين من عذاب أليم .

﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ : كان لبعض السّلف غلامٌ , خادم عندهم , فكان يقوم اللّيل , فقال له مولاه (سيّده) : إنّ قيامك باللّيل يؤثِّر على عملك في النّهار .

قال : وماذا أعمل ؟ إنِّي إذا تذكّرتُ الْجنَّةَ طال شَوْقِي , وإذا تذكّرتُ النّار طال خَوْفِي , فكيف لِي أن أنام بين خوفٍ يزعجني وشوقٍ يقلقُنِي ؟! 

هؤلاء هم الّذين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [السّجد:32\16] , رغم أنّ الْمضجع هنيء والفراش ليِّنٌ , فإنَّهُم يَدَعُون ذَلك كُلَّهُ للهِ .

روى الإمام أحمد عن ابن مسعود عن النَّبي صلّى الله عليه وسلّم إنّه قال : عجب ربُّنا تعالى من رجُلَيْنِ : رجلٌ ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحُبِّهِ إلى صَلاتِهِ , فيقول اللهُ جلَّ وعَلا : انظُرُوا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حُبِّهِ وأهلِهِ إلى صلاته رغبةً فِيما عندِي , وشفقةً مِمَّا عندِي . ورجلٌ غَزَا فِي سبيل اللهِ , وانهزم أصحابِهِ , وعلِمَ مَا علَيْهِ في الانهزامِ , وما له في الرُّجُوعِ , فرَجَعَ حَتَّى يُهريقَ دمُهُ , فيقول اللهُ : انظروا إلَى عبدي رجعَ , رجاء فيما عندي وشَفَقَةً مِمَّا عندِي , حتَّى يُهريقَ دمه ” .

الْخَوفُ والطّمعُ , أو الرّغبة والشّفَقة , الرّغبة فيما عند الله من المثوبة , والشّفقة ممَّا عنده من العقُوبَة , هو الّذي جعله يترك الفراشَ اللَّيِّنَ والمضجَعَ الطَّيِّبَ إلَى الله عَزَّ وجلَّ .

الرّجُلَ الآخرَ : الّذي غزَا للهِ , وحينما رأى أصحابَهُ انهزمُوا , وعلِمَ مَالَهُ فِي الرُّجُوع وما عليْه من الفرارِ , رجَعَ وقاتل حتّى أهريق دمه , يُعجب الله منه ويُباهِي به ملائكته .

كلاهما مُجاهدٌ , كلاهما مكابدٌ , هذا جاهد النّفس حتّى أهراق دمه في مرضاة اللهِ , وهذا كابد اللّيل وقام يرضي اللهَ سبحانه وتعالى .

 اللهُ تعالى وصف المتّقين بقوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ , قلّ هجوعُهم , وقلّ نومُهُم باللّيْل , وفي آخر اللّيْل يستغفرون , يشعرون بالتّقصير رغم قيامهم ومكابدتهم للّيْل وطوله , وبأنّهُم مفرّطون في جنب اللهِ , مقصِّرون في حقِّ اللهِ , فيطلبون المغفرة من اللهِ عزَّ وجلّ .

كان بعض السّلف يقوم من اللّيل حتّى إذا جاء السّحر قال : يا ربّ إنّ مثلي يستحِي أن يسألك الجنّة , فأسألك برحمتك أن تجيرني من النّار . 

يرى أنّه ليس أهلا لأن يطلب الجنّة , فحسبه أن يسأل النّجاة من النّار ! هؤلاء هم الّذين حدا بهم الخوف والطّمع – الخوف ممّا عند الله والطّمع فيما عند اللهِ – إلى أن يَصفّوا أقدامهم للهِ راكعين ساجدين , يُناجونه قائلين : 

سَهرُ العيونِ لِغَيْرِ وجْهِكَ باطلٌ     وبُكاؤُهُنَّ لِغَيْر فَقْدِكَ ضَائِعٌ !

توفي سيّد الصُّوفية في عصره , وشيخ المربّين الرّوحيّين , الجُنَيْد رحمه اللهُ , فرآه بعض أصحابه في المنام , فسأله عن أهلِه , فقال لهُ : ذهبتِ الإشارات , وطاحت العبارات , وضاعتِ العلُوم , وفنيت الرّسوم , ولم ينفعنا إلا ركعات كُنّا نقوم بها في جوف اللّيْلِ .

وصف الشّاعر ابن الرّومي هؤلاء القوّام , المستغفرين بالأسحار في قصيدة له وصفاً مبدعاً حينما قال :

تتجافى قلوبهم عن مضاجعهم       عن وطىء المضاجع

كلّهم بين خــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائف        مستجيــــــــــــــــــر وطامع 

تركـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا لذّة الكرى         للعيــــــــــــــــــــــــــون الهواجع 

ورعوا أنجـــــــــــــــــــــــــــــــــم الدُّجى         طالعًـــــــــــــــــــــــــــــا بعد طالع …(ديوان ابن الرّومي :4\1482 , 1483 , طبعة دار الكتب المصرية) .

هؤلاء هم قوّام اللّيل تتجافى جنوبهم عن المضاجع , واللّيل للنّاس فيه أحوال ومنازل :

هناك من يقضي اللّيل في طاعة اللهِ , وهناك آخرون يقضونه في نوم إلى الصّباح , وهناك من يسهرون اللّيل , ولكن فيم يُسهرون الجفون ؟ وفي أيّ حالٍ يعيشون ؟ 

إنّ هناك من يسهر في اللّهو والمجون , هناك يسهر في لهو وعبث حتّى قُرب الفجر , فإذا قرُبَ الْفجر نام , ولم يقُمْ إلّا في الضُّحَى أو في النَّهار .

هناك من يبيتُ ليلَهُ لَيْلاً أحمر في شهوات ومُنكرات , يعبّ من الشّهوات , ويُقارف المُنكرات , لا يخشى خالقاً , ولا يستحِي من مخلوقٍ .

هناك من يقضي اللَّيْلَ في إجرامٍ , يُبيٍّتُ المكابد والشّرور والأذى للنّاس .

وهناك من لا همّ له إلا الأكل والشّرب والنّوم , فنهاره شرابٌ وطعامٌ , وليله رقود ومنام , على نحو ما قال القائل :

        إنّما الدّنيا طعـــــــــــــــــام        وشــــــــــــــــــــــــــــــــرابٌ ومنام

       فإذا فاتــــك هــــــــــــــــذا        فعلى الدّنيا  السّلام !

هذه أنواع من اللّيل لأصناف النّاس , وأمّا ليل هؤلاء : فهم ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ .

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم –كما وصفته عائشة رضي الله عنها – : “يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماء” أي : تتشقّق , وفي بعض الرِّوايات : “حتّى تتورّم قدماء” فقالت له : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا وقد غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قال : ” أفلا أحِبُّ أن أكُونَ عَبْداً شَكُوراً ” . 

دخل عليها يوماً عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح فسألاها : أخبرينا بأعجب شيء رأيتِهِ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ فسكتَتْ , ثمَّ قالت : لما كان ليلة من اللّيالي قال : “يا عائشة , ذرِيني أتعبّد اللَّيْلَةَ لربِّي” , قلتُ : واللهِ إنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ , وأُحِبُّ مَا يسُرُّكَ , قالت : فقام فتطهّر , ثمَّ قَامَ يُصلِّي , قالت : فلم يَزَلْ يَبكِي بلَّ حجره , قالت : وكان جالساً , فلم يزل يبكي – صلّى الله عليه وسلّم – حتّى بلّ لِحيته , قالت : ثمّ بكى حتّى بلّ الأرضُ , فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة , فلمّا رآه يبكي قال : يا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم – وتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال : “أفلا أكون عبداً شَكُوراً” ؟ لقد نزلت عليّ اللّيلة آية , ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾

[آل عمران:3\190-191] .

نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفِّقنا في ديننا , وأن يجعلنا من عباد الرّحمن : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزّمر:39\18].

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم , فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم , وادعوه يستجب لكم .

الخطبة الثّانيّة:

الحمد لله ربّ العالمين , القائل في مُحكَمِ تَنزيله: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:66\6] . نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أمّا بعد , 

فعباد اللهِ , إنّ الأمم المتّحدة احتفلت باليوم العالمي لأطفال الشّوارع :Street Children Day. ونودّ أن نورد في هذا الوقت نظرة :

المنظمات غير الحكومية و أطفال الشوارع .. قضية بناء القدرات

ترتبط ظاهرة أطفال الشوارع ـ مثل أية ظاهرة اجتماعية ـ بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة فى المجتمع فى لحظة تاريخية معينة. وتعتبر هذه الظاهرة عرضاً اجتماعياً لأسباب اجتماعية واقتصادية أعمق من هذا العَرض. ولذلك فإن التصدي لها لا يمكن أن يحقق غايته النهائية إلا إذا قام على أساس نظرة شمولية تحلل وتعالج الظاهرة وأسبابها المجتمعية الجذرية فى الوقت نفسه. كما تحتاج مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع، إذا كان الهدف الاستراتيجي هوالقضاء عليها، إلي تكاتف جهود القوى الفاعلة سواء على مستوى الدولة بمؤسساتها الرسمية، أو على مستوى المجتمع بشكل عام ومنظمات المجتمع المدني وفي قلبها المنظمات غير الحكومية بشكل خاص.

ويتحدد الهدف البعيد أو النهائي لاستراتيجيات القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع، بأنه من خلال الالتزام بحماية هؤلاء الأطفال، ومواجهة وعلاج الظروف التى دفعت بهم إلى الشارع، وتوفير آليات إعادة تأهيلهم ، يتحقق الهدف بتمكينهم من الاندماج فى المجتمع بالشكل السليم ، الذى يمكنهم من الحصول على حقوقهم في البقاء، والنماء، والحماية، والمشاركة في صنع القرارات والسياسات التي تتعلق بحياتهم ، علي أن يتم التمتع بهذه الحقوق دون تمييز علي أساس النوع،أوالثروة والمستوى الاجتماعي، أو العرق، أوالدين، أو العنصر.

وتحدد الاستراتيجية لأطفال الشوارع

الأهداف الرئيسية التالية:

1-ضمان الحماية القانونية لأطفال الشوارع ويتضمن ذلك تطــوير السيـاسات ومراجعة القوانين،وإزالة التناقضات الموجودة بينها وبين الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. وكذلك تدريب الكوادر المتعاملة مع هؤلاء الأطفال وخاصة البرلمــانيين ورجال الشرطة والقضاء.

2 ـ تغيير النظرة السلبية تجاه أطفال الشوارع من الصعب أن تتغير رؤية أطفال الشوارع نحو أنفسهم إذا استمر المجتمع في رؤيتهم والتعامل معهم بشكل سلبي باعتبارهم مجرمين لا ضحايا. ولذلك من الضروري العمل علي تغيير رؤية المجتمع لهم، ويتضمن ذلك إعداد برامج للدعوة وكسب التأييد، وتوعية المواطنين وصناع القرار في المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدنى والقيادات المحلية غير الرسمية من خلال المقابلات والمحاضرات والندوات، ومن خلال وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وعلي سبيل المثال؛ إنتاج أفلام تسجيلية ووثائقية عن قضية أطفال الشوارع، ونشر قصص حقيقية عن نجاحات الأطفال، وإعداد برامج تليفزيونية وإذاعية، وتدريب الصحفيين، وإشراك فنانين ورياضيين ومثقفين عرب في التوعية بقضية أطفال الشوارع.

3 ـ تكوين شبكات محلية وانكليزية من منظمات المجتمع المدني العاملة مع أطفال الشوارع ويتضمن تبادل الخبرات على المستويين المحلي والعربي، وخلق صلات مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث العربية من أجل إشراك الأكاديميين مع الإخصائيين الميدانيين لملء ثغرات المعرفة ونقص المعلومات. وسوف يشكل الأطفال جزءاً من هذه الشبكة. وسيتم تشجيعهم وتدريبهم لتكوين جمعيات خاصة بهم. كما يشمل ذلك قروضا متناهية الصغر من خلال التنسيق مع شبكات الأمان الاجتماعي ومنها بنوك الفقراء.

المنظمات غير الحكومية وظاهرة أطفال الشوارع:

علي الرغم من الدور الأساسى الذي يجب علي الدولة القيام به من خلال مؤسساتها ذات العلاقة بظواهر الأطفال في خطر ، ومن أبرزها ظاهرة أطفال الشوارع ، خاصة من حيث وضع السياسات والخطط والتنسيق بين الفاعلين ، فإن المنظمات غير الحكومية تعتبر هى الفاعل المؤهل للتعامل مباشرة مع هذه الظاهرة أي علي مستوي تنفيذ البرامج والمشروعات الخاصة بحماية وتأهيل أطفال الشوارع . وذلك لأن الطبيعة غير الرسمية تجعل المنظمة والعاملين فيها أقرب إلي نبض المواطنين، وأقدر علي الوعي بمشاكل الأطفال والتواصل معهم، كما أن الطبيعة التطوعية للعمل فيها تجعل تعامل العاملين فى حل المشاكل أكثر إنسانية وأكثر قدرة على تبنى الرؤية الإيجابية نحو الأطفال خاصة إن حصلوا علي التدريب المناسب. 

الدّعاء:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء. 

Leave a Reply