صِفات عِبَاد الرّحمن

Click here to download

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الأُولى لشهر جُمادَى الأُولى بتأريخ 2\5\1439هــ-19\1\2018م

حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (1) التَّواضُعُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:25\63] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].

وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.

أمَّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .

إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ مِن الشَّهْرِ الْجَدِيدِ الْهِجْرِي , شَهْرِ جُمَادَى الأُولَى , خَامِسِ الشُّهُورِ الْإِسْلامِيَّة , وَمُنْذُ أوَاخِرِ شَهْرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ كُنَّا نُعَالِجُ قَضِيَّةَ السَّاعَةِ قَضِيَّةِ الْقُدُسِ الَّتِي هِيَ قَضِيَّةُ كُلِّ مُسْلِمٍ , وَقَد اكْتَفَيْنَا-فِي الْوَقْتِ الرَّاهِن- بِأَحَادِيثِنا عَنْهَا لِمُدَّةِ خَمْسَةِ أَسَابِيعِ وَنَأخُذُ سِلْسِلَةَ مَوْضُوعاتٍ أُخَر. فَالمَوضُوعُ الرَّئيسي هُوَ صِفَاتُ عِبَادِ الرَّحمن , فَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَومَ يَدُورُ حَوْلَ أوَّل هَذِهِ الصِّفَاتِ الّذي هُوَ : التَّوَاضُعُ .

أيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُون , يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:25\63] .

عِبَادُ الرّحمن : هُمُ الْعِبَادُ الْمَنْسُوبُونَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ , إذَا كَانَ هُنَاكَ عِبَادٌ للشَّيطَانِ أوِ الطَّاغُوتِ أو للشَّهْوَات أو للدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ” تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ , وَعَبْدُ الدِّرهمِ , وَعبدُ الْخَمِيصَة.- زَادَ فِي رِوَايَةِ “وَعَبْدُ الْقَطِيفَة” إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ , وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ , تَعِسَ وَانتَكَسَ , وَإذَا شِيكَ فَلا انتَقَشَ ” (جزء من حديث رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه , و”القطيفة” : كساء له خمل يُجعَلُ دثارا , و “الخميصة” : ثوب مُعلّم من خزّ أو صوف , وانتكس , وإذا شيك فلا انتقش .. “

إذا كان هناك عبيد الكاس والطّاس , إذا كان هناك عبيد المسكرات والمخدَّرات , إذا كان هناك عبيد المرأة والغريزة , فإنّ هناك (عباداً للرّحمن) .

هؤلاء العباد الّذين أيس الشّيطان نفسه أن يتسلَّل إليهم , أو يجد منفداً لإغرائهم والسّيطرة عَلَيهم : ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾  [ص :38\82-83]. وقال عزَّ وجلَّ : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:17\65].

أوّل سِمات عبادِ الرّحمن : أنّهم يمشون عَلَى الأرض هَوناً . انظروا كَيفَ بَدَأَ الله أوصافَ عِبَادِ الرّحمن بِهَذِهِ الصِّفَة : ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوناً﴾ , ألِلْمَشْيِ هَذَا الاعتِبَار كلّه ؟! كيفيّة الْمشي , صِفة الْمشي , لها قيمة عِند اللهِ ؟! .

نعم , لأنَّها تُعَبِّرُ عَنِ الشَّخْصِيَّة , تُعبِّرُ تُعبِّرُ عَمّا يَستكنُّ فِيها مشاعِر وأخلاق , فالمتكبّرون الجبّارون لهم مشية , والمؤمنون المتواضعون لهم مشية , كُلٌّ يَمشِي مُعبّراً عمّا فِي ذَاتِهِ .

عباد الرّحمن يمشون على الأرضِ هَوناً , يمشُون مُتواضِعين هيِّنِين ليِّنين , يمشُون بسكينةٍ ووقارٍ , لا بتجبُّرٍ ولا استكبار , لا يستعلون على أحدٍ , لا ينتفشون ولا ينتفخون , لا يمشي أحدهم , وكأنّه يقول : يا أرض انهدّى ما عليك قدّى . لا , إنّهُ يمشي مشية من يعلم أنّه من الأرض خَرَجَ وإلَى الأرض يعُود : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه:20\55] .

وفي وصايا الله –الوصايا الحكيمة في سورة الإسراء , كان النّهي عن مشي المرح والأشر والبطر والإختيال والفخر إحدى هذه الوصايا : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:17\37].

﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ﴾ : مهما دببتَ برجلَيْكَ , ﴿ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ : مهما تطاولت بعنقك , وشمختَ برأسكَ , فامشِ إذَنْ مُتواضِعاً حتّى يُحبّك اللهُ , وحتّى يُحِبّكَ النّاس , فاللهُ لا يُحبّ المختال الفخور , ولهذا نجد القرآن في آية ثالثة يحكي لنا عن وصيّة لقمان لابنه وهو يعظه  , فكان من وصاياه : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:31\18-19].

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ :  لا تُكلِّمْ النَّاسَ وأنت معرض عنهم , مشيح عنهم بوجهك , ولا تجعلهم يكلِّمونك وأنت معرض عنهم , بل أقبل عليهم , وكلِّمهم ووجهك منبسط إليهم .

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا, إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: المختال الذي يظهر أثر الكبر في أقواله , فهو يقول : أنا فلان , وابن فلان , ومن أسرة فلان .

الله لا يحبّ المختال ولا يحبّ الفخور , إنّما يحبّ الله المتواضع الّذي يعرف قَدرَ نفسِهِ , ولا يحتقرُ أحداً من النّاس .

﴿…الذين يمشون على الأرض هونا﴾ :  ليس معنى مشي الهَوْن أنّهم يمشون متماوتين متمارضين , كما يفعل بعض من ينتسب إلى التّقوى والصّلاح , فهو يتماوت ويتصنّع , لا , ما كان هكذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم , ولا كان أصحابه .

كان النّبي – صلّى الله عليه وسلّم-كما روى عنه علي بن أبي طالب – إذا مشي تكفّأ تكفّؤاً  كأنّما ينحطُّ من صبب (أي : كأنّه ينزل من مرتفع إلى منحدر) وهي مشية أولي العزم والهمّة والشّجاعة , كما قال ابن القيّم رحمه الله (في كتابه القيم : (زاد المعاد في هدي خير العباد) . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ما رأيت شَيْئاً أحسنَ من رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – كأنّ الشّمس تجري في وجهه , وما رأيتُ أحداً أسرع في مِشيتِهِ مِنْ رَسُول اللهِ- صلّى الله عليه وسلّم – كأنّما الأرضُ تُطوى لَهُ , وإنّا لنجتهد أنفسنا وإنّه لغير مكترث (يراجع فصل : (في هديه صلّى الله عليه وسلّم في مشيه وحده ومع أصحابه) من كتاب (زاد المعادللإمام ابن القيّم : 1\167-169) بتحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط) .

هكذا , لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متماوتاً ولا بطيئاً , وليس معنى (السّرعة) هنا , السّرعة التي تذهب بالوقار, بل الوسط , لا بالسريع المفرط , ولا بالبطيء المفرّط. هذا هو مشي المؤمنين , مشي فيه قوّة  , وفيه – في نفس الوقت – تواضع.

على الإنسان المؤمن أن يتعلّم التّواضع , وأن يمشي في الأرض هوناً , هذه أوّل صفات (عباد الرّحمن) .

التَّواضُعُ يظهر أثره في المشي , وتزيد المرأة المسلمة في صفة المشي , أنّها تمشي على استحياء , كما وصف الله تلك المرأة ابنة الشّيخ الكبير فقال : ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ .. ﴾ [القصص:28\25] , وقال تعالى : ﴿ .. وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِن… ﴾ [النّور:24\31].

إنّ القبول عند اللهِ وعند النّاس ليس بالخيلاء ولا بالافتخار , فالله لا ينظر إلى من جرّ إزاره خيلاء , لا ينظر إلى من استكبر على عباد الله , وبحسب امرئ من الشّرّ أن يستكبر على أخيه المسلم , إنّما ينظر الله إلى المتواضعين , الّذين تواضَعُوا للهِ , وتواضعوا لعباده , حتّى انّ الله تعالى مَدَحَ الذِّلّة على المؤمنين بقوله في وصف عباده المخلصين : ﴿.. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:5\54].

نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من عباد الرّحمن ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزّمر:39\18].

الْخُطْبَة الثَّانية :

الْحمد للهِ ربِّ العالمين , القائل في تنزيله الحكيم : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

 [آل عمران:3\185], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أَمَّا بَعْد,

فَعِبَادَ اللهِ,  “إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا إما أن يكون غارقاً في شهواتها ولذاتها حتى تنسيه الدار الآخرة.وإما أن يجعل الدنيا دار ممر ويجعل همه الأكبر الدار الآخرة، ويجعل الموت وما بعده نصب عينيه”    – (كفى بالموت واعظاً – للشيخ : ( عائض القرني(

أيّها المسلمون الكرام , نتّهز هذه الفرصة الذّهبية  لإعلان وفاة جدّة شيخنا العلّامة ذكرالله الشّافعي من أمّه-حفظ الله شيخنا ورعاه-وغفر الله جدّته المرحومة وأسكنها فسيح جنّاته.

خلاصة ترجمتها:

اسمها الحاجة منيرة , ولدت في قرية تسمّى أجاغنلاسَيْ (Ajagunlase) , في بلدية بودَيْ أوسِي أولاأولُوا (Bode Osi Ola Oluwa LG) , إيوو (Iwo) , ولاية أوسن . وُلدت في بيت مسلم حيث كان أبواها مسلمَيْنِ صالحين . وكانت عابدة تقيّة ملحة بالدعاء حتّى سُمِّيت (Iya Aladua) أي الأمّ ذات الدّعاء بمعنى محبّة الدّعاء . كانت تدعو لنفسها ولغيرها بالخيرات وتكثر قراءة سورتي قريش والكوثر عقب أدعيتها.

إنّها وحيدة أمّها , أنجبت أمّها كثيراً , ولكنّ مصابة بوفاة أبنائها إلّا جدّتنا هذه التي أبقاها الله لها لتكون قرّة عينها ولذلك سمِّيت الجدّة (Aiyeriyina) بمعنى قد رأت الدّنيا هذه أي لا ندري هل ستعيش أم لا . وأنجبت هي أربعة أبناء رجلا وحدا وثلاث نساء . هؤلاء الأربعة ولدوا ستّا وثلاثين (36) . وأنجب أحفادها أي 36 مائة وواحد وخمسين (151) , وجميع ما تركت الآن من الأبناء وحفدة مائة وواحد وتسعين (191) .

عملها:

كانت  تشتغل بالتّجارة والزّراعة في بداية أمرها بقريتها, وبعدئذٍ تذهب بتجارتها إلى ولاية لاجوس ولذلك تُدعى (Iya Eko) بعنى أمّ لاجوسية . أشياء التى تذهب بها إلى لاجوس : برتقال , وغاري , اليام ..

عقلها السليم وعافيتها ونفقاتها في سبيل الله:

رُزقت جدّة شيخنا عقل سليم وقوة ذاكرة. فبه تحفظ جميع ما جرى بينها وبين آخرين من الأمور الدّينية والدّنيوية كعلاقاتها التِّجارية . وكانت لا تنسى شيئا من مواعيدها . وأكرمها الله بالعافية حتى مع كبر سنّها لم تسقط واحد من أسنانها ولله الحمد والثّناء . وكانت تنفق في سبيل الله كلّ غالٍ ونفيس من أموالها بدون خوف الفقر .

دعوتها وجهادها في سبيل ربّها :

صارت جدّتنا منيرة “أمّ السّنّة” (Iya Sunnah) في حارتها منذ أمدٍ مديدٍ , وكانت تراقب أحوال المسلمات تلك الحارة . وحينئذ قد دخل تبشير نصرانية تلك البيئة وتتنصّرت بعض نساء المسلمين . وإذا لحظت جدّتنا كثرة غيابة إحدى النّساء من المسجد زارتها في بيتها وإذا أدركت أنها قد تنصّرت ذهبت إليها في صحبة بعض النّساء المؤمنات لردّها إلى الإسلام بالوعظ والإرشاد . وتُحرق ملابس كنيستها أمام بيتها وتغسل . هكذا كانت الجدّة تفعل حتّى لم يستطع هؤلاء النّصارى إخراج واحدة من مسلمات تلك البيئة من الإسلام مع ما بذلوا من جهودهم والأموال.

حياتها: دروس وعبر للمؤمنات أفراداً وجماعة :

فعلى كلِّ مسلمة ومؤمنة أن تأخذ دروسها من حياة هذه الجدّة العزيزة :

 إنّما المرء حديث بعده     #      فكن حديثا حسنا لمن وعى

الجهاد في سبيل الله ليس مسئولية الرّجال فقط . ليقرأن النّساء حياة الصّحبيات حول الرّسول صلى الله عليه وسلم وأمّهات المؤمنين-رضي الله عنهنّ أجمعين- بذلت كلّ منهنّ طاقتها في سبيل ربّها . فانظرن إلى حياة جدّتنا هذه وجهادها في سبيل الله . وعلى المسلمات والمؤمنات أمثالها واجبات دعوية وهناك تحدّيات من أعداء الإسلام من النّصارى واليهود والمستشرقين في الوقت الرّاهن. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التّوبة:9\105] .

عمرها ووفاتها:

توفيت جدّتنا منيرة وعمرها تجاوز مائة سنةٍ  بين 115 و120 سنة. اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها وأدخلها الجنة مع الأبرار. ارتحلت إلى الرفيق الأعلى  ليلة الثلاثاء 29\ربيع الثاني \1439هــ (16\1\2018م)

الدّعاء:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply