عربيّة القدس وإسلاميّته

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الرّابعة لشهر ربيع الأوّل  بتأريخ 26\3\1439هـ-15\12\2017م

حَوْل: عربيّة القدس وإسلاميّته

الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالَمِين, الَّذِي مِنَ الْمُعْجِزات الْبَاهِرَة, الّتي أكرم بِهَا نبيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ :مُعجِزَة الإسراء والمعراج, قال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:17\1], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}. 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ, هّذَا هُوَ اللِّقاءُ الرّابعُ من شَهرِ مَولِدِ خَيْرِ خَلْقِ اللهِ , سَيّدِ العرَبِ وَالْعَجَمِ , شَهْرِ رَبِيعِ الأوّلِ , وَقَدْ كُنَّا نُعَالِجُ – مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَسَابِيعِ مَاضِيَة- مَوْضُوعَاتٍ لَهَا علاقاتٌ وطِيدَة بِشَخْصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم . ولَكِنْ مِنَ الْيوم , نَأْخُذُ مَوْضُوعاتٍ جَدِيدة مِنْ أجل قَضِيَّةٍ عَالَمِيّة طَارِئة مُهِمَّة , وَهِي قضيّة كُلِّ مُسْلِمٍ . أيْ قَضِيّة الْقدس الّذي تعدّى عَلَيْهِ أعداءُ الإسلام والمسلمين . حَيْثُ جَعلَ إسرائيل القدس عاصمتَهُ وَاعْتَرَفَ الرَّئِيس الأمريكي بتلك الخطوة الظالمة الخبيثة . فإنّ مَوضُوع خُطْبَتِنَا الْيَوْم يَدُورُ حَوْلَ: عَرَبِيّة الْقُدُسِ وإِسْلامِيّتُهُ : 

 القدس في اعتقاد المسلمين: 

أيّها المسلمون الكرام, القدس في الاعتقاد الإسلامي، لها مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها، ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس، والغيرة عليها، والذود عن حماها وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها، ورد المعتدين عليها. وقد اختلف المسلمون والعرب والفلسطينيون في الموقف من قضية السلام مع إسرائيل (الكيان الصهيوني)؛ هل يجوز أو لا يجوز؟ وإن جاز؛ هل ينجح أو لا ينجح؟ ولكنهم جميعا- مسلمين وعربا وفلسطينيين- لم يختلفوا حول عروبة القدس وإسلاميتها، وضرورة بقائها عربية إسلامية، وفرضية مقاومة المحاولات الإسرائيلية (الصهيونية) المستميتة لتهويدها، وتغير معالمها، ومسخ شخصيتها التاريخية، ومحو مظاهر العروبة والإسلام والمسيحية منها. فللقدس قدسية إسلامية مقدورة، وهي تمثل في حس المسلمين ووعيهم الإسلامي: القبلة الأولى، وأرض الإسراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد كما سنبين ذلك فيما يلي:

أ-القدس: القبلة الأولى أول ما تمثله القدس في حس المسلمين وفي وعيهم وفكرهم الديني أنّها (القبلة الأولى)، التي ظل رسول االله- صلى االله عليه وسلم- وأصحابه يتوجهون إليها في صلاتهم منذ فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة المحمدية؛ أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وظلوا يصلون إليها في مكة، وبعد هجرتهم إلى المدينة ستة عشر شهرا، حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة:2\ 150] ،(وفي المدينة المنورة معلم أثري بارز يؤكد هذه القضية، وهو مسجد القبلتين، الذي صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس، وبعضها إلى مكة، وهو ما يزال قائما، وقد جدد وتعهد، وهو يزار إلى اليوم، ويصلَّى فيه.

ب-القدس أرض الإسراء والمعراج:

 وثاني ما تمثله القدس في الوعي الإسلامي: أن االله تعالى جعلها منتهى رحلة الإسراء الأرضية، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية، فقد شاءت إرادة االله أن تبدأ هذه الرحلة الأرضية المحمدية الليلية المباركة من مكة ومن المسجد الحرام؛ حيث يقيم الرسول- صلى االله عليه وسلم- وأن تنتهي عند المسجد الأقصى، ولم يكن هذا اعتباطًا ولا جزافًا؛ بل كان ذلك بتدبير إلهي ولحكمة ربانية؛ وهي أن يلتقي خاتم الرسل القدس قضية كل مسلم-يوسف القرضاوي 4 والنبيين هناك بالرسل الكرام، ويصلي بهم إماما، وفي هذا إعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بني إسرائيل إلى أمة جديدة، ورسول جديد، وكتاب جديد: أمة عالمية، ورسول عالمي، وكتاب عالمي، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾الأنبياء:21\ 107 ،( ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (الفرقان: 1.( لقد نص القرآن على مبتدأ هذه الرحلة ومنتهاها بجلاء في أول آية في السورة التي حملت اسم هذه الرحلة (سورة الإسراء)، فقال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ (الإسراء: 1 ،(والآية لم تصف المسجد الحرام بأي صفة مع ما له من بركات وأمجاد؛ ولكنها وصفت المسجد الأقصى بهذا الوصف: ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ وإذا كان ما حوله مباركًا، فمن باب أولى أن يكون هو مباركًا. 

ج-القدس ثالث المدن المعظمة:

 والقدس ثالث المدن المعظمة في الإسلام. فالمدينة الأولى في الإسلام هي مكة المكرمة، التي شرفها االله بالمسجد الحرام، والمدينة الثانية في الإسلام هي طيبة، أو المدينة المنورة، التي شرفها االله بالمسجد النبوي، والتي ضمت قبر الرسول- صلى االله عليه وسلم- والمدينة الثالثة في الإسلام هي القدس أو بيت المقدس، والتي شرفها االله بالمسجد الأقصى، الذي بارك االله حوله، وفي هذا صح الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي- صلى االله عليه وسلم- أنه قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا.” فالمساجد كلها متساوية في مثوبة من صلى فيها، ولا يجوز للمسلم أن يشد رحاله، بمعنى أن يعزم على السفر والارتحال للصلاة في أي مسجد كان، إلا للصلاة في هذه الثلاثة المتميزة. وقد جاء الحديث بصيغة الحصر، فلا يقاس عليها غيرها. وقد أعلن القرآن عن أهمية المسجد الأقصى وبركته، قبل بناء المسجد النبوي، وقبل الهجرة بسنوات، وقد جاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن، منها الحديث المذكور، والحديث الآخر: “الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، ما عدا المسجد الحرام، والمسجد النبوي” (متفق عليه)، ومنها ما رواه أبوذر أن النبي- صلى االله عليه وسلم- سئل: أي المساجد بني في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام”، قيل: ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى”.

د-القدس أرض النبوات والبركات: 

والقدس جزء من أرض فلسطين؛ بل هي غرة جبينها، وواسطة عقدها، ولقد وصف االله هذه الأرض بالبركة في خمسة مواضع في كتابه:

أولها: في آية الإسراء حين وصف المسجد الأقصى بأنه: ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [الإسراء:17\1] 

وثانيها: حين تحدث في قصة خليله إبراهيم، فقال: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ﴾الأنبياء:21\ 71.( 

وثالثها: في قصة موسى؛ حيث قال عن بني إسرائيل بعد إغراق فرعون وجنوده: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ (الأعراف:7\ 137.( ورابعها: في قصة سليمان وما سخر االله له من ملك لا ينبغي لأحد من بعده، ومنه تسخير الريح، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ (الأنبياء:21\ 81.(  

وخامسها: في قصة سبأ، وكيف من الله عليهم بالأمن والرغد، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾سبأ:34\ 18 ،(فهذه القرى التي بارك االله فيها هي قرى الشام وفلسطين. قال المفسر الآلوسي: المراد بالقرى التي بورك فيها: قرى الشام، لكثرة أشجارها وثمارها، والتوسعة على أهلها. وعن ابن عباس: هي قرى بيت المقدس، وقال ابن عطية: إن إجماع المفسرين عليه. وقد ذهب عدد من مفسري القرآن من علماء السلف والخلف في قوله تعالى: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين:95\ 1 -3 ] (إلى أن التين والزيتون يقصدما الأرض أو البلدة التي تنبت التين والزيتون، وهي بيت المقدس.  

هــ-أرض الرباط والجهاد:

 والقدس عند المسلمين هي أرض الرباط والجهاد. فقد كان حديث القرآن عن المسجد الأقصى، وحديث الرسول عن فضل الصلاة فيه، من المبشرات بأن القدس سيفتحها الإسلام، وستكون للمسلمين، وسيشدون الرحال إلى مسجدها، مصلين الله متعبدين. وقد فتحت القدس- التي كانت تسمى إيلياء- في عهد الخليفة الثاني في الإسلام عمر بن الخطاب، واشترط بطريركها الأكبر صفرونيوس ألا يسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة نفسه، لا لأحد من قواده، وقد جاء عمر من المدينة إلى القدس في رحلة تاريخية مثيرة، وتسلم مفاتيح المدينة، وعقد مع أهلها من النصارى معاهدة أو اتفاقية معروفة في التاريخ باسم “العهد العمري” أو “العهدة العمرية”؛ أمنهم فيها على معابدهم وعقائدهم وشعائرهم وأنفسهم وأموالهم، وشهد على هذه الوثيقة عدد من قادة المسلمين، أمثال: خالد بن الوليد، وعبدالرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان.  

وقد أعلم االله نبيه محمدا- صلى االله عليه وسلم- بأن هذه الأرض المقدسة سيحتلها الأعداء، أو يهددوا بالغزو والاحتلال؛ ولهذا حرض أمته على الرباط فيها، والجهاد للدفاع عنها؛ حتى لا تسقط في أيدي الأعداء، ولتحريرها إذا قدر لها أن تسقط في أيديهم، كما أخبر عليه الصلاة والسلام بالمعركة المرتقبة بين المسلمين واليهود، وأن النصر في النهاية سيكون للمسلمين عليهم، وأن كل شيء سيكون في صف المسلمين حتى الحجر والشجر، وأن كلا منهما سينطق دالاً على أعدائهم؛ سواء كان نطقًا بلسان الحال، أو بلسان المقال. وقد روى أبو أمامة الباهلي عن النبي- صلى االله عليه وسلم- أنه قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من لأواء (أي أذى) حتى يأتي أمر االله وهم على ذلك”، قالوا: وأين هم يا رسول االله؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس

عربيّة القدس وإسلاميّته :

بطلان دَعَاوَى الْيهود فِي القدس وفي فلسطين عامّة

لليهود والصّهاينة دعاوى عريضة , يزعمون بها أنّ لهم حقّاً في الْقدس أو في فلسطين كلِّها , وهم يتبجّحون بهذه الدّعاوى , التي لا سند لها من الدّين ولا من التّأريخ , وإن أسندوها زورا إلى الدّين وإلى التّأريخ .

لا حقٌّ لليهود في القدس ولا في فلسطين :

ونُؤَكِّدُ هُنَا بِمَا لا يَدَعُ مَجَالاً لِلشَّكِّ : أَنَّ الْقُدُسَ عَرَبِيَّة إسلامِيَّة , كَمَا أَنَّ فلسطِين كُلَّهَا عَرَبِيَّةً إِسْلامِيَّة , وَلَيْسَ لِلْيَهُود فِيها أي حقٍّ , حَتّى يسلبوها مِنْ أهْلِهَا , وَيُحَوِّلُوهَا إِلَى عَاصِمَةٍ لِدَوْلَتِهِم القائِمة عَلَى الاغتصاب والعدوان .

إنَّ الْيَهُودَ يزعمون أنَّ لَهُمْ حَقّاً تأريخيّاً  , وحقّاً دِينيّاً فِي فلسطين , وَالْواقِع أنَّهُمْ مُغْتَصِبُون لِأَرضِ غَيْرهِمْ , وَلَيْسَ لَهُمْ أدنَى حقٍّ فِي هَذِهِ الأرض , لا من النّاحية التّأريخية , ولا من النّاحية الدّينيّة . كَمَا سَنُبَيِّنُ فِيما يلِي :

دَعْوَى الْحقِّ التّأريخي : 

من المعروف تأريخيّاً : أنّ أوّل مَن بَنَى الْقُدُس هُمْ “اليبوسيون” وهُمْ قَبِيلة من قبائِل الْعرب القدامى , نزحت من شبه الجزيرة العربيّة مع الكنعانيين , وذلك مُنذُ نحو ثلاثِين قَرْناً قَبْلَ الْميلاد , وكانت تسمّى   أو مدينة “شالم” , وَهُوَ إله اليبوسيين , كما احتفظت باسمها الأول “يبوس” نسبة إلى القبيلة , وقد ورد ذكر هذا الاسم في التّورة .

وبعد ذلك سكن القدس وسكن فلسطين عامّة : العرب الكنعانيون وغيرهم قروناً وَقُرُوناً , إلَى أن جاءها إبراهيم عليه السلام مهاجراً مِنْ وطَنِهِ الأَصْلِي بالعراق , غريباً , وقد دخل فلسطين هو وزوجه سارة , وعمره – كما تقول أسفار العهد القديم – (75) سنة .

ولما بلغ (100) سنة ولد له إسحاق(سفر التّكوين : ف12) , ومات إبراهيم وعمره (175) سنة , ولم يمتلك شبراً من فلسطين , حتّى إن زوجه سارة لما ماتت طلب من الفلسطينيين لها قيراً (سفر التّكوين :ف 23)  تدفن فيه .

ولما بلغ إسحاق (60) سنة ولد له يعقوب , ومات إسحاق وعمره (180) سنة , ولم يملك شبراً أيضاً منها .

ارتحل يعقوب بذريّته بعد أبيه إلى مصر , ومات بها وعمره (147) سنة , وكان عدد بنيه وأولادهم (70) نفساً لما دخلها , وكان عمره (130) سنة . (سفر التّكوين : ف 46)

ومعنى هذا أنّ الْمُدّة التي عاشها إبراهيم وابنه إسحاق , وحفيده يعقوب في فلسطين : (230) سنة , وقد كانوا فيها غُرباء لا يملكون من أرضها ذِراعاً وَلا شِبراً .

وتقول التّوراة : إنّ المدّة التي عاشها بنو إسرائيل بمصر حتّى أخرجهم موسى : (430) سنة (سفر التّكوين :ف 10)  , كانوا أيضا غرباء لا يملكون شيئاً , كما تقول التّوراة : إنّ المدّة الّتي عاشها موسى وبنو إسرائيل في التّيه بسيناء (40) سنة , أي أن العهد الّذي صدر إليهم من الله مضى عليه حينذاك (700) سبعمائة سنة , وهم لا يملكون في فلسطين شيئاً فلماذا لم يحقق الله تعالى وعده لهم ؟؟

ومات موسى ولم يدخل أرض فلسطين , إنّما دخل شرقي الأردن ومات بها (سفر الخروج : التثنيّة : ف 3)  والّذي دخلها بعده : يشوع (يُوشع) , ومات بعد ما أباد أهلها ( كما تقول التّوراة ) .وقسم الأرض على أسباط بني إسرائيل , ولم يقم لبني إسرائيل ملك ولا مملكة , وإنّما قام بعده قضاة حكموهم (200) سنة , ثمّ جاء بعد القضاة حكم الملوك : شاؤول وداود وسليمان , فحكموا (100) سنة , بل أقلّ , وهذه هي مدّة  دولتهم , والفترة الذّهبيّة لهم . وبعد سليمان انقسمت مملكته بين أولاده : يهوذا في أورشليم , وإسرائيل في شكيم (نابلس) , وكانت الحرب بينهما ضروسا لا تتوقف , حتّى جاء الغزو البابلي فمحقهما محقاً , دمر الهيكل وأورشليم , وأحرق التّوراة , وسبى كلّ من بقى منهم حيا , كما هو معلوم من التّأريخ ..              

نقف هنا نظراً لضيق المقام. أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم .

الْخُطْبَةُ الثّانيّة :

الْحمد لله ربّ العالمين الّذي فضّل اللّغة العربيّة على سائر لغات العالم فأنزل أفضلَ كُتُبِهِ على إمام رُسُلِهِ بأفضل اللّغات , العربيّة الفصحى, القائل في فرقانه العزيز : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  [يوسف :12\2] , وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشّورى:42\7] , نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه , ونصلِّي ونسلِّم على خير خلقه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً .

أمّا بعد , 

فَعِبَادَ اللهِ , يحتفل الناطقون باللغة العربية باليوم العالمي للغة الضاد، الذي يصادف 18 ديسمبر من كل عام، وهو التاريخ الذي أقرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغة العمل في الأمم المتحدة.

فعند إنشاء الأمم المتحدة عام 1945 اعتمدت المنظمة الدولية خمس لغات حية هي الإسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والفرنسية، بحيث تكون لغات توثيق المحاضر الرسمية وأوراق العمل أثناء الاجتماعات، والمعتمَدة في الترجمة الحية المباشرة أثناء المؤتمرات تحدثا وكتابة.

ويعود الفضل في إدراج اللغة العربية لتكون لغة سادسة بجانب تلك اللغات، إلى اقتراح تقدمت به مملكتا المغرب والسعودية أثناء انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) عام 1973.

ففي 18 ديسمبر من ذلك العام، أقر المجلس التنفيذي لليونسكو اعتماد العربية لتكون لغة رسمية سادسة تتحدث بها الوفود العربية، وتصدر بها وثائق الأمم المتحدة، وأصبحت لغة رسمية في الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات الفرعية التابعة لها.

ووفق برنامج “العربية للجميع” غير الربحي لنشر اللغة العربية، فإن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد المتحدثين باللغة العربية كلغة أولى يبلغ اليوم 279 مليون نسمة، هم سكان الدول العربية، يضاف إليهم 130 مليونا آخر يتكلمونها لغة ثانية.

أهمية اللغة العربية ومميزاتها:.

وسنذكر في هذا البحثِ المختصر أهميةَ اللغة العربية، ويمكن أن نلخصَ أهميتها بالنِّقاط التالية:

أولاً: أن البيان الكامل لا يحصل إلا بها: ولذا لم ينزل القرآنُ إلا باللغةِ العربية؛ قال – تعالى -: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]، فدلَّ ذلك على أنَّ سائر اللغات دونها في البيان.

ثانيًا: أن اللغة العربية تُعد مفتاح الأصلين العظيمين؛ الكتاب والسنة:

فهي الوسيلةُ إلى الوصولِ إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما، وارتباط اللغة العربية بهذا الكتابِ المُنَزَّل المحفوظ جعلها محفوظةً ما دام محفوظًا، فارتباطُ اللغةِ العربية بالقرآن الكريم كان سببًا في بقائها وانتشارها، حتى قيل: لولا القرآن ما كانت عربية؛ ولهذا السبب عَني السَّلفُ بعلومِ اللغة العربية، وحثُّوا على تعلُّمِها، والنَّهل من عبابها.

ثالثًا: أنَّ بالعلم باللغة العربية تحصل إقامةُ الحجة على الناس:

وهذا داخلٌ في عموم قول الله – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ﴾ [النساء: 135]، فلا يمكن أن يكونَ الإنسانُ شاهدًا لله إذا لم يكن فاهمًا لما يشهدُ به؛ لأنَّ العلمَ شرطٌ في الشهادة؛ لقول الله – تعالى -:  ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ [يوسف: 81].

رابعًا: أن اعتيادَ التكلم باللغة العربية يؤثِّر في العقلِ والخُلُقِ والدين:

يقول شيخُ الإسلام ابن تيميَّة – رحمه الله تعالى -: “اعلم أنَّ اعتياد اللغةِ يؤثر في العقلِ والخلقِ والدِّينِ تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمَّةِ من الصَّحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ”.

خامسًا: أنَّ اللغةَ العربية والمحافظةَ عليها من الدين، وهي خصيصة عظيمة لهذه الأمة:

قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: “تعلَّموا العربيةَ؛ فإنَّها من دينِكم”، وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: “فإنَّ نفسَ اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهمِ اللغة العربية، وما لا يَتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجبٌ على الأعيان، ومنها ما هو واجبٌ على الكفاية”.

سادسًا: أنَّ اللغة العربية مصدرُ عزٍّ للأمة:لا بد من النظرِ إلى اللغة العربية على أنها لغةُ القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولغةُ التشريع الإسلامي؛ بحيث يكون الاعتزازُ بها اعتزازًا بالإسلام، وتراثه الحضاري العظيم.

سابعًا: أن الجهل باللغة من أسباب الزيغ: فالضعف في علومِ العربية سببُ ضلال كثير من المتفقِّهة.

الدّعاء:

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.          

Leave a Reply