فقه أعمال الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

Click here to download

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الثّالثة لشهر ذي القعدة  بتأريخ 16\11\1437هــ-19\8\2016م

حول: فقه أعمال الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين, حَمْداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه ، كما يُحِبُّ رَبُّنَا تَعَالَى وَيَرْضَى ، الّذِي جَعَلَ الْحَجَّ إِلَى بَيْتِهِ الْحَرامِ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلامِ وَشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِهِ الْجَلِيلَةِ الْعِظَامِ, فَضَّلَهُ وَشَرَّفَهُ وَأَجْزَلَ الْمَثُوبَةَ فِيهِ, الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ {آل عمران:3\96- 97},  وَأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له غفرَ لِمَنْ حَجَّ البيتَ فلمْ يرفُثْ ولَمْ يفسُقْ جميعَ الذنوبِ والآثامِ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ وصَفْوَةُ رسُلِهِ الكِرامِ،الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف: “الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لُيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الَجَنَّةُ” {متفق على صحّته}. صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ إلى يَوْمِ الْحَشْرِ.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِهاَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الإِسْلاَمِ, طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ( البقرة:2\ 197) ، وقال سبحانه: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ

(الحج :22\37).

إِخْوَةَ الإيمان, هَذِهِ هِيَ الْخُطْبَةُ الثَّالِثَة فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَة, ثَانِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ لِأَدَاءِ الْحَجِّ خَامِسِ أَرْكَانِ الإِسلامِ. وَمُنْذُ الْأُسْبُوعَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ , قَدْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ حَوْلَ مَسَائِلٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْحَجٍّ, بدأً بمكانة الْحَجِّ فِي الإِسْلامِ ثُمَّ الْحجِّ: شُرُوطٌ وأحكامٌ.والْيَوْمَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى نُسُوقُ حَدِيثَنَا إلَى: فقه أعمالِ الْحَجِّ والْعُمْرَة.

أعمال الحج والعمرة:

أوّلاً: أعمال الحج: عشرة وهي ما يأت (القوانين الفقهية: ص131 – 135):

1 – الإحرام: نية الحج أو العمرة أو هما، بأن يقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى. وإن حج أو اعتمر عن غيره، قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به أو بها لله تعالى. ثم يلبي عقيب صلاة ركعتي الإحرام.

2 – دخول مكة من أعلاها وهي كَدَاء، ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ثم طواف القدوم بالابتداء بالركن الأسود.

3 – الطواف: وهو ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.

4 – السعي بين الصفا والمروة.

5 – الوقوف بعرفة وبمنى: يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية (سمي يوم التروية، لأن إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ولده، رأى ليلة التروية، فلما أصبح تروى في نفسه، أي فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان، فسمي ذلك اليوم يوم التروية، أو لأن الناس يتزودون فيه بالماء للري في عرفة)، فيصلي فيها الظهر والعصر، ويبيت بها، ثم يروح إلى عرفة بعد طلوع الشمس، فيجمع في اليوم التاسع بين الظهر والعصر مع الإمام في مسجد نمرة أو في غيره، ثم يقف بعرفة حيث يقف الناس.

6 – المبيت بمزدلفة: وهي ما بين منى وعرفة، ويجمع الحجاج بالمزدلفة بين سمي يوم التروية، لأن إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ولده، رأى ليلة التروية، فلما أصبح تروى في نفسه، أي فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان، فسمي ذلك اليوم يوم التروية، أو لأن الناس يتزودون فيه بالماء للري في عرفة.

المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق في ليلة العيد. ويصلون الفجر في المشعر الحرام: وهو آخر أرض المزدلفة، ويقفون للتضرع والدعاء، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى.

7 – رمي الجمار: يرمي الحاج يوم النحر بمنى جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) بعد طلوع الشمس قدر رمح، بسبع حصيات.

ويرمي سائر الجمرات الثلاث في أيام منى: وهي ثاني العيد وثالثه ورابعه، كل جمرة سبع حصيات، مبتدئاً بالجمرة الأولى (الصغرى) وهي التي تلي مسجد الخيف من جهة عرفات، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، بين الزوال والغروب.

8 – الحلق أو التقصير، والأول أفضل للرجال. وتقص المرأة ولا تحلق، وتقطع من جميع شعرها نحو الأنملة، ويدعو عند الحلق، وذلك يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة والذبح إن كان معه هدي. ثم يأتي مكة، فيطوف طواف الإفاضة وهو المفروض.

9 – الذبح: يذبح بعد رمي الجمرة الكبرى، ويجوز الحلق قبل الذبح، والذبح قبل الجمرة. ويجوز ذبح الهدي قبل طلوع الشمس.

10 – طواف الوداع: مستحب عند المالكية، واجب عند الجمهور.

ولا يؤمر به أهل مكة ولا من أقام بها من غير أهلها.

وإذا حاضت المرأة بعد الإفاضة خرجت قبل الوداع عند المالكية.

ثانياً ـ أعمال العمرة: أربعة وهي:

الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.

ثالثاً ـ عمرة النبي صلّى الله عليه وسلم: روى الشيخان وأحمد عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم اعتمر أربع عُمَر (ثبت مثل هذا من حديث عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره (نيل الأوطار: 298/ 4)) في ذي القَعْدة إلا التي اعتمر مع حَجَتَّه: عُمرَته من الحُدَيْبِية، ومن العام المُقْبل، ومن الجِعْرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرته مع حَجته» فهي أربع عمر: عمرة الحديبية لزيارة البيت الحرام في السنة السادسة من الهجرة، وعمرة القضاء من السنة السابعة، وعمرة الجعرانة في السنة الثامنة في وادي حنين بين مكة والطائف، على بعد ثلاث ليال من مكة، والعمرة التي مع حجة الوداع في السنة التاسعة.

كيفية أداء الحج والعمرة:

عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاث: الإفراد، التمتع، القران (راجع فتح القدير: 134/ 2 – 224، اللباب شرح الكتاب: 179/ 1 – 199، القوانين الفقهية: ص 131 – 135، المهذب: 220/ 1 – 232، غاية المنتهى: 407/ 1 – 412.

)، وبينت الأفضل منها في المذاهب في بحث أركان الحج والعمرة.

أولاً ـ كيفية الإفراد: الإفراد أن يحرم بالحج وحده، ثم لا يعتمر حتى يفرغ من حجه.

وكيفيته: أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام، والغسل أفضل منه، ويلبس ثوبين جديدين أوغسيلين إزاراً ورداء، ويتطيب، ويصلي ركعتي الإحرام، في غير وقت الكراهة، ويقول: (اللهم إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني)، ثم يلبي عقب صلاته، ناوياً بتلبيته الحج، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة، وبالأسحار.

فإذا لبى ناوياً فقد أحرم، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال (الرفث: الجماع، أو الكلام الفاحش، والفسوق: المعاصي: والجدال: الخصام مع الرفقة وغيرهم)، ولا يقتل صيداً ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا يمس طيباً، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً.

ولا بأس أن يغتسل بغير صابون؛ لأنه نوع طيب، وله أن يستظل بالبيت والمظلة، وأن يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة.

فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته، داخلاً ـ كماذكر الحنفية ـ من باب السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ودعا بما أحب، فإنه من أرجى مواضع الإجابة.

ثم يطوف غير المكي طواف القدوم؛ لأنه تحية البيت، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له، مكبراً مهللاً (لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمدصلّى الله عليه وسلم)، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة، مستلماً له بباطن كفيه، ثم مقبِّلاً له إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً (يقول في أثناء الطواف: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ، ثم يدور حول الكعبة عن يساره، ويطوف بالبيت سبعة أشواط، من وراء الحطيم (الحِجْر)، ويستلم الحجَر والركن اليماني في كل شوط يمر بهما، ويختم الطواف بالاستلام كما ابتدأ به، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد، في وقت مباح غير مكروه.

وليس على أهل مكة طواف القدوم، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها، سقط عنه طواف القدوم، ولا شيء عليه لتركه.

ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً، يصعد على كل منهما، ويستقبل البيت، مكبراً مهللاً، مصلياً على النبي صلّى الله عليه وسلم، داعياً الله تعالى بحاجته، ويرمل بين الميلين الأخضرين، مبتدئاً بالصفا، مختتماً بالمروة.

ثم يقيم بمكة محرماً، يطوف بالبيت كلما بدا له، ثم يخرج في ثامن ذي الحجة إلى منى، فيبيت فيها، ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر).

وفي اليوم التاسع يتوجه إلى عرفات، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين. ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف.

ثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة، وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، ويدعو، ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يجتهد في الدعاء. ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج. ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه، أو لم يعلم أنها عرفة، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف.

فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين، حتى يأتوا المزدلفة، فينزلوا بها. والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام. ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامة واحدة عند الحنفية، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر.

فإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف، ثم وقف بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقف الناس معه، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم، ويلتقط حصى الرمي سبعين من المزدلفة.

والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة).

ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى، فيرمي جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حَصَيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها؛ لأنه لا رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة (هذا رأي الجمهور، وقال المالكية: تقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة.)،إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل.

ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة، والحلق أفضل من التقصير، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء، وإلا الصيد والطيب عند المالكية.

ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين، فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف الفرض) سبعة أشواط، ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف،

ويضطبع (الرمل: أن يسرع الطائف مشيه مقارباً خطاه، والاضطباع: جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويكشفه إن تيسر، ويلقي طرفيه على عاتقه الأيسر، ولا يسن ذلك في ركعتي الطواف لكراهته في الصلاة، ثم يعيده عند إرادة السعي)

فيه إن سعى الآن؛ لأن الرمل والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي.

ويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)، فإن أخره عنها، لزمه دم عند أبي حنيفة.

ثم يعود إلى منى، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام النحر، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها ويدعو؛ لأن بعده رمي، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي جمرة العقبة، ولكنه لا يقف عندها؛ لأنه ليس بعدها رمي.

ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وله أن يتعجل النفر إلى مكة بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد الزوال بعد طلوع الفجر. وينزل بالمُحَصَّب (يقال له: الأبطح وخيف بن كنانة) عند نفره إلى مكة.

وإذا أراد الحاج مغادرة مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، لفراغه من أعمال الحج.

والمرأة والخنثى المشكل في جميع ماسبق كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمُل في الطواف، ولاتهرول بين الميلين الأخضرين، ولا تحلق رأسها، ولكن تقصِّر، وتلبس المخيط والخفين. وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال الحج غير الطواف بالبيت، فإنها تنتظر حتى تطهر.

وإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.

ثانياً ـ كيفية التمتع: التمتع لغة: الانتفاع، وشرعاً عند الحنفية: الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثرها، وإحرام الحج وأفعاله، في أشهر الحج، من غير إلمام صحيح بأهله.

والمتمتع نوعان عند الحنفية: متمتع يسوق الهدي، ومتمتع لا يسوق الهدي. وحكم الأول كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى، ولا يتحلل بعد العمرة، بل يظل محرماً، حتى يحرم بالحج يوم التروية، وينحر الهدي يوم النحر، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث جابر المتقدم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فهذا يفيد أن التحلل لا يتأتى إلا بإفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، ولو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: «لجعلتها عمرة» وتحللت (فتح القدير: 214/ 2.1). وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي، أحرم، وساق هديه.

وصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات، فيحرم بعمرة، ويدخل مكة، فيطوف للعمرة، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ويتحلل من عمرته بما فعل، ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم بمكة حلالاً.

فإذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أحرم بالحج من المسجد الحرام ندباً، ويشترط أن يحرم من الحرم؛ لأن المتمتع في معنى المكي، وميقات المكي في الحج: الحرم، كما تقدم في المواقيت. ثم يفعل ما يفعله الحاج المنفرد.

والأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية، لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة.

وعليه دم التمتع (وهو عند الحنفية دم شكر، فيأكل منه)، فإن لم يجد الدم، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من أداء نسكه، ولو قبل وصوله إلى أهله.

فإذا حلق يوم النحر، فقد حل من الإحرامين جميعاً؛ لأن الحلق مُحلِّل في الحج كالسلام في الصلاة، فيتحلل به عنهما.

وليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، وقال الحنفية: يكره القران للمكي.

بطلان التمتع: يبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة، ولم يكن ساق الهدي؛ لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً. أما إذا كان قد ساق الهدي، فلا يكون إلمامه صحيحاً، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه يجب عليه عند الأول، ويندب عند الثاني العود إلى الحرم لأجل الحلق؛ لأنه مقيد بالحرم، والعود يمنع صحة الإلمام.

أما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية. فيكون الفرق بين القران والتمتع عند الحنفية: هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله، والقران لايشترط فيه عدم الإلمام بأهله.

متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً؟ قال الحنفية: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم يتمها حتى دخلت أشهر الحج، فتمَّمها في أشهره، وأحرم بالحج، كان متمتعاً؛ لأن الإحرام عندهم شرط لا ركن، فيصح تقديمه على أشهر الحج كما بينت، وإنما يعتبر أداء الأفعال في أشهر الحج، وقد وجد الأكثر، وللأكثر حكم الكل.

أما إن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً، ثم حج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً؛ لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج، فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج.

والحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر الحج، فكأنها حصلت كلها، والمتمتع: هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج.

ثالثاً ـ كيفية القران: القران لغة: الجمع بين الشيئين مطلقاً، وشرعاً: الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد.

وصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، إما حقيقة بنية الأمرين معاً، وإما حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم: بأن أحرم بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر الطواف؛ لأن الجمع قد تحقق؛ لأن الأكثر منها قائم، ويصح العكس عند الجمهور: بأن يحرم بالحج، ثم يدخل العمرة عليه، لكنه مكروه عند الحنفية.

وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة، فلايجوز إدخال الحج على العمرة.

ويلحق القران عند الحنفية التمتع إذاساق المتمتع الهدي، كما أوضحت، فلا يتحلل بعد العمرة، كما هو شأن المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.

ويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام: (اللهم إني أريد الحج والعمرة، فيسرهما لي، وتقَّبلهما مني) لبيك اللهم لبيك … إلخ.

فإذا دخل القارن مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأُول منها، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة.

ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد، ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم، ويطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة كالمفرد، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196/ 2] وتمامها أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.

ويدل له أن صبيّ بن معبد لما طاف طوافين وسعى سعيين، قال له عمر: «هديت لسنة نبيك» (قال الزيلعي: هذا الحديث لم يقع هكذا، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الصبيّ بن معبد الثعلبي، قال: «أهللت بهما معا ً»، فقال عمر: «هديت لسنة نبيك» (نصب الراية: 109/ 3))، وقال علي في القارن: «إذا أهللت بالحج والعمرة، فطف لهما طوافين، واسع لهما سعيين بالصفا والمروة». (رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار (نصب الراية: 111/ 3).

وقال الجمهور (المغني: 456/ 3 ومابعدها، مغني المحتاج: 514/ 1.3): يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد، لما روى الترمذي وصححه أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد، حتى يحل منهما جميعاً» (وأخرجه أيضاً ابن ماجه عن ابن عمر، ورواه أحمد بلفظ «من قرن بين حجة وعمرة، أجزأه بهما طواف واحد» (نصب الراية: 108/ 3)) لكن يطوف القارن كالمفرد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، ويسعى بعده إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم.

وقالت عائشة: « … وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحدا» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم لعائشة لما جمعت بين الحج والعمرة: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك» (أخرجه مسلم).

دم التمتع والقران: اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج الهدي (المغني: 469/ 3، مغني المحتاج: 516/ 1.)، لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/ 2].

ودم القران والتمتع: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منهما عند الشافعية. وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عند الحنفية رافضاً لعمرته بالوقوف، وسقط عنه دم القران، وعليه دم لرفضه عمرته، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه، ووجب عليه قضاؤها؛ لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.

ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات.

نَقِفُ هُنَا نَظَراً لِضِيقِ الْمَقَامِ. وَإِنْ شَاءَ اللهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ سَنَسْتَمِرُّ وَسَنَأْتِي بِبَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْحَجِّ وآدَابِهِ فِي الْخُطْبَةِ الْقَادِمَة.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَة الثَّانيّة:

الْحمد للهِ الّذي جعل الوقت من أهم عناصر الإنتاج، ومن أجل بالغ أهميته هذه فقد بين لنا سبحانه أنه هو الذي قدَّر الوقت، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}[المزمِّل:73\ 20 ]. والصّلاة والسّلام على خير خلق الله, سيِّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

أمّا بعد,

فَعِبَادَ اللهِ, إنّ أغلَى سِلع في حياةِ الإنسان وَقته, لأنّ الوقت هو الحياة. وكما أنه سبحانه وتعالى قدّر الوقت، فقد قدّر إنجاز التكاليف فيه، “وبذلك نظم الإسلام حياة المسلم ووقته؛ فقد نظم نومه واستيقاظه، وأداءه للشعائر، وانطلاقه إلى ميدان الحياة، ليجعل عمله كله عبادة لله عزَّ وجلَّ يقوم على أساس الشعائر كلها وعلى أساس من ذكر الله الملازم له، وبذلك أصبح الوقت في حياة المسلم عبادة ممتدة، أما الوقت في الحضارة الغربية والنظرية المادية للإدارة وغيرها فإنه لا يخرج عن نطاق المثل الشائع عندهم الوقت مال money) “) Time is) وإذا قارنّا هذه العبارة بقول الحسن البصري رحمه الله: (أدركتُ أقواماً كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على درهمه ودنانيره) (ابن المبارك، عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي أبو عبد الله 118-181هـ, تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1419هـ – 1998م، ص51).

نستنتج عندها أن الوقت في تقدير المسلم أغلى من المال؛ ذلك أنه يدرك أن المال يمكن تعويضه بيد أن الوقت منصرم، إذا فات لا يعوض.

إخْوَةَ الإيمان, اِحْذَرُوا مِنْ مُضَيِّعات الأوقات أمثال الرِّياضيات المتنوِّعة الأولمبيّة الْعالميّة التِي تجرِي في الوقت الرّاهن في البرازيل (5-21 أغسطس, 2016م, المسمَّى ب:

 (( Rio Olympics 2016: a major international multi-sport event))

لأنّ أمثال هذه الألعاب تضيِّع الأوقاب وتُميت القلوب وتصُدّ عن ذكر الله وعنِ الصَّلاة. ولسيّما الأموال الطّائلة الّتي تُنفَقُ من أجل هذه الرّياضيات.

وأضِفْ إلى ذلك, أنَّنا نحُثّ قوّات الأمن النّيجيرية أن تبذلّ كلّ ما في وسعها من الطّاقات في سبيل إنقاذ بنات شبوكس من قبض جماعة بوكو حرام , لأنّ جماعة بوكو حرام نشرت فيديو هذا الأسبوع ورأى آباء البنات بناتهم. وتطلب هذه الجماعة اطلاق سراح أعضائهم الّذين في  حبس رجال الأمن ويكون ذلك شرطاً لإنقاذ هؤلاء البنات من قبضهم.

وأخيراً, نُوصِي حجّاج بيت الله المحرّم في هذه السّنّة أن يحفظوا جميع إنذارات حكومة المملكة العربيّة السّعودية. لأنّ غرامة هذه الإنذارات شديدة وغليظة لمن خالفها. ألّا يحملوا في سِلَعِهم كولا, والمخدِّرات بأنواعها المختلفة وغيرها من تحذيرات حجّاج بيت الله. ونسأل الله لهم التّوفيق والسّداد. اللهم اجعل حجّهم حجّاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وعملاً متقبّلاً.

الدُّعَاءُ:

اللّهمَّ كُنْ مَعَ حُجَّاجِ بيتِكَ الْمُحرّم فِي مَشَارقِ الأرْضِ وَمَغَارِبِها, اللهم أَرِهِمُ الْحقَّ حَقّاً وَارْزُقْهُمُ اتِّبَاعَهُ وَأَرِهِمُ الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْهُمُ اجْتِنَابَهُ, اللهُمَّ اجْعَلْ حَجَّهُمْ حَجّاً مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً, وَرُدَّهُمْ بَعْدَ إِكْمَالِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِين, مَغْفُورِينَ لَهُمْ كَيَوْمِ وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ. يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. اللَّهُمَّ رَبِّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ. اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply