KHUTBAH JUM'AH 9TH SAFAR, 2013 (13TH DECEMBER, 2013)

بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثّانيَّة لشهر صفر بتأريخ 10/2/1435ه (13/12/2013م)

حول دور المسجد في إصلاح المجتمع

الحمد لله الذي جعل المساجد مَقَرَّ إعلانِ العبوديةِ لَهُ وإخلاصِ توحيده ودعائه، نحمَده ونستعينه ونؤمن به ونتوكّل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلّغ الرسالة وأدّي الأمانة وجاهد في سبيل ربّه حقّ جهاده وترك أمّته علي النهجة البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فصلوات الله وسلامه عليه وعلي آله الطَّاهرين وأصحابه المتّقين وعلي من نهج مناهجهم واهتدي بهديهم واقتفى آثارهم إلي يوم الدين.

أما بعد,

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوي الله عزّ وجلّ فإنّها خير زاد، فبها يفجّر ينابيع الخير من داخل النفوس,و يولد الطاقات ويشحَذ الهمم والعزائم، فبها يشعر العبد بمعية الله: قال تعالي: "فتزوّدوا فإن خير الزاد التَّقوى واتقون يا أولي الألباب" (البقرة: 197)

إخوةَ الإيمان، هذا اللّقاءُ الثالثُ حول أسس المجتمع الجديد وقد أخذنا نتناوّل هذه الأسس شيئاً فشيئاً فتحدّثنا في الخطبة الماضية عن أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي ولم يمكن لنا إحاطة الحديث عن المسجد مستوعبا جميع جوانبه في أوّل الوهلة فلا بدّ من المواصلة إذاً, فموضوع هذه الخطبة يدور حول دورِ المسجد في إصلاح المجتمع.

أيها المسلمون الكرام، إنَّ المسجدَ في الإسلام من أهمِّ الدّعائم التي قام عليها تكوينُ الفرد المسلم وبناءُ المجتمع الإسلامي في جميع العصور عبرَ التأريخ الطويل، ولا يزال المسجد من أقوي الأركان الأساسية في تكوين الفرد والجماعة وتكوين المجتمع الرّاقي في حاضر المسلمين وسيبقي كذلك في مستقبلهم إن شاء الله تعالى.

إخوتي الأعزاء فقد رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ النبي صلي الله عليه وسلّم قال: أحبُّ البلادِ إلي اللهِ مساجدُها وأبغضُ البلادِ إلي اللهِ أسواقُها" – مسلم.

ومن الأعمال المسجدية: الإمامة وإقامة الصَّلوات والدَّعوة والبيان والتَّعليم وكذلك للمسجد دورٌ إجتماعي من تزاوُرٍ وتشاوُرٍ وتكافُلٍ وتفقُّدٍ لأحوالِ المسلمين: الوعظُ والتذكيرُ والإصلاح ُوالفلاحُ.

المسجد على عهدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم والخلفاءِ الرَّاشدين:

لم يكُنِ المسجد على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلّم والخلفاء الرّاشدين من بعده مقتصراً على أداء الصَّلوات والشعائر التعبّديّة، بل كان له شأنٌ عظيمٌ إذ من خلاله كانت تسيّر كافة شئون المجتمع المسلم فقد كان المسجد بمثابة:

1. مؤسَّسة تعليمية (مدرسة، معهد، كلّية، جامعة): يهتمُّ بإعداد وتربية النَّشْءِ على موائد الإسلام، فكان المسجد كخلية نحل وتُوجَدُ حلقات عديدة في زواياه، هذه لتحفيظ القرآن الكريم وتلك للتفسير وثالثة للحديث ورابعة للفقه وخامسة للعقيدة ... إلخ

2. مؤسسة تشريعية (برلمان): ما مِنْ أمرٍ مِنْ أُمورِ المسلمين العامَّة أو إذا نزلَتْ نازلةٌ بالمُجْتَمع أو إنذارات خطر تحدق بالمجتمع، إلا ويخرج منادي رسول الله- صلَّى اللَّه عليه وسلّم- أو خليفة المسلمين، ويُنادي في الناس للإجتماع في المسجد، حِينما يَخرُج رسول الله - صلَّى اللَّه عليه وسلّم - أو الخليفة ويعرض الأمر على عامَّة المسلمين للتَّشاوُّر ويستعرض آرائهم ثم يَبُثُّ في الأمر ويتخذ القرار المناسب بالشُّورَى.

3. مؤسَّسة عسكرية: جميعُ الجيوش الإسلامية التي شاركت في الحروب والغزوات والسرايا على عَهْدِ رسولِ الله – صلَّى اللَّه عليه وسلّم - والخلفاء الراشدين كانت تعد وتخرّج من المساجد، بعد أن تشَرَّبَتِ الْمفاهيم الإسلامية. المشار لها سابقا، وقد تعلم أيضا الجندية وفنون القتال، إلي جانب تعلمه قيم وأخلاقيات الجهاد في الإسلام: (لا تقتل طفلا أو شيخا كبيرا أو امرأة أو راهبا في صومعته، ولا تقتلع شجرا ... إلخ)

4. مؤسسة إعلامية: أخبار وشؤون المجتمع المسلم كبيرها وصغيرها، الداخلية والخارجية كان مصبها المسجد، فمن أراد التعرُّفَ علي أخبار المجتمع المسلم ما عليه إلا التَّوَجُّه للمسجد ويأخذ من الأخبار ما يريد.

5. دار الضيافة: الوفود التي كانت تفد إلي رسول الله – صلَّى اللَّه عليه وسلّم - أوِ الْخُلفاء الرَّاشدين من خارج المدينة المُنَوَّرة، كان يتِمُّ استقبالُها في المسجد، وأي مكان أجَلُّ وأفضَلُ من أن ينزل الوفد ضيفا علي الله تعالي في بيته (المسجد)

6. دار قضاء: كان المسجد بمثابة دار للقضاء (مَحْكَمة) للحكم والفصل بين (المتخاصمين والمتنازعين)، تستقي وتستنبط الأحكام من كتاب الله تعالي ومن سنّة المصطفى – صلَّى اللَّه عليه وسلّم - لا كما هو حال محاكمنا اليوم، التي تستقي أحكامها من القوانين الوضعية التي هي من وضع البشر.

7. مؤسسة خدمة اجتماعية: من له حاجةٌ أو نزلَتْ به نازلةٌ أو حلَّتْ به ضائقة ما عليه إلا التوجُّه للمسجد، وهناك سَيَجِدُ من يسُدُّ حاجته ويكفيه السؤال، ويرفع ما به من مصائب ونوازل، ونتذكَّر هنا "أهل الصفة" الذين كانوا تحت رعاية وإشراف الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم.

المسجد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة:

لو عقَدْنا مقارنةً بين دَوْرِ المسجد على عَهْدِ الْمجتمع الإسلامي الأول، وبين دور المسجد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، نجد أن البَوْنَ شاسِعٌ، والفَجْوةَ كبيرةٌ، ولا وجه للمقارنة إلا في وجْهَيْنِ، الأوَّل/ الرَّسْمي (المسجد)، الثاني/ أداء الصلوات والشعائر التعبُّديَّة. هذه هي الصفة الغالبة علي مساجد المسلمين في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

مشروعية عمارة المساجد الحسية:

قال الله تعالي: {إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} الآية 18 من سورة التَّوبة. قال القرطبي في تفسير الآية: قد أثبت الإيمان في الآية لِمَنْ عَمَّرَ الْمساجد بالصَّلاة فيها وتنْظِيفِهَا وإصْلاحِ مَا وهِيَ منها وآمن بالله. ففي هذا النص القرآني شهادة لعُمَّارِ الْمَسَاجِد، وذلك أن عِمَارَةَ المساجد من شَأْنِ الْمُؤْمِنين وهُمُ الْحَقيقيُّون بِعِمارَةِ المساجد حِسِيًّا ومَعْنَوِيًّا.

إن عودة دور المسجد كما كان في العصر النبوي والراشدي وعهود التابعين ... هي الوضع الصحيح والصورة المثلي لما يجبّ أن تكون عليه المساجد بحيث تكون مكانا للعبادة ومعهد للعلم وميداناً للتربية ومحلاًّ للتعارُّفِ والأُخُوَّة ومجلساً للشُّورَي والتَّناصُح.

آداب مع المسجد

1. يمنع وينزه المسجد عن النجاسات والقاذورات – حديث الأعرابي الذي بال في مسجد النبي: فقال: (إن هذه المساجد لا تَصْلُحُ لشيْئ ٍمن هذ البَوْلِ ولا القذر، إنّما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)

2. يستهين بعض الناس بالبصاق: ( عرضت عليّ أعمال أمتي حَسَنها وسيئها، فوَجَدْتُ في محاسن أعمالهم الأذي يُماطُ عنِ الطَّريق، ووَجَدْتُ في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن).

3. تنزيه المسجد عن الروائح الكريهة: سواء أكانت من آثار أطعمة أو من غيرها

4. لا يدخل المسجد حائض ولا جنب عند جمهور العلماء، لحديث عائشة قالت: (جاء رسول الله صلي الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: << وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب >>، وقد أجاز بعض العلماء مرور الجنب في المسجد دون الجلوس فيه، لقوله تعالى: { ولا جُنُباً إلاَّ عابري سبيل حتي تغتسلوا} وأجاز بعضهم المكثَ لِلْجُنُبِ في المسجد إِنْ تَوَضَّأَ.

5. من فَقَدَ شَيْئًا فَلْيَطْلُبْهُ خارجَ الْمَسْجِدِ: ولا يرفع صَوْتَهُ في الْمَسْجِدِ ليُعَرِّفَ بما ضاع منه ، ويطلب ردَّها ممَنْ وَجَدَهَا ، فقَدْ جاء النَّهْيُ عنْ هذا فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: << من سمع رجلا ينشدُ ضالةً في المسجد ، فلْيَقُلْ: لا ردَّها اللهُ عليك، فإنَّ الْمساجد لم تُبْنَ لهذا >> ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: << نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الشراء البيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة .. وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة >> رواه أحمد وأصحابُ السُّنن.

6. يُمْنَعُ رفع الصوت في المسجد: استنبط العلماء من النهي عن نشدان الضالة في المسجد، وعن البيع والشراء فيه كراهة رفع الصوب في المسجد، لأن رفع الصوت ملازم لما سبق.

7. يُمْنَعُ اتِّخاذُ المسجد علي قبر: فقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يشْغُلْه ُمرَضُه الذي تُوُفِيَ فيه عن أن يُحذِّرَ الأُمَّةَ منْ ذلك، حتَّى ولو كان القبْرُ قَبْرَ النَّبيِّ، خوفاً منَ الْمبالغة في تعظِيمِهِ والافْتِتَانِ به، ورُبَّمَا أدَّي ذلك إلي الشِّرْكِ، كما آل الأمر بكثير من الأُمَم ِالسَّابِقَة.

8. يُمنَع شدُّ الرِّحال لغير المساجد الثلاثة:المسجد الحرام بمكَّة المكرَّمة, والمسجد النّبوي بالمدينة المنوَّرة, والمسجد الأقصا بالقُدُس.

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد القهّار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع سنّته واقتفى آثاره إلي قيام الساعة.

عباد الله، فقد قال سبحانه وتعالي: " تلك الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُها للّذين لا يُرِيدُونَ عُلُوًّ فِي الأَرْضِ وَلا فسادًا والعاقِبةُ لِلْمُتَّّقِين " (القصص: 93)

إخوة الإيمان، إن هناك وقائع وحوادث وقعت في هذه الأيام في نيجيريا، نُشِرَ في الأخبار أنَّ طائفة بوكو حرام (Boko Haram) هجموا على ثُكنة ِالْقُوّةِ الجوية (Air force) بمدينة ميدُغُري (Maiduguri) في ولاية بورنو (Borno) أليس في العام الماضي هجموا علي ثُكنة الجنود؟(Army Barrack) فإِنْ دلّ هذا على شيئٍ فإنما يدَلَّ على أنه ليس في بُقْعَةٍ من بِقاع أرض نيجيريا أمْنٌ ولا طُمأنِينَةٌ لولا أن الله تعالي هو الذي يَتَولَّي حِفْظَ هذا الوطن وغيره من أوطان العالم لكان أمر نيجيريا أسوأ وأشقي، فقد قال سبحانه وتعالي: " فالله خير حافظاً وهو أرحم الرََّاحِمِين " (يوسف: 24). وقد تُوُفِيَتْ في هذه الواقعة نفوس كثيرة من الجنود والأبرياء، إنا لله وإنَّا إليه راجعون، واللّه المسؤول أن يغفر ويرحم المُسلمين منهم ونسأله سبحانه وتعالى الأمن والسَّلامة.

وفضلا عن ذلك، لقد حدثت مواجهة بين الشُّرْطَة ِواللُّصُوصِ في طريق ما بين بِينن و لاغوس من حيث مات فيها بعضُ من الفريقين.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْنا وأصلحْ سادَتَنا وولِّ أمورَنا خِيارَنا ولا تُوَلِّ أمورَنا شِرَارَنَا ولا تُسَلِّطْ عليْنَا منْ لا يخافك فينا ولا يرحمُنا. اللَّهُمَّ لا تدَع ْلنا ذنباً إلا غَفرْتَه ولا هَمَّ إلا فرَّجتَه ولادَيْنا إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفَيْتَه ولا فقيرًا إلا أغْنَيتَه ولا فسادا إلا أصْلَحْتَه ولا مُجاهِداً في سبيلك إلا نَصَرْتَه ولا حاجةً منْ حوَائج الدُّنيا والآخرة إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

اللهم بدّل عسرنا يسراً وضيقنا سعةً وفقرنا غنى وضَعفنا قوَّة وخوفنا أمنا وسلاما واستقرارا لنا ولسائر المسلمين يا أرحم الراحمين.

اللهم صلّ وسلّم علي عبدك ورسولك محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما .... سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلام علي المرسلين والحمد لله رب العالمين.

Quran 32:23