مِنْ صِفاتِ الْيَهُود فِي القرآنِ والسُّنَة (1)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْخُطْبة الْأُولى لشهر ربيع الثّاني بتأريخ 4\4\1439هــ-22\12\2017م
حول : مِنْ صِفاتِ الْيَهُود فِي القرآنِ والسُّنَة (1)
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً, القائل في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[سورة النحل:16\89], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَأَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذلَّت له الرِّقابُ ، ولانت له الصِّعابُ وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، خير من دعا إلى ربِّه وأجاب، سلكَ طريقَ الحقِّ فأصاب ، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى جميع الآل والأصحاب ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ {الزّمر:39\18} ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم المآب..
أما بعد:
فَعِبَادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ظَاهِراً وَبَاطِناً, عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ …وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ {البقرة: 2\197}.
إِخْوَةَ الْإِيمانِ الْكِرَام, هَذَا هُوَ اللِّقاءُ الأَوَّلُ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الثَّانِي وَنَحْنُ عَلَى قَضِيَّة الْقُدُسِ الّتي هيَ قَضِيَّةُ كُلِّ مُسْلمٍ. وفِي الأُسْبوع الْماضِي فصّلْنا الْحديث عَنْ عرَبيَّة القُدس وإسلاميّتِهِ حَيْثُ بيّنّا مكانةَ الْقُدس في اعتقادِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا من أجْل جعل القدس عاصمة لإسرائيل الّذي اعترف به الرّئيس الأمريكي ترمب . فإنّ مَوْضُوع خُطْبَتِنا الْيَومَ يتركّز عَلَى صِفات الْيهود في القرآن والسُّنَّة :
من صفات اليهود في القرآن والسنة:
أيُّها الْمُسْلِمُون الْكِرَام, من المعلوم عند الناس أن اليهود هم شر خلق الله, فهم شر من وطأ الحصى لأنهم قتلة الأنبياء, ومفترو الكذب على الله, الخونة الجبناء، ناقضوا المواثيق, وفوق ذلك فقد حاولوا قتل النبي المصطفى – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – عدة مرات لكن الله – تبارك وتعالى – نجاه وحفظه.
والمتتبع للتأريخ يدرك غدرهم وحمقهم وشدة عدائهم للمسلمين, ومن نظر في عصرنا الحاضر ما قاموا به من الإجرام ضد إخواننا في أرض غزة علم ذلك, فقد هدموا البيوت، وقتلوا النساء والأطفال، وسفكوا الدماء, وضربوا بالأسلحة المحرمة دولياً، وحطموا الكهرباء والممتلكات والمستشفيات – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, هو حسبنا ونعم الوكيل -, وفيما يلي سوف نقوم بجمع ما تيسر جمعه من صفاتهم الواردة في القرآن والسنة؛ نسأل الله – تعالى – التوفيق والسداد:
أ-هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا: قال الله – تبارك وتعالى -: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [ سورة المائدة:5\ 82] قال الإمام الطبري – رحمه الله تعالى -: “لتجدن يا محمد أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام؛ اليهودَ والذين أشركوا”( تفسير الطبري (10/498)) ، وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسير الآية: “ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغَمْط للناس، وتَنَقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غير مرة، وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين – عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة -“( تفسير ابن كثير (3/166)), وقال الرازي – رحمه الله -: “اعلم أنه – تعالى – لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل نبه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين، ولعمري أنهم كذلك”( تفسير الرازي (6/133)), وقال الخازن – رحمه الله – في تفسيره: “اللام في قوله لتجدن لام القسم تقديره والله يا محمد إنك لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا بك وصدقوك؛ اليهود والذين أشركوا، ووصف الله شدة عداوة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق، وجعلهم قرناء المشركين عبدة الأصنام في العداوة للمؤمنين، وذلك حسداً منهم للمؤمنين” (تفسير الخازن (2/320))، وقال ابن سعدي – رحمه الله -: “فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعياً في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغياً وحسداً، وعناداً وكفر”( تفسير السعدي (1/241)).
ب-ومن شدة العداء أنهم يعرفون الحق لكنهم لا يتبعونه, فهم يعرفون أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حق، وأنه من عند الله؛ ولكنهم لم يتبعوه، ولما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – ووصل إلى المدينة نظر إليه اليهود فعرفوه، وأكنوا له العداوة كما روت ذلك أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا – صلى الله عليه وسلم – فإنها ذكرت أن حيي بن أخطب أحد زعماء يهود لما قدم النبي – عليه الصلاة والسلام – المدينة رآه فعرف أنه نبي مما قرأ عنه في التوراة، تقول صفية – رضي الله عنها -: “أن أباها وعمها التقيا بعد أن رأيا النبي – عليه الصلاة والسلام -، فقال عمها لأبيها: أهو هو؟ قال: نعم أعرفه بوجهه – أو بنعته -، قال: فما في صدرك له؟، قال: عداوته ما بقيت”، وهذا مصداق قول الله – جل وعلا -:, و﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [سورة البقرة:2\146]قوله – تبارك وتعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾”[ سورة الأنعام:6\20]( الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم (1/99) بتصرف), ولقد ورد في القرآن الكريم أنه من شدة عداوتهم للمؤمنين: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [ سورة التوبة:9\32], و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف:61\8].
ج-عنادهم وتعنتهم، وكثرة أسئلتهم واستفسارهم: إذ من صفاتهم القبيحة أنهم متعنتون, يكثرون الأسئلة والاستفسارات، ومن أمثلة لذلك ما ذكره الله – تبارك وتعالى – في محكم التنزيل عما وقع بين موسى – عليه السلام – وبين قومه عندما أمرهم أن يذبحوا بقرة, فقالوا: أتتخذنا هزواً, ثم قالوا: ما هي, ما لونها ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة البقرة:2\67-71], وقالوا لموسى – عليه السلام -: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً﴾ [ سورة الإسراء:17\ 90] تعنتاً وعناداً, وقالوا له كما أخبر الله – تبارك وتعالى – بذلك: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [ سورة البقرة (61)].
د- تحريفهم للكتاب: فمن صفاتهم أنهم حرفوا كلام الله – عز وجل – الذي أُنزل إليهم، وغيروا وبدلوا حتى قال الله – تبارك وتعالى – عنهم للمؤمنين: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة البقرة:2\75], وقال: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [ سورة النساء:4\46], وقال الله – تبارك وتعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة:2\104], وقال الله – تبارك وتعالى – لهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ سورة البقرة:2\58] فقالوا: حنطة.
هــ-جبنهم, وحبهم الحياة، وحرصهم عليها: فاليهود من أجبن خلق الله – تبارك وتعالى – على الإطلاق، ومن تتبع التاريخ عرف حقيقتهم, فقد كانوا يتحصنون في الحصون المنيعة خوفاً من المسلمين, والمتابع في وقتنا الحاضر لصراعهم مع إخواننا في أرض فلسطين فإنه يلاحظ كيف أنهم يخافون من الحجارة فتجدهم يهرولون هاربين منها بالرغم من أنهم يحملون أعتى السلاح، وقد قال الله – تبارك وتعالى – عن حالهم: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحشر:59\ 14]، وروي ابن جرير الطبري – رحمه الله – بسنده عن قتادة قال: “تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق” (تفسير الطبري (23/292)؛ وتفسير البغوي (8/81)), وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -: “أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف”( تفسير الطبري (23/292)؛ وتفسير البغوي (8/81)) ؛ وقال الله – تبارك وتعالى – عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [ سورة المائدة:5\22- 24] قال أبوجعفر محمد بن جرير الطبري – رحمه الله -: “وهذا خبر من الله – جل ذكره – عن قول الملأ من قوم موسى لموسى إذ رغبوا في جهاد عدوهم، ووعدوا نصر الله إياهم إن هم ناهضوهم، ودخلوا عليهم باب مدينتهم؛ أنهم قالوا له:”إنا لن ندخلها أبداً” يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبداً”[ تفسير الطبري (10/184)] ؛ وقال الشيخ السعدي – رحمه الله -: “فما أشنع هذا الكلام منهم، ومواجهتهم لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق الذي قد دعت الحاجة والضرورة إلى نصرة نبيهم، وإعزاز أنفسهم” (تفسير السعدي (1/228)), وقال – سبحانه – حاكياً حالهم وحبهم للحياة، وخوفهم من الموت: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة:2\96)].
نَقِفُ هُنَا نَظَراً لِضِيقِ الْمَقَامِ . وَإِن شَاء اللهُ- الْمَوْلَى الْقَدِيرُ- سَنَسْتَمِرُّ فِي الخُطْبَةِ القَادِمَة .
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا أستغفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُم . فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ .
الخطبة الثّانيّة:
الحمد لله رَبّ الْعالمين, القائل فِي مُحْكَمِ فُرقانه العظيم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾[البقرة:2\120].نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.
أَمَّا بَعْد,
فَعِبَادَ اللهِ, هُناكَ سُؤَالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ إلَى آذانِهِمْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَقْتِ الرَّاهن؛ ألا وَهُوَ: هَلْ يُشَارِكُ الْمُسْلِمين فِي أعْيَادِ الْكُفَّار؟ والْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَال كَمَا يَلي:
لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم للأمور التالية :
أولاً : لأنه من التشبه و ” من تشبه بقوم فهو منهم . ” رواه أبو داود وقال عنه الألباني رحمه الله : حسن صحيح ( صحيح أبي داود 2/761) ( وهذا تهديد خطير ) ، قال عبد الله بن عمرو بن العاص من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم وتشبه بهم حتى يموت خسر في يوم القيامة .
ثانياً : أن المشاركة نوع من مودتهم و محبتهم قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:5\51] الآية ، وقال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ… ﴾ [الممتحنة:60\1] الآية .
ثالثاً : إن العيد قضية دينية عقدية وليست عادات دنيوية كما دل عليه حديث : ” لكل قوم عيد و هذا عيدنا ” و عيدهم يدل على عقيدة فاسدة شركية كفرية .
رابعاً : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ… ﴾ [الفرقان:25\72] الآية فسرها العلماء بأعياد المشركين ، و لا يجوز إهداء أحدهم بطاقات الأعياد أو بيعها عليهم و جميع لوازم أعيادهم من الأنوار و الأشجار و المأكولات لا الديك الرومي ولا غيره و لا الحلويات التي على هيئة العكاز أو غيرها .
الدُّعَاء:
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبِه أجمعين. اللهم طَهِّرْ قلوبَناَ من الغِلِّ والْحِقْدِ والْحَسَدِ ياربَّ الْعالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا إِخْوَةً مُتَحَابِينَ عَلَى الْخَيْرِ مُتَعاوِنِينَ . اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُقِيمِي الصَّلاة ومِنْ ذُرِّيَّاتِنَا ربنا وتقبل دعاء. اللهم ثبتنا على دينك وصراطك المستقيم ،اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا و ولاة أمورنا، اللهم خذ بنواصيهم للبر والتقوى ومن العمل ما ترضى.ياربَّ العالمين عباد الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[النّحل:16\90] فاذكروا الله العليَّ العظيمَ يذكركم واشكروه على عموم نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

Leave a Reply