حُقُوق النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانيّة لشهر ربيع الأوّل بتأريخ 13\3\1439هــ-1\12\2017م

حول : حُقُوق النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ

الحمد لله العليم الحكيم؛ الّذِي﴿ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: 75]، نحمده على ما هدانا واجتبانا، ونشكره على ما أعطانا وأولانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يثني على من يشاء من عباده بطاعتهم له، وقربهم منه، ويسخِّر ملائكته يدعون لهم؛ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أعلى الله – تعالى – مقامه، وشَرَحَ صَدرَهُ، ووضع وزره، ورفع ذكره، فهو سيد ولد آدم، وهو صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، وأول من ينشق عنه القبر، وأول من يشفع، وأول من يدخل الجنة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ خير هذه الأمة سيرةً ومنهجًا، وأكثرهم إخلاصًا وصدقًا، وأزكاهم علمًا وعملاً، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد,

فَعِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرّاً وَجَهْراً إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَكافَة الْمَأْمُوراتِ وَالْمَنْهِيات وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى: ﴿يَاأيُّهاَ الَّذِين آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً

(الأحزَاب:33\70-71).

إخوة الإيمان , هذا هو اللِّقاء الثّاني في شهر ربيع الأوّل ومن الأسبوعين الماضيين قد خضنا في الحديث عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم بدءاً بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم قدوتنا واحتفال بمولد النّبي صلّى الله عليه وسلّم : تأريخ وشروط وآداب . والْيوم إن شاء الله المولى القدير , نتحدّث عن : حُقُوقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ.

حُقُوقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ:

أيّها المُسلمون الكرام , للنبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم حقوق على أمته وهي كثيرة, منها:

أولًا: الإيمان الصادق به صلّى الله عليه وسلّم، وتصديقه فيما أتى به: قال تعالى:﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ سورة التغابن :64\8]. وقال تعالى:﴿ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[سورة الأعراف:7\158]. وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[سورة الحديد:57\28]. وقال تعالى:﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا }[سورة الفتح:48\13]. وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ] رواه مسلم.

والإيمان به صلّى الله عليه وسلّم هو: تصديق نبوته, وأن الله أرسله للجن والإنس, وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله, ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان, بأنه رسول الله, فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان، ثم تطبيق ذلك العمل بما جاء به؛ تمَّ الإيمان به صلّى الله عليه وسلّم.

ثانيًا: وجوب طاعته صلّى الله عليه وسلّم، والحذر من معصيته: فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به, قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾[سورة الأنفال :20\20]. وقال تعالى:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا…﴾[سورة الحشر :59\7]. وقال تعالى:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[سورة النور :24\63]. وقال تعالى:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾[سورة النساء:4\13].

وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ]رواه البخاري ومسلم. وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى] قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ: [مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى] رواه البخاري.

ثالثًا: اتباعه صلّى الله عليه وسلّم، واتخاذه قدوة في جميع الأمور، والاقتداء بهديه: قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[سورة آل عمران:3\31]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[سورة الأعراف:7\158]. فيجب السير على هديه والتزام سنته، والحذر من مخالفته, قال صلّى الله عليه وسلّم: [مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي] رواه البخاري ومسلم.

رابعًا: محبته صلّى الله عليه وسلّم أكثر من الأهل والولد، والوالد، والناس أجمعين: قال تعالى:﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾[سورة التوبة:9\24]. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] رواه البخاري ومسلم.

وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة:

وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا أَعْدَدْتَ لَهَا] قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: [فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ] رواه البخاري ومسلم.

ولما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:‘ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي’ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ] فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:’فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي’ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْآنَ يَا عُمَرُ]رواه البخاري.

و قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ] رواه البخاري ومسلم.

ولاشك أن من وفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته, فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاقّ في رضى الله عز وجل، ورسوله صلّى الله عليه وسلّم, ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه رضي به رسولاً, وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقاً أطاعه صلّى الله عليه وسلّم؛ ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ *** هذا لعمري في القياسِ بديعُ

لو كان حُبَّكَ صادقاً لأطعته *** إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ

وعلامات محبته صلّى الله عليه وسلّم تظهر في الاقتداء به صلّى الله عليه وسلّم, واتباع سنته, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, والتأدب بآدابه, في الشدة والرخاء, وفي العسر واليسر, ولا شك أن من أحب شيئاً آثره, وآثر موافقته, وإلا لم يكن صادقاً في حبه ويكون مدّعياً.

ولا شك أن من علامات محبته: النصيحة له؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الدِّينُ النَّصِيحَةُ] قُلْنَا لِمَنْ قَالَ: [لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ] رواه مسلم. والنصيحة لرسوله صلّى الله عليه وسلّم: التصديق بنبوته, وطاعته فيما أمر به, واجتناب ما نهى عنه, ومُؤازرته, ونصرته وحمايته حياً وميتاً, وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها, وتعليمها والذب عنها, ونشرها, والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة.

خامسًا: احترامه، وتوقيره، ونصرته: كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ… ﴾[سورة الفتح:48\9]. وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[سورة الحجرات:49\1]. وقال تعالى:﴿ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا… }[سورة النور:24\63]. وحرمة النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد موته, وتوقيره لازم كحال حياته وذلك عند ذكر حديثه, وسنته, وسماع اسمه وسيرته, وتعلم سنته, والدعوة إليها, ونصرتها.

سادسًا:الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم: قال الله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[سورة الأحزاب:33\56]. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا] رواه مسلم.

وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ]رواه أبوداود وأحمد. وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ]رواه الترمذي وأحمد.

و قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ] رواه الترمذي وأحمد. وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ] رواه الترمذي وأحمد .

من مواطن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم:

وللصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم رحمه لله في كتابه ‘جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ‘ واحداً وأربعين موطناً، منها على سبيل المثال:

الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم عند دخول المسجد, وعند الخروج منه, وبعد إجابة المؤذن, وعند الإقامة, وعند الدعاء, وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة, وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم, وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة, وعند كتابة اسمه, وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات, وآخر دعاء القنوت, وعلى الصفا والمروة, وعند الوقوف على قبره, وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة, وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه, وغير ذلك من المواطن التي ذكرها رحمه الله في كتابه.

ولو لم يرد في فضل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا هذا الحديث لكفى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ]رواه النسائي وأحمد.

سابعًا: وجوب التحاكم إليه، والرضي بحكمه صلّى الله عليه وسلّم: قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[سورة النساء:4\59]. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[سورة النساء:4\65]. ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده صلّى الله عليه وسلّم.

ثامنًا: إنزاله مكانته صلّى الله عليه وسلّم بلا غلو ولا تقصير: فهو عبد لله ورسوله, وهو أفضل الأنبياء والمرسلين, وهو سيد الأولين والآخرين, وهو صاحب المقام المحمود، والحوض المورود, ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ…﴾[سورة الأنعام:6\50]. وقال تعالى:﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[سورة الأعراف:7\188]. وقال تعالى:﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾[سورة الجن:73\21-22].

وقد مات صلّى الله عليه وسلّم كغيره من الأنبياء، ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيام ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[سورة الزمر:39\30]. وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾[سورة الأنعام:6\162-163]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

من كتاب:’ وداع الرسول لأمته دروس، وصايا، وعبرٌ، وعظات ‘ للشيخ/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

الخطبة الثّانيّة:

الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ضوابط السلوك الإنساني الرشيد ، والصلاة والسـلام على من أرسى قواعد السلامة والشرف والعفة بمنهج سديد ، سيدنا محمد بن عبد الله ، خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه الدعاة الهداة ، ومن سلك سبيلهم إلى يوم نلقى الله.

أمّا بعد ,

فَعباد الله , فإنّ الْيوم أي اليوم الأول في شهر ديسمبر , في قائمة الأيّام العالمية عند الأمم المتّحدة , هو اليوم العالمي لِــــأيدزWORLD AIDS DAY . فَنوَدُّ أن نتّهز هذه الفرصة الذّهبيّة للحديث عن مرض أيدز في نظر الإسلام.

لقد اتبع الإسلام أسلوب الوقاية في تشريعاته فسبق الطب الوقائي بألف وأربعمائة عام، فأمر بالقضاء على الفاحشة قبل انتشارها وعلى الجريمة قبل ظهورها، وذلك بمنع الجريمة والتصدي لها فإذا افلت المجرمون وارتكبوا جرائمهم وجب معاقبتهم بالعقوبات الرادعة التي نصت عليها السنة النبوية كالجلد والرجم للزناة، والقتل لمرتكب فاحشة الشذوذ “اللواط” فقد قال علية الصلاة والسلام (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول).

(وقد اجمع الفقهاء على تحريم اللواط واختلفوا في طريقة القتل، فقال بعضهم يلقي من شاهق، وقال بعضهم بالرجم حتى الموت، وقال بعضهم يقتل بالسيف). فالعقوبة على ما فيها من قسوة إلا إنها عقوبة مناسبة للجريمة، وذلك لتخليص المجتمع من حامل الميكروب الوبائي (مصدر الوباء). وتخليص المريض من عذاب المرض.

من عام 1981م حيث اكتشفت أول خمس حالات في خمسة من الشواذ، إلى عام 1993م وصل معدل المصابين إلى 15 مليون من حاملي الفيروس، واثنين ونصف مليون من المصابين، وذلك خلال اثني عشر عاما فقط، وهي نسبة مرتفعة وعالية جدا، تدل على أن ناقوس الخطر اخذ يقرع كل مدن العالم محذرا من القاتل الرهيب الذي يهدد الملايين بالموت (وان معظم الإصابات يذهب ضحيتها من تتراوح أعمارهم ما بين 15-55 وهو عمر الإنتاجية الأوفر).

و الآن وبعد أن تعرفنا على الأيدز وكيف انه عقوبة إلهية أدت إلى هلاك المجتمعات وجب علينا أن نعرف أسباب الوقاية منه، والقضاء عليه، فلن يقينا منه وضع الأسوار العالية على مجتمعاتنا الإسلامية، ولا الاحتياطات الطبية ولكن الوقاية تكون بإجراءات متعددة منها :

أولا: العفة التي نص عليها القرآن الكريم قال تعالى ( الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)

يقول الدكتور أسامة قنديل عضو الجمعية الأمريكية لعلماء المناعة والمتخصص في علاقة المناعة بالأمراض الانتهازية والإيدز بجامعة هارفارد بأمريكا: (وأما الوقاية من هذا المرض اللعين فلا محالة من أن العامل الأول والمهم هو العفة “وهي تصريف الغريزة بالطرق المشروعة”. وقد صرحت الدكتورة جون اوسبورت رئيسة اللجنة القومية للإيدز بالولايات المتحدة وعميدة كلية الصحة العامة بجامعة متشجان في حديثها للمؤتمر الدولي السادس للإيدز” أن من انجح الطرق لمنع انتشار المرض هو تجنب التصرفات المشبوهة مثل الشذوذ والجماع خارج العلاقات الزوجية” وهذا يعني انه لابد لهاتين الفئتين من تغيير تصرفاتهما التي تغضب الله حتى تأمن غضبه فإذا طمع هؤلاء بالنجاة من هذا الوباء اللعين، فعليهم بالعفة رجالا ونساء)

هذا هو العامل الرئيسي الأول للوقاية من هذا المرض ومن جميع الأمراض والكوارث والآفات.

ثانيا : التمسك بالدين والالتزام بتعاليمه، فهو المنهج الإلهي الحق الذي فيه سعادة البشرية ودوره في وقاية الناس، أكده ذلك عدد كبير من المسئولين المختصين يقول الدكتور أسامة شبكشي وزير الصحة السعودي السابق أن الإيدز لا يشكل خطورة على شعبنا “المسلم” لأنه محصن بالدين والأخلاق الفاضلة.

كما ذكر د. عبد الرحمن السويلم وكيل وزارة الصحة السعودي “أن مجتمعاتنا الإسلامية من أقل الدول معاناة من هذا المرض بفضل تمسكها بالقيم والسلوكيات النابعة من الشرع الحنيف.

ثالثا : نشر التعاليم الدينية بما فيها أحكام الحلال والحرام، والتوعية الصحية فهما من أهم أسباب الوقاية.

رابعا: إنكار المنكر والتصدي لأهله والقضاء على كل الفواحش الظاهرة والباطنة والضرب بيد من حديد على يد كل عابث.

خامسا: سد الذرائع المؤدية للفاحشة بمراقبة كل وسائل الإعلام الوافدة المرئية والمسموعة والمقروءة، مراقبة شديدة والتصدي للعادات والأخلاق المنافية للدين.

سادسا: محاربة الجريمة والمجرمين بإقامة الحدود” تطبيق قانون العقوبات الإسلامي”.

سابعا: تسهيل وتيسير سبل الزواج المشروع وتشجيع الناس عليه لإشباع الغريزة الجنسية بطريقة سليمة ومأمونة لحفظ النسل وعمارة الأرض. لان سائر الأرقام المنشورة حتى الآن تؤكد وجود تناسب طردي بين درجة الإباحية والإدمان ودرجة انتشار مرض الإيدز.

ثامنا: التأكيد على نظام الأسرة، ودعمه بكل الوسائل خاصة بعد ظهور أفكار مناهضة لنظام الأسرة فقد شهد العالم في السنوات الأخيرة فكرة تفكيك عرى الأسرة ونشر الإباحية المتزامنة مع ظاهرة الشذوذ. وان هناك جهودا مكثفة لهذا الغرض شهدتها بعض المؤتمرات الدولية العملاقة، كمؤتمر السكان في القاهرة، ومؤتمر المرأة في بكين عام 1996م وغيرها.

تاسعا : الالتزام بأساليب الوقاية الطبية والتي نبهت إلى أن الإيدز من الأمراض التي تنقل من مصاب إلى آخر نتيجة أسباب رئيسية ثلاثة هي:

  1. العلاقات الجنسية إذا ما كان أحد الطرفين مصابا.
  2. نقل الدم الملوث إلى الشخص السليم.
  3. الأم المصابة التي تنقل المرض من خلال الحمل والمخاض والرضاعة لجنينها.

عاشر : اتخاذ أسباب الوقاية الطبية المشروعة بالأدعية المأثورة عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- ومنها :-

‌أ- قراءة هذا الدعاء ثلاث مرات صباحا ومساء:

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم “ثلاث مرات لم يضره شئ”.

‌ب- قراءة آية الكرسي صباحا ومساء.

‌ج- قراءة المعوذات فقد ورد عن الرسول-صلى الله عليه وسلم- انه قال لعتبة : ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ قلت بلى، قال: “قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن حبيب: “قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شئ” وهذه الأدعية تحفظ الإنسان بعد الأخذ بالأسباب وعي تفيد حسن التوكل على الله ولها دور عظيم في حماية الإنسان.

الدّعاء:

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply