آداب صيام رمضان

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الرّابعة لشهر شعبان بتأريخ 27 /8/ 1440ه ( 3/5/ 2019م)

آداب صيام رمضان

الحمد لله الذي أرشد عباده إلى أكمل الأداب وفتح لهم من خزائن رحمته الواسعة في مواسم يغتنمونها مؤمنين محتسبين ،فادركوا الحقائق لنيل الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الملك الغفّار ،وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله المصطفى المختار صلّى الله عليه وعلى آله واصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنّهارإلى يوم المآب وسلّم تسليما،أمّا بعد: –

فأيّها الاخوة المستمعون الكرام اتّقوا الله حق تقواه وتزوّدوا  بخير ما تتزوّد بها  لقبول الأعمال : فإنّ خير الزّاد التقوى. واعلموا أنّ الأدب ومعرفته عنوان فلاح المرء ،ومناط سعادته في الدّنيا والآخرة ،وأكمل الأدب وأعظمه هو الادب مع الله – جلّ وعلا – بتعظيم أمره ونهيه والقيام بحقّه. ومعلوم أنّ لكلّ عبادة أدب ،فالصّلاة لها أدب والحجّ له أدب والصّوم كذلك له آداب عظيمة لا يستقيم إلاّ بهاولا يكمل إلاّ باستحضارها . ولقد سبق أن دارسنا هذه الآداب في الأسبوع الماضي وتطرّقنا على أنّها قسمان اللذان هما : الآداب الواجبة التي لا بدّ للصّائم من مراعاتها والمحافظة عليها والآداب مستحبّة التي لا ينبغي إغفالها والتّهاون بها،وكلاهما بطريق مجلٍ على حدّة.

أمّا اليوم نريد التوسيع والتفصيل بشيء يسير وبالاقتصار على الآداب الواجبة الّتي ينبغي على الصّائم أن يتحلّى بها والّتيلو تساهل أو تهاون بها خدشت في صيامه واتقصت من أجره. فمن الآداب ما تلي:

أن يقوم الصّائم بما أوجب الله عليه من العبادات القوليّة والفعليّة ،ومن أهمّها : الصّلاة المفروضة الّتي هي آكد أركان الإسلام بعد الشّهادتين ،فتجب مراعاتها بالمحافظة عليها والقيام بأركانها وواجباتها وشروطها،فيؤديها في وقتها مع الجماعة في المساجد. فإنّ ذلك من التّقوى التي من أجلها شرع الصّيام وفرض على الأمّة . وإضاعة الصّلاة مناف للتّقوى وموجب للعقوبة، يقول سبحانه “فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةُ وَاتَّبَعُوا الشَّهْوَاتِ فَسَوْفَ يـَلْقَوْنَ غَيًّا.إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالحًا فَأُلَئِكَ يَدْخُولُونَ الـجَنَّةَ وَلَا يـُـظْلَمُونَ شَيْئًا”  (مريم :59 ) ومن الصّائمين من يتهاون بصلاة الجماعة مع وجوبها عليهن وقد أمر الله بها في كتابه فقال : “وَإِذَا كُنْتَ فِـيهِمْ فَـأَقَمْتَ لـَهُمُ الصَّلَاةَ فـَلِتَقُمْ طـَائـِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلِـيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَـإِذَا سَجَدُوا … – يعني أتمّوا صَلَاتـَهُمْ– فَلِيـَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلِتَأْتِطَائِفَـةٌ أُخْرَى لـَمْ يُصَلُّوا فَلِيـُصلّوا مَعَك وَلِـيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ “ (النساء :102 )  فأمر الله بالصّلاة مع الجماعة في حال القتال والخوف ،ففي حال الطّمأنينة والأمن أولى.وفي حديث مرويّ عن أبي هريرة جاء رجل أعمى إلى رسول الله فقال : “يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد نفرخّص لي .فلمّا ولّى دعاه وقال : طهل تسمع النّداء بالصّلاة ؟ قال : نعم . قال : “فأجب ” فلم يرخّص له النبيّ صلى الله عليه وسلّم في ترك الجماعة، مع أنّه رجل أعمى وليس له قائد. وتارك الجماعة مع إضاعة الواجب قد حرم نفسه خيرًا كثيرًا من مضاعفة الحسنات,فإنّ صلاة الجماعة مضاعفة  كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : “صلاة الجماعة تفضّل على صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجةً “(رواه البخاري عن أبي سعيد الحدري ) وفوت المصالح الاجتماعيّة الّتيتحصل للمسلمين باجتماعهم على الصّلاة من غرس المحبّة والألفةوغير ذلك في موسم الخير.                                                    

   ومن الآداب الواجبة :

أن يجتنب الصّائم جميع ما حرّم الله ورسوله من الأقوال والأفعال ،فيجتنب الكذب.قال صلّى الله عليه وسلّم : ” إيّاكم والكذب فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنّ الفجور يهدي إلى النّار،ولا يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابًا “    ( أخرجه البخري ومسلم والتّرمذي  )  ويجتنب الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته،سواءً ذكرته بما يكره في خلقته على سبيل العيب والذّمّ ، أو بما يكره في خلقه .ولقد نهى الله عن الغيبة في القرىن وشبّهها بأبشع صورةنشبّهها بالرّجل ياكل لحم أخيه ميتًا حيث يقول تعالى “…وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بـَعْضًا أَيُحِبُّ أَحْدُكُمْ أَنْ يـَأْكُلَ لـَحْـمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ …” (الحجرات : 12 )

ويجتنب النميمة وهي نقل كلام شخص في شخص إليه ليفسد بينهمانوهي من كبائر الذّنوب حيث قال فيها الرّسول “لا يدخل الجنّة نمّامٌ ” (أخرجه الترمذيّ في كتاب البرّ والصّلة ) وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم – مرّ بقبرين فقال : “إنّهما ليعذّبان وما يعذّان في كبير – أي:في أمر شاقٍ عليهما-،أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول،وأمّا الآخر فكان يمشي بالنّميمة”  (البخاري ومسلم والتّرمذيّ والنّسائي عن ابن عبّاس ) . والنميمة تفريق بين المسلمين وإلقاء للعداوة بينهم “ولا تطع كلّ حلاّفِ مهين همّازِ مشّاءِ بنميمِ”  (القلم :10)  فمن نمّ إليك نمّ فيك فاحذره. ويتجنّب الغشّ في جميع المعاملات من بيع وإجارة،وصناعة ورهن وغيرها وفي جميع المناصحات والمشورات . فإنّ الغشّ من كبائر الذّنوب ولذلك تبرّأ النبيّ صلى الله عليه وسلّم من فاعله : “من غشّنا فليس منّا “ (أخرجه مسلم في صحيحه) وفي لفظٍ آخر : “من غشّ فليس منّي “  وكلّ كسب من الغشّ فإنّه كسب خبيث حرام لا يزيد صاحبه إلاّ بعدًا من الله. يقول أبو سليمان الدّاراني : “لأن أصوم النّهار ،وأفطر الليل على لقمة حلال أحبّ إليّ من قيام الليل والنّهار،وحرام على شمس التوحيد أن تحلّ قلب عبد في جوفه لقمة حرامٍ” ولا سيّما في وقت الصّيام ،فليتجنّب الصّائم أكل الحرام ،فغنّه سمّ مهلك للدّين.

ويتجنّب المعازف وهي آلات اللهو بجميع أنواعها وهي حرام وتزداد تحريما وإثمًا إذا اقترنت بالغناء وأصوات وأغاني مثيرة، حفاظًا لسلامة الذّهن والضّمير في الدّنيا ووقاية من العذاب في الآخرة  .فليحذر الذين يزاولونها في رمضان بدعوى التّسلية للنفس من غلبة الجوع والتعب حال الصّيام  قال تعالى  :”وَمِنَ النَّاسِمَنْ يَشْتَري لـَهْـوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتـّخِذَهَا هُزْوًا أُولَئِكَ لـَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ” ( لقمان : 6 ) وهذا ممّا نجح فيه أعداء الإسلام بكيدهم للمسلمين حتّى صدّوهم عن ذكر الله ومهام دينهم ودنياهم وأصبح كثير يستمعون إلى ذلك أكثر ممّا يستمعون إلى قراءة القرآن الكريم والآحاديث النبويّة وكلام اهل العلم المتضمّن لبيان أحكام دينهم اللاّزمة.فاحذروا أيّها المسلمون نواقص أجور صيامكم ونواقضه وصونوا عن قول الزور والعمل به .قال صلّى الله عليه وسلّم : ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”  ( رواه البخاري ) وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : “إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ،ودع عنك أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواءًا”. والمرجوّة أن تغتنموا ايّام شهر رمضان ولياليه في الأعمال الصّالحة والغكثار من تلاوة القرآن والذكر، والدّعاء والصّدقةن وسائر ما يحبه الله ويرضاهز وهكذا كان  هدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان لشرف وقته ولمضاعفة أجره .                                                                   

اللّهم احفظ علينا ديننا ، وكفّ جوارحنا عمّا يغضبك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الرّاحمين . وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخطبة الثّانية

الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لنعلم عدد السّنين والحساب،  القائل في محكم تنزيله : “شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الـهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلِيَصُمْهُ …” (البقرة : 185) وقال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم حديثًا واضحًا في هذا الصّدد : “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ” (متّفق عليه )

فمن الأجدر بالذكر تجديد التوعية بما يثبت شهر رمضان حيث نحن بالقرب منه بأيّامٍ قليلة .يثبت الشهر بأحد الأمرين :إمّا برؤية الهلال ولو من واحد أو بإكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا بناء على الحديث المذكور .

وهناك  مسألة تتكرّر سنويًّا فهي مسألة اختلاف المطالع :قال جمهور أهل العلم أنّه لا عبرة باختلاف المطالع، وأنّ الخطاب في حديث “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته “خطاب عامٌ لجميع الأمّة .وقال الآخرون أنّ اختلاف المطالع من الأمور التي علم من الدّين بالضّرورة ولايمكن جحده ولحديث كريب عن ابن عبّاس الذي أخرجه الإمام التّرمذي في سننه وحكم عليه بالصّحة عليه بالصّحة ووافقه الألباني.

وقد رجّح العلماء المعاصرون رأي الجمهور توحيدا لعبادة الأمّة ومنعًا من الاختلاف ولأنّ الصّوم معلّق بالرؤية دون تفرقة بين الأقطار .واجتهد بعضهم فحدّد 2226 كم. أنّه هو المسافة المعتبرة في اختلاف المطالع، فما دون ذلك فهلالها واحد في أغلب الأحيان .

نسأل الله تعالى أن يهلّه علينا باليمن والإيمان والسّلامة والإسلام لما يحبّ ويرضى ويسلّمه لنا متقبّلاًوأن يرزقنا فيه القوّة والاحتساب للأعمال الصّالحة من الطّاعات والعبادات وأعنّا على صيامه وقيامه وحفظ أيّامه من الخلل  والضّياع.اللهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدّين ،واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنّا وسائر بلاد المسلمين يا ربّ العالمين . ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وتب علينا يا ربّ العالمين. وصلّ وسلّم على عبك ورسولك محمّد وعلى آله واصحابه أجمعين.

 

Leave a Reply