بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الثالثة لشهر ذي القعدة بتاريخ15/11/1442هــ-25/6/2021م

حول : أسباب زيادة الرزق

15th Dul-Qaddah,1442 A.H

(25th June,2021)

الحمد لله الذى الذى تكفل رزق عباده فقال: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" [هود:
11/6] وخلق الانسان ضعيفا فقيرا ,عاجزا عن كفاية نفسه وقضاء حوائجه لوحده.والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين الذى علق رزق المؤمن بالتوكل فقال: "لوانكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطيرتغدوا خِماصا وتروح بطانا " (الترمذى) وعلى اله واصحابه اجمعين

أما بعد,

فيا عباد الله, أوصيكم ونفسى بتقوى الله عزَّ وجلَّ, فإنه مفتاح ومسبب الرزق طبقا لقوله تعالى:" وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" [الطّلاق:65/2-3] وقال: "لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الشّورى:42 /12].

إخوة الإيمان,تحدّثنا فى الخطبة الماضية عن عقوبة نشر الشائعات فى الإسلام وخطورتها فى المجتمع واليوم إن شاء الله تدور خطبتنا عن أسباب زيادة الرزق.

قسم الله رزق عباده بينهم بغض النظر عن الوانهم ومنزلتهم وبيعتهم وتظهر حكمته فى التوزيع,فجعل منهم الغني والفقير حتى لايكونوا جميعا على حال واحد ,بل يبتلى بعضهم ببعض,ويتعاونون فى تيسير أمورهم الحياتية قال:"أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [الزّخرف:43/32]

الناس يحملون صفات لا تنفك عنهم أبدا ,منها إن الإنسان مخلوق ضعيف فقير بنفسه,عاجز عن كفاية نفسه وقضاء حوائجه لوحده يحتاج كل لحظة الى من هو أعظم منه وأقدر ليعينه على تيسير أموره وتلبية حاجته والله تعالى هو الملجا والملاذ وهو الضامن للتوفيق والارزاق اللتى يحتاجها الانسان طول حياته.لقد ضمن الله لعبده الرزق كما ضمن له الاجل .قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس نفس فى روعى ان نفسا,ان نفسا لن تمت حتى تستكمل اجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله واجملوا فى الطلب "(الالبانى)

ان طلب الرزق بطرق الحرام لا يضمن لصاحبه أكثر مما قدر الله له.قال على رضى الله عنه:"ياتيك ما قدر لك" والرزق من حيث الكد لتحصيله نوعان: رزق يطلب العبد أينما كان,كالميراث الذى يصل الى الانسان دون أن يسعى إليه او يطلبه ورزق يسعى اليه ويبحث عنه وهو الذى لاياتى الا بالسعى والجد والعمل.

ليس شرطا أن يكون الرزق مالا:

الرزق يتوسع حتى يشمل سائر أبواب الخير التى قد ينتفع بها الانسان فى حياته ,قد يكون الرزق جمالا وعافية,والصحة وامن الفردى والجماعى.وفيه رزق الزوجة الصالحة والذرية الصالحة,فكل نعمة من الله رزق: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ" [لقمان:31/20]

أيها المستمعون الكرام,إن الانسان يجتهد ليوسع ابواب الرزق ويستجلبه وخاصة فى زماننا هذا حيث لايضمن القادة حقوق المواطنين كما ينبغى عليهم.هناك أسباب عديدة التى ان لازمها يزداد رزقه ,ومن جملة هذه الأسباب,المادية والمعنوية التى تفتح باب زيادة الرزق والبركة فيه,منها:

1.تقوى الله سبحانه وتعالى هو سبب شامل يضم تحته الاسباب الاخرى ,فمن عاش حياته تقيا

يرحو رضى الله دائما كان ذلك سببا فى زيادة ارزاقه والبركة فيها: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" [الطّلاق:65/2-3]

2.ملازمة الاستغفار:جعل الله تعالى الاستغفار سببا مباشرا للرزق والبركة فيه,حيث ذكر ذلك فى كتابه العزيز على لسان نوح عليه السلام : "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا" [نوح:10-12],والاستغفار المقصود لايراد فيه تحريك اللسان فحسب,بل يشترط فيه حضور القلب ,والندم على الذنب,والعزم على تركه,وتحقيق شروط التوبة التى من ضمنها يكون الاستغفار,وفى ذلك يكون استجلاب الرزق.

3.صلة الارحام: فالنبى صلى الله عليه وسلم سقول فى ذلك:"من احب ان يبسط له فى رزقه,وينشاله فى اثره فليصل رحمه) "البخارى ) والمنشاة فى العمر الزيادة فيه وقد يكون المقصود فيها البركة فى العمر والذكر الصالح بعد الموت.

4.كثرة الصدقات والانفاق فى سبيل الله: فكثير ما وعد الله عباده المنفق بحسن العوض والبركةفى الرزق. وفى قوله صلى الله عليه وسلم:"ما نقصت صدقة من مال عبد قط بل تزيده"(ابن حبان )فيكون في الدّنيا البركة فى الرزق ودفع الضر,وحفظ المال وصيانته ,ويكون فى الآخرة زيادة وبركة فى الحسنات كذلك.

5.الزواج لأجل التعفف وابتغاء الذرية : والذى يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة حق على الله ان يعينهم:المجاهد فى سبيل الله,والناكح يريد ان يستعف"ابن حبان)

6.بر الوالدين والاحسان اليهما,فهما باب من أبواب الخيرات التى تتنزل على الانسان : وسبب فى تحقيق البركة له فى رزقه

7.الانفاق على طالب العلم: نتذكر ذلك فى قصة وردت عن رجلين أخوين من الصحابة,أحدهما عامل فى حرفة له والاخر ملازم للنبى صلى الله عليه وسلم يتعلم منه,فاشتكى العامل على اخيه فاخبره النبى انه قد يكون اخاه سببا فى رزقه.

8.كثرة اداء الحج والعمرة : يقول صلى الله عليه وسلم:"تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير حبث الحديد ,والذهب والفضة "

9.دوام شكر النعم : فالشكر سبب لزيادة الرزق ,وهو سبب للبركة فى جميع انواع الرزق بعمومها.قال الله سبحانه وتعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ": [إبراهيم:14/7]

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى اله واصحابه اجمعين.قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:2/240]وقال الرسول الهدى صلى الله عليه وسلم:"الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله او القائم الليل والصائم النهار" (البخارى) فإن الأمم المتحدة United Nations تحتفل كعادتها كل 23 June بيوم الأرامل العالمي (International Widows Day) فى مثل هذا اليوم, يتذكر العالم ما يعانى الأرامل فى أنحاء العالم. إذا تأملنا هذا الأمر، نرى إنّ عدد الأرامل تتكاثر عاما بعد عام بموت الرجال.

ومن الظواهر أن الأرامل تحتاج إلى لوازم الحياة من الأطعمة والمأوى والملابس.ومما تعانى الأرامل إيجاد نفقات تعليم أطفالهن، وللأفراد والهيئات الحكومية وغير الحكومية دور كبير فى هذا الأمر، سدا لذريعة الوقوع في الفواحش التي حرمها الله تعالي وقطع

وثانيا: مما يجدر بالذكر في هذا الأوان قضية المخدرات والتعامل معها، وقد خصص الأمم المتحدة 26 من يونيو سنويًا كاليوم الدولي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها (International Day Against Drug Abuse and Illicit Trafficking) كي تسوق اهتمام الناس إلي ضررها وآثارها المدمرة ولتعزيز العمل والتعاون في تحقيق هدف عالم خال من تعاطي المخدرات. ولقد سبق الإسلام إلي حقيقة هذه القضية وحرمها بالكتاب والسنة.

أولاً من الكتاب: قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. (المائدة/90) فالمخدرات تلتقي مع الخمر في علة التحريم، وهي الإسكار بإذهاب العقل وستر فضل الله تعالى على صاحبه به؛ فتُشمَل بحكمه، ولا شك أن كثيرا من أنواع المخدرات أعظم ضررا وفتكا وخطرا من الخمر.

ثانياً: قوله تعالى:"يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ" (الأعراف/157) ولا يُتصوَّر من عاقل أن يُصنِّف المخدرات إلا مع الخبائث.

ثالثاً: قوله تعالى:"وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة/195) فمن المبادئ الأساسية في الإسلام الابتعاد عن كل ما هو ضار بصحة الإنسان، وإنَّ تعاطي المخدرات يؤدي إلى مضار جسمية ونفسية واجتماعية.

ومن السنة: فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفَتِّر" (رواه أبو داود) والمخدرات بأنواعها مفترة بل فاتكة بالعقول والأجساد.

عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ ، وَشَارِبَهَا ، وَسَاقِيَهَا ، وَبَائِعَهَا ، وَمُبْتَاعَهَا ، وَعَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود)

وفي الختام فإن الآثار المترتبة على تعاطي المخدرات مدمرة للإنسان والمجتمع، ومتصادمة مع أحكام الشريعة الإسلامية وحِكَمِها؛ وبالتالي كان حكمها التحريم، وكذلك فإن الاتجار بالمخدرات بيعاً وشراء و تهريباً وتسويقاً وربحاً كله حرام كحرمة تناول المخدرات؛ لأن ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.

الدّعاء:

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجاً, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Virus-free. www.avast.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *