Download Khutba here

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبه الرّابعة لشهر جمادى الأولى 28/5/1441 ه (24 يناير2020م)

العلم طريق الإيمان: أهميّته وفضله وثمرته

الحمد لله ربّ العالمين الّذي خلق الإنسان وزوّده بأدوات العلم والمعرفة؛السّمع والبصر والعقل حيث يقول : “واللهُ أَخْرَجُكُمْ مِنْ بـُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَيْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “ (النحل : 78) أشهد أن لا إله إلاّ هو العليم الحكيم الخبير، وحده لا شريك له وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله. اللهمّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمّا بعد :

فاتّقوا الله عباد الله ويعلّمكم الله، واعلوا أنّ ديننا الإسلامي دين العلم إذ هو أوّل ما أمر بفعله : ” اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ… “ وبه استشهد  الله العلماء على وحدانيّته فقال : ” شَهِدَ اللهُ أنّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ” (آل عمران :18) فلا يعترف ولا يقدّر حقّ قدر الله إلا بالعلم إذ كان هو الوسيلة الوحيدة لمعرفته: “فَاعْلَمْ أَنـّهُ لَا إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لـِذَنْبِكَ وَلـِلْمُؤْمِنِينَ وَالـمُؤْمِنَاتِ…” (محمّد : 19) فيبدو أنّ العلم يهدف منه الازدياد للإيمان، والإيمان  يهدي إلى الاستكثار من العلم : “وَقُلْ رَبِّ زِدْنـِي عِلْمًا…” ( طه: 114) ولذلك نحيط بخطبتنا اليوم حول “العلم طريق الإيمان: أهميّته، وفضله وثمرته.

عباد الله المستمعون الكرام اعلموا –رحمكم الله – أنّ من فرائض الدّين اللاّزمة بل الضروريّة على عاتق كلّ مسلم ؛ طلب العلم،لأنّ الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم ) جعله بنفسه فريضة وبيّن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب والله يرفع الذّين آمنوا والّذين أوتوا العلم درجات. وأنّ العلماء ورثة الأنبياء وأنّ الأنبياء لم يررّثوا دينارًا ولا درهمًا. إنّما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظّ وافر وأخبر عليه الصّلاة والسّلام أنّ طلب العلم طريق إلى الجّنة وفق قوله : ” من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة” (البخاري ومسلم-كناب العلم)

إن كان العلم أفضل مطلوب فالأفضل منه  من بين سائر العلوم  على الإطلاق ؛ هو علم الشّريعة التّي يعرف بها الإنسان ربّه ونبيّه ودينه، وهي الّتي أكرم الله بها رسوله وعلّمه إيّها ليُعلِّمها النّاس : ” لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الـمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فـِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالـحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لـَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ    (آل عمران: 164) كما هو أساس إرادة الخير بالإنسان المسلم .قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم ) : “من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدّين” (متّفق عليه)

حين نتأمّل موقف الإسلام من العلم نجد ترابطًا وثيقًا بين العلم والإيمان ؛فكلّما ازداد الإنسان علمًا كلّما ازداد يقينًا ومعرفة وخشية لله عزّ وجلّ . قال الله تعالى مبيّنًا أنّ العلماء هم أشدّ النّاس  خشية له ومعرفة لمقامه : “ألـَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثـَمَرَاتٍ مـُخْتَلِفًا أَلْوَانـُهَا وَمِنَ الـجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مـُخْتَلِفٌ أَلْوَانـُهَا وَغَرَابِيبُ سُودُ. وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوابِّ وَالأَنْـعَـامِمُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلـِكَ ، إِنـّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ  إِنّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” ( الفاطر: 27-28)

وإنّه لم يهتمّ كتاب سماوي بالعلم كما اهتمّ به القرآن الكريم، فتحصيل العلم المفيد النّافع يهدي إلى الإيمان وصالح العمل إذ هو دليل الإيمان كما أرشد غلى ذلك القرآن الكريم في قول الحقّ سبحانه : “وَلَيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بـِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَـهــَادِ الّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” ( الحجر : 54)  فالعلم الصّحيح يترتّب عليه الإيمان، والإيمان يترتّب عليه الإخبات والخشوع لأنّ العلم يسبق الإيمان والعمل : “فَاعْلَمْ أَنـّهُ لَا إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لـِذَنْبِكَ وَلـِلْمُؤْمِنِينَ وَالـمُؤْمِنَاتِ…”  ( محمّد: 19) بمعنى العلم بالشّهادة مقدّم على العمل (الاستغفار).فكيف يُستغفر ممّن لا يُعلم ولا يُعرف ضوابط وشرائط استغفاره ويعرف حدود من يُستغفر منه حتّى لا يعود إلى ما قد استغفر منه من الذّنوب  ؟

فللعلم بالإيمان ثمرات يانعة وآثار إيجابية على حياة الإنسان ومجتمعه، ومن أهمّها  ما تلي : –

أوّلاً : أن العلم يزيد من إيمان صاحبه ويوصّله إلى حقيقة التّوحيد والرّبوبيّة ويمنعه من الوقوع في الشّرك الّذي هو أكبر المعاصي.يقول الله تبارك وتعالى : “شَهِدَ اللهُ أَنّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالـمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ ،لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم “ (آل عمران: 18) وقوله أيضًا: “…ليستيقن الّذين أوتوا الكتاب ويزداد الّذين آمنوا إيمانًا …” ( المدثّر: 31)  إشارة واضحة على أثر العلم في تقوية الإيمان بالله تعالى في نفس صاحبه وبالتّالي على جوارحه وأفعاله.

ثانيًا : إِنّ العلم يمنح صاحبه تقوى الله تعالى وخشيته في السرّ والعلن لقوله تعالى : “إِنـَّمَا يـَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاُء ” (الفاطر:28) “قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا،إِنَّ الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يـَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجّدًا” (الإسراء : 107)

ثالثًا : الأجر العظيم المترتب على طلب العلم يماثل أجر الخروج في سبيل الله،لقوله (صلّى الله عليه وسلّم) : ” من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع” ( أخرجه التّرمذي) وقوله أيضًا: ” من دخل مسجدنا هذا ليتعلّم خيرًا أو يعلّمه كان كالمجاهد في سبيل الله” (أخرجه أحمد)

رابعًا: العلم بالإيمان وكذا الإيمان بالعلم يكسب صاحبه المنازل الرّفيعة والسّمعة الطّيّبة بين النّاس.وقصة يوسف عليه السّلام خير شاهد على ذلك، إذ جعله الله تعالى على خزائن الأرض بعد محنة الجّب وظلمة السّجن، لأنّه كان عاملاً بعله. يقول تعالى على لسانه حين طلب من ملك مصر : ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” (يوسف:55)

خامسًا : العلم بالإيمان إذا ارتبطا يرفعان من درجة صاحبهما عند الله في الدّنيا وبعد الممات حتّى يوصّلانه للفوز بالجنّة والنّجاة من النّار. قال تعالى : “يَرْفَعِ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بـِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيٌر” (المجادلة:11)  وقال (صلّى الله عليه وسلّم) : “من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة” (الترمذي(

نسأل الله تعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين بحكمته وأن ينشر علينا رحمته برحمته، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثّانية

الحمد لله ربّ العالمين القائل في محكم تنزيله : “يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ فـَإِنُّهُ يـَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ وَالـمُنْكَرِوَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مٍنْكُمْ مِنْ أَحْدٍ أَبَدًا وَلَكِنّ اللهَ يزكّي منْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (النّور : 21) وقال الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) في حديث مرويّ عن ابن مسعود (رضي الله عنه):  “لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربّه حتّى يسأل عن خمسٍ : عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيم علم ”

ففي الحديث رسالة واضحة للشّباب باغتنام مرحلة الشّباب في ما يكون فيه صلاح الدّنيا والآخرة، مع أنّهم عماد الأمّة وقوّتها. وكلّ  أمّة – مهما دنت من معرفة الخير- ادّعت القيام والعملبتقويم الشّباب ودعمهم وتأسيسهم تأسيسًا سليمًا.

فللأسف الشديد ويا للحسرة الشديدة؛ أصبح الشباب اليوم آلة التشييع للفساد والفشاء للفحشاء أصبح به الرّؤوس أذنابًا وتصوّر الحقائق كذبًا، فتنسف جبال الإيمان واليقين نسفًا لتجعلها قاعًا صفصفًا في مجتمعنا وكلّنا عريض للتأثّر بهذه الفتن من أبنائنا  إلامن رحمه الله.

فما تلك محنة العصر سوى شيوع فحشاء ذلك الشاب المسمّى بــ “نيرا ملي” (NAIRA MARLEY) لم يتجاوز سنّه خمسة وعشرين سنة، مولود في أسرة مسلة وعقّت له عقيقة،فشاء الله أن تقام له وليمة القرآن مع أنّ القرآن لا تكفي به القراءة ولا أن تحفظ ،وإنّما المهمّ هو أن يعمل ويطبّق.أصبح اليوم داعية الشّرور للشّباب إلى تدخين التّبغ علنا دون اعتبار فصار مشهورًا بــاللقب “إيغو-لبي” (IGBO LABI) ، وأخذ المخدرات والتّخلي عن أي احترام وأدبمع النّاس ولا سيّما الكبار، وتمجيد الاحتيال على الإنترنت وغير ذلك من الأخلاق الشنيعة.

أصبح لزامًا لا على الحكومة ولا على رجال الدّين فحسب بل على كلّ والد غيور أن يتحمّس بالعناية و الرعاية بالأبناء ضدّ هذه الشرور الفتّاكة المنتشرة بين حظيرتنا لحمايتهم وأنفسنا معًا  من سوء العاقبة ، فكلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته. قال تعالى : ” يـَا أيُّهَا الّذِين آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نـَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (التّحريم: 6)

اللهمّ املأ بيوتنا ومجتمعنا وأمتّنا بالسّرور والرّضا والسّكينة والطّمأنينة والأمن والأمان في المال والأهل والولد. اللهمّ يا محوّل الأحوال حوّل حالنا وأحوال أبنائنا وذرياتنا إلى أحسن الأحوال واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم ومن فوقهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ومن أن يغتالوا من تحتهم بحولك وقوّتك يا عزيز يا متعال وهب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إمامًا.ربّنا أتنا في دنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار. وصلّ وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى أهله وأصحابه أجمعين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *