4th Muharram 1443 A.H

(13th August ,2021)

بسماللهالرحمانالرحيم

الخطبة الأولى لشهر محرّم 4/محرّم/1443هـ (13 /أوغسطاس/2021م)

استقبال العام الهجري الجديد بالعمل والتغيير

الحمد لله مصرف الأيامِ والشهور، كوّرَ الليلَ على النهارِ وكور النهار على الليل، وهو عليم بذات الصدور، أحمدهُ سبحانه وأشكره ما تعاقبتِ الدهور والعصور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يا له من إله غفورٍ شكور، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الشافعُ المشفعُ يومَ بعثرةِ القبور، صلى الله عليه وعلى آل بيته وصحابته إلى يوم البعث والنشور، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

عباد الله إنّنا في هذا الأسبوع نستقبل عاما هجريًّا جديداً, وبدخول عام هجري جديد يبث في الأشجان خواطر عديدة ويسترجع من الذاكرة أحداثًا كثيرة مرّت على هذه الأمّة، فلنقف وقفة بل وقفات تأمّل مع وداعنا لعام هجري واستقبالنا لعام آخر لعلّنا نؤمن ساعة ولعلّنا نفتح صفحة جديدة وسنة مفعمة بالخير على ما يحبّه الله ربّنا ويرضاه فبوفق ذلك يدور موضوع خطبتنا في هذا الأسبوع حول : استقبال العام الهجري الجديد بالعمل والتغيير

عباد الله، اتّقوا الله واعلموا أنّنا ندخل سنة جديدة وقد مضى من عمرنا عامٌ كامل، فماذا قدّمنا فيه من حسنات يا ترى وماذا خلفنا فيه من سيّئات ؟ كم قطعنا من أعمارنا وكم بقي من عمر لفراق دنيانا؟ إنّ المرء ليفرح أحيانًا بانتهاء يومه وسنته وهو لا يدري أنّه يقترب من اجله، إنّ الطفل ليفرح بمرور عام عليه ليكبر سنة، وإنّ التّاجر ليفرح بمرور سنة ليستلم أجار عقاره، وإنّ الموظّف ليفرح بقدوم سنة ليحظي بالعلاوة السنويّة ، وإنّ الطّالب ليفرح بمرور عام لأنّه ينتهي مرحلة تعليميّة. وهكذا النّاس يفرحون بمرور السنين وهم لا يشعرون أنّهم يقتربون من أجلهم ويبتعدون عن دنياهم ، فهل يكون همّنا مثل همّ هؤلاء يا ترى ؟

أيّها الإخوة المستمعون الكرام! انظروا وراءكم وتفكروا، كم ميت خلفتم في السنة الماضية ؟ وكم إنسان تعرفونهم قد ماتوا في حوادث أو أمراض أو موت فجأة؟ فهل أنتم الذين سيبقون مخلدين في هذه الحياة؟ لا –والله- فلنعتبر بهذا الزمن الذي لا يقف وهو كلّ يوم يقرّبنا إلى الموت .

فهل تظنّ أنّ ما مضى فات؟ لا –والله – فإنّ ما مات لا يموت لأنّه باق لتلقاه يوم القيامة ثمّ تحاسب عليه، إلاّ ما كان من توبة صادقة تمحوا ما مضى : " يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهًا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ" ( آل عمران : 30)

عباد الله المستمعون الكرام! إنّ تقارب الوقت والزمن وسرعة مروره دون فائدة علامة على قرب السّاعة.فقد أخرج التّرمذي عن أنس بن مال قال؛ قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) : "لا تقوم السّاعة حتّى يتقارب الزّمان فتكون السّنة كالشهر، والشهر كالجمعة ، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالسّاعة، وتكون السّاعة كالضّرمة بالنّار" ( صحّحه الألباني)

وفي رواية " وتكون السّاعة كاحتراق السعفة الخوصة" (أي ورق الجريد اليابس) وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال؛ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) ك "يتقارب الزّمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشّحّ ويكثر الهرْجُ …" قالوا "وما الهرجُ ؟ قال : القتل" (متّفق عليه)

فهذه العلامة من علامات السّاعة من أوضح العلامات وأظهرها اليوم ؛ إذ أنّنا نشهد وقوعها اليوم ونراها واضحة جليّة .فالوقت يمرّ على النّاس بصورة سرية تدعو للدهشة والتّأمّل، فلا بركة في الوقت؛ حتّى لا يخيل إلى الواحد أنّ السّنة كلاشّهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم : ولا أصدق من وصف النبيّ (صلى الله عليه وسلّم) قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) "قد وجد ذلك في زماننا هذا، فإنّنا نجد من سرعة مرّ الأيّام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا"

عباد الله تعالى! إنّ الأعوام التّي تنصرم سنُسأل عنها أمام الله، فعن معاذ بن جبل أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال: " لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع خصالٍ؛ عن عمره فيم أفناه ؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ ( التّرمذي وحسّنه الألباني) وأخبر النبيّ أنّ الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولا بدّ للعبد من شكر النعمة وإلاّ سلّبت وذهبت.

وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطّاعات واستثمارها في الباقيات الصالحات، فعن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) : "نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس: الصّحة والفراغ " ( البخاري) ومعنى قوله (صلّى الله عليه وسلّم ): "كثير من النّاس" أي الذي يوفّق لذلك قليل فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرّغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا.فإذا اجتمعا – الصّحة والفراغ- فغلب على الإنسان الكسل عن الطّاعة فهو المغبون،والغبن أن تشتري بأضعاف الثّمن وأن تبيع بأقلّ من ثمن المثل.

عباد الله ! اعلموا أن انصرام عام يعني انصرام بعضك كما قال الحسن البصري: "يا ابن آدم إنّما أنت أيّام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك" وقال : "يا ابن آدم ، نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنّك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدكنوإن أسأت غليه ارتحل بذمّك، وكذلك ليلتك" وقال : "الدّنيا ثلاثة أيّام : أمّا الأمس فقد ذهب بما فيه، وأمّا غدًا فلعلّك لا تدركه، وأمّا اليوم فلك فاعمل فيه" فابك – أخي المسلم – على كلّ يوم مضى من عمرك لم تزد فيه من حسناتك وابك على كلّ يوم مضى من عمرك زادت فيه سيّئاتك، وليكن لسان حالك ومقالك قول عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) حين قال : "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه؛نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي"

وقال ابن القيّم : "إضاعة الوقت أشدّ من الموت ؛لأنّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدّار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها" وقال الفضيل بن عياض لرجل : "كم أتى عليك ؟ قال : ستون سنة .قال : فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربّك يوشك أن تبلغ. فقال الرجل : "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" قال الفضيل : "أتعرف تفسيره تقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون!! فمن علم أنّه لله عبد وأنّه إليه رجعون فليعلم أنّه موقوف، ومن علم انّه موقوف ،فليعلم أنّه مسئول،فليعبد للسؤال جوابا،فقال الرجل : "فما الحيلة؟ قال : يسيرة . قال : ما هي ؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى؛ فإنّك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم.

معاشر المستمعين ! إنّ حياتنا مراحل والنّاس في الدّنيا بين مستعدّ للرّحيل وراحل، وكلّ يوم بل كلّ نفس يُدني من الأجل ، فالكيس من حاسب نفسه يوما بيوم. فما النّاس إلاّ حيّ أدركته منيّته فوري بالتّراب أو صغير بلغ سنّ الشّباب أو شيخ امتدّت به الحياة حتّى شاب. ومن وراء الجميع نقاش وحساب؛فهنيئا لمن أحسن واستقام،والويل لم أساء واتكب الآثام ، ويتوب الله على من تاب "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلاّم للعبيد" ( فصلت: 46)

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين ،فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم .

الخطبة الثّانية

الحمد لله الذي الَّذِي جَعَلَ الْهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ الشَّريفَةَ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ انْطِلَاقَةً جَدِيدَةً لِبِنَاءِ دَوْلَةِ الْإِسْلامِ، والصلاة والسلام علي رسوله الكريم وآله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد؛ أيّها المسلمون الكرام، نذكر الهجرة النبوية دروسها والعبر فيها، فمن ضيق المقام نسرد بعضها سردا سريعا:

(1) درس في الهجرة : إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب ، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يكون الدين كله لله.

(2) الصبر واليقين طريق النصر والتمكين : فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة فصبروا وتحملوا، ثم هيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، وقذف الإيمان في قلوب الأنصار ، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر
: 51]

(3) درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله : لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس . فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب .. والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار .. وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته .. والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره.

(4) درس في دور الشباب في بناء المجتمع: تجلى في الهجرة دور الشباب كعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر، و عامر بن فهيرة رضي الله عنهم في نصرة هذا الدين ونجاح الدعوة إلى الله فبهمتهم واندفاعهم للتضحية والعمل الدؤوب وبتعلمهم كيف يكونون أعضاء صالحين في مجتمعهم ووطنهم وأمتهم تتقدم الأمة سريعا نحو النجاح والغلبة والتمكين بإذن الله. ونجحت الهجرة على أيدي هؤلاء الشباب بعون الله تعالي وحكمته. وهذا يعلمنا ضرورة إشراك الشباب في نظم قضايات المجتمع كما فعله الرسول صلي الله عليه وسلم، وهذا دليل واضح علي أسبقية الإسلام في رعاية قضايا الشباب، وفي هذا السياق يحتفل الأمم المتحدة كل اليوم الثاني عشر من شهر أغسطاس سنويا (12TH August Yearly) كاليوم العالمي للشباب (INTERNATIONAL YOUTH DAY)، وشبابنا بحاجة ماسة إلي توسيع الوعي الديني وتوظيف طاقاتهم في مصالح البلد والدين والإنسانية

ثانيا:عبادالله بدأنا شهر محرم يوم الثلاثاء الموافق ب‍ (Tuesday 10th 2021) كاليوم الأول من الشهر وسيكون يوم الخميس القادم يوم عاشوراء، ومن وظائف شهر محرم الإكثار من صيام النافلة فيه، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ" (رواه مسلم 1982) قال القاري: الظاهر أن المراد جميع شهر المحرّم .ولكن قد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهرا كاملا قطّ غير رمضان فيُحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصّيام في شهر محرم لا صومه كله .
وفي فضل صيام عاشوراء: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ . " (رواه البخاري 1867)
وقوله صلى الله عليه وسلم … إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" (رواه مسلم 1976 ) وفي استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . (رواه مسلم 1916)

نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعل هذه السنة الجديدة سنة خير وبركة على هذه البلاد خاصة وعلى بلاد المسلمين عامة. اللّهمّ إنّا نسألك خير هذه السّنة وخير ما فيها ونعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها. اللّهمّ زيّنا بالعلم وجمّلنا بالتّقوى وألبسنا لباس العافية. اللّهمّ أحينا على أحسن الأحوال الّتي ترضيك عنّا وأمتنا على أحسن الأحوال الّتي ترضيك عنّا. اللّهمّ إنّا نسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل. اللّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين . اللّهمّ أرنا في أعدائنا ما يسرّنا.ربّنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار.

Virus-free. www.avast.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *