[Khutbah Category]

7th Rajab,1442 A.H

(19th February,2021C.E)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبَةُ الْأُولى لشَهر رجب بتأريخ 7/7/1442هـــ-19/2/2021م

حول: التَّحْذِيرِ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ

إنّ الحمد لله , القائل في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[ الأنعام:6/68 ], نحمده سبحانه وتعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، إنّه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد,

فيا عبادَ الله : اتقوا الله تعالى وراقبوه مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه ، وتقوى الله جلّ وعلا : عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وتركٌ لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله.عَمَلًا بقَوْلِهِ تعالى: يا ﴿أَيّها الّذين ءامنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 3/102].

إخْوةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الْأَوَّلُ فِي الشَّهْرِ الْجَدِيدِ, شَهْرِ رَجَب أحد أشْهُر الْحُرُم, سَابع الشُّهُورِ الإسلاميّة, وَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ: التَّحْذِيرِ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ.

إخوةَ الإسلام, فإن الإنسان في هذه الحياة لابد له من مخالطة الناس، واتخاذ بعضهم جليساً له، وعوناً على مشاكل الحياة، ولكن الناس متفاوتون في أخلاقهم وطباعهم، فمنهم الخيِّر والفاضل الذي يُنتفع بصحبته وصداقته، ومجاورته ومشاورته، ومنهم الرديء الناقص العقل، الذي يُتضرر بقربه وعِشْرته وصداقته، وجميع الاتصالات به ضرر وشرٌّ ونكد؛ ولذا يقول – صلى الله عليه وسلم – في وصف بني آدم واختلافهم: ((إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْل، والحَزْن، والخبيث، والطيب، وبين ذلك))؛ رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما.

أيها الإخوة المسلمون؛ إذا عُلم هذا فاعلموا أن كثيراً من الناس إنما حصل له الضلال وجميع المفاسد بسبب خليله وقرينه؛ ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل))؛ رواه أحمد، والترمذي، وغيرهما.

فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الجليس الصالح وجليس السوء؛ كحامل المسك ونافخ الكِير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافح الكِير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة))؛ متفقٌ عليه.

فهذا الحديث يفيد أن الجليس الصالح جميعُ أحوال صديقه معه خير وبركة، ونفع ومَغْنَم، مثل حامل المسك الذي تنتفع بما معه، إما بهبة، أو ببيع، أو أقل شيءٍ: مدة الجلوس معه وأنت قرير النفس، منشرح الصدر برائحة المسك، وهذا تقريبٌ وتشبيهٌ له بذلك، وإلا فما يحصل من الخير الذي يصيبه العبد من جليسه الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأَذْفَر: فإنه إمَّا أن يعلِّمك أموراً تنفعك في دينك، وإما أن يعلِّمك أموراً تنفعك في دنياك، أو فيهما جميعاً، أو يُهدي لك نصيحةً تنفعك مدة حياتك، وبعد وفاتك، أو ينهاك عمَّا فيه مضرَّةٌ لك؛ فأنت معه دائماً في منفعة، وربحك مضمون – بإذن الله.

فالإنسان مجبولٌ على الاقتداء بصاحبه وجليسه، والطباع والأرواح جنودٌ مجندةٌ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: «‌الأَرْوَاحُ ‌جُنُودٌ ‌مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» فإن بعضها يقود إلى الخير، وبعضها يقود إلى الشرِّ.

وأقل نفعٍ يحصل من الجليس الصالح: انكفاف الإنسان بسببه عن السيئات والمساوئ والمعاصي؛ رعايةً للصحبة، ومنافسةً في الخير، وترفُّعاً عن الشرِّ. ومما يستفاد من الجليس الصالح: أنه يحمي عِرْضَك في مغيبك وفي حضرتك، يدافع ويذبُّ عنك، ومن ذلك أنك تنتفع بدعائه لك حياً وميتاً.

وأما مصاحبة الأشرار: فهي السمُّ النَّاقع، والبلاء الواقع، فتجدهم يشجعون على فعل المعاصي والمنكرات، ويرغِّبون فيها، ويفتحون لمن خالطهم وجالسهم أبواب الشرور، ويزيِّنون لمجالسيهم أنواع المعاصي، ويحثُّونهم على أذيَّة الخلق، ويذكِّرونهم بأمور الفساد، التي لم تَدُرْ في خَلَدِهم، وإن همَّ أحدهم بتوبةٍ وانزجارٍ عن المعاصي، حسَّنوا عنده تأجيل ذلك، وطولَ الأمل، وأن ما أنت فيه أهون من غيره، وفي إمكانك التوبة والإنابة إذا كبرت في السن، وما يحصل من مخالطتهم ومعاشرتهم أعظم من هذا بكثير.

وتأمَّل في حال أبي طالب ومن كان يجالس، وكيف سرى أثر جلسائه عليه في خاتمة أمره – نسأله تعالى حسن الختام – وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ ﴾ [التوبة:9/ 113].

فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَعِيدُبن الْمُسَيَّبِ عن أبيه قال لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رسول اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بن أبي أُمَيَّةَ بن الْمُغِيرَةِ فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" يا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إلا الله ‌كَلِمَةً أَشْهَدُ لك بها عِنْدَ اللَّهِ فقال أبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن أبي أُمَيَّةَ يا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ فلم يَزَلْ رسول اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَعْرِضُهَا عليه وَيُعِيدُ له تِلْكَ الْمَقَالَةَ حتى قال أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ هو على مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إلا الله فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عَنْكَ". فَأَنْزَلَ الله عز وجل: ﴿ ما كان لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى من بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، وَأَنْزَلَ الله تَعَالَى في أبي طَالِبٍ فقال لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاءُ وهو أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

فوازن رحمك الله بين هذا وبين مايجنيه الجليس الصالح من جليسه، حتى وإن كان المجالِسُ كلبًا، وذلك فيما قصَّه الله علينا في كتابه من حال أهل الكهف، ومعهم كلبهم، وكيف صار لهذا الكلب ذكر في القرآن بسبب مجالسته هؤلاء الفتية الصالحين ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ…﴾ الآيات.

وإذا أردت معرفة الأمر الواقع؛ فانظر إلى فرعون معه هامان وزيره، وانظر إلى الحجاج معه يزيد بن مسلم شرٌّ منه، وانظر إلى يزيد بن معاوية معه مسلم بن عقبة المريِّ شر منه.

ولكن انظر إلى سليمان بن عبد الملك؛ صحبه رجاء بن حَيْوَة الكِنْدِيُّ – أحد الأعلام الأفاضل – فقوَّمه وسدَّده، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بعث الله من نبيٍّ، ولا استخلف من خليفةٍ، إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم مَنْ عَصَم اللهُ))؛ رواه البخاري.

ويقول أيضاً في حديث آخر: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً؛ جعل له وزيرَ صدقٍ؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك؛ جعل له وزيرَ سوءٍ؛ إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ))؛ رواه أبو داود والنَّسائي.

فانظروا أيها الإخوة إلى مدى تأثُّر الجليس بجليسه، واختاروا لأنفسكم ولمن وُلِّيتم أمرَهم أهل التُّقى والصلاح، وتجنبوا أهل الشرِّ والفساد؛ ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ))؛ رواه الإمام أحمد والترمذي.

الْخُطْبَةُ الثّانيّة:

الحمد لله ربّ الْعالمين, القائل في محكم تنزيله : «فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»[قريش:106/3-4],نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه. اللهم صلّ وسلّم على خير خلق الله سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أمّا بعد,

فيا عباد الله, قد ظهر جليّاً أن من التّحدّيات التي تواجهنا في هذا الوطن الحبيب هو عدم الأمن. وللأمن مقوِّمات. ونذكر قليلاً منها اليوم: إخوة الإيمان, حتى ننعم بالأمن والأمان في الأوطان لا بد من مقومات وضوابط، أهمها:

1-تحكيم شرع الله بين الناس لأنه الضامن الوحيد للعدل والمساواة بين الناس فلا ضامن للعدل بين الناس إلا منهج لا إله إلا الله لذلك كان أتباع الأنبياء هم الضعفاء لأن منهج لا إله إلا الله يضمن لهم العدل والمساواة مع الآخرين، ومن صور عدل الإسلام هذه القصة: اختصم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه مع يهودي في درع له فذهب إلى القاضي شريح ولما لم تكن عند أمير المؤمنين علي رضي لله عنه بينة إلا شهادة ابنه الحسن ومولاه قنبر وهي شهادة لا تقبل شرعاً فقد حكم القاضي شريح بالدرع لليهودي رغم أنه يعلم أن الدرع لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه فمن مثل علي لا يكذب ولا يمكن أن يدعي ما ليس له به حق، ورغم أن اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين إلا أن القاضي طبق مبدأ العدل في القضاء حتى مع الأعداء فذهل اليهودي من ذلك الحكم واعترف فقال بل الدرع لأمير المؤمنين وقال هذا والله هو الدين الحق وكان ذلك سبباً في إسلامه فأكرمه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ووهبه الدرع ووهبه فرساً معها، فهذا هو ديننا وهذه هي أخلاقنا.

2-من مقومات الأمن أيضاً إصلاح العقيدة بإخلاص العبادة لله تبارك وتعالى، قال الله جل في علاه: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)[النّور:24/55] لا بد من اخلاص العبودية لله ولا بد من تصحيح العقيدة حتى ننعم بالأمن والأمان.

3-من مقومات الأمن أيضاً في الأوطان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا هو سبب خيرية هذه الأمة وهو وظيفة كل فرد في المجتمع وبتركه تحل العقوبات ويختل الأمن ليس المطلب أنكم صالحون لكن لا بد أن نكون مصلحين، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا» ، وَحَلَّقَ إِبْهَامَهُ بِالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ‌قَالَ: «‌نَعَمْ، ‌إِذَا ‌كَثُرَ ‌الْخَبَثُ (البخاري ومسلم)وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‌لَتَأْمُرُنَّ ‌بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ»: (رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وحسنه الألباني)سنستمرّ بقدرة الله في الخطبة القادمة إن شآء الله تعالى.

الدّعاء:

اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأهدنا سبل السلام، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، اللهم ألف بين قلوبنا رعاة ورعية، ووحد كلمتنا وصفوفنا، وأحفظ علينا مودتنا وأخوتنا، وطهر قلوبنا من الحقد والحسد والبغضاء، وجنبنا الخلاف والنزاع والشقاق والخصام، واصرف عنا شر الأشرار وكيد الفجار ياذا الجلال والإكرام.وصلى الله على سيّدن محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *