الحج: فضائله وفوائده

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى لشهر ذي القعدة بتأريخ 2\11\1440هـــ- 5\7\2019م

حول: الحج: فضائله وفوائده

الحمد لله الذي جعل الحج إلى بيته الحرام أحد أركان الإسلام، وفَرَضَهُ على الْمُستَطِيعِ مرةً في العُمر، أحْـمَدُه – سبحانه – إذ جعَل َالحجَّ مُكَفِّرةً لِلآثامِ، وجَزَاءَ الْمَبْرُورِ مِنْهُ الجنةَ دارَ السلامِ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي جعلَ الحجَّ تحقيقًا للتوحيد، ومَظْهرًا للْوحدة، وأَظْهَرَ بِهِ قُوَّةَ الإسلامِ، وأَغَاظَ بِهِ أَعْدَاءَ الْـمِلَّةِ، وأشهد أن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – عبد الله ورسوله، الذي بيَّنَ الْمَنَاسِكَ، وأَمَر أنْ يَأْخُذَهَا عَنْهُ كُلُّ نَاسِكٍ، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه، الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.

أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه، واسعَوا إلى ما فيه رضاه، وجانبوا وانأوا عن كل ما يكرهه ويأباه؛ فإن ذلكم هو عنوان الصلاح، والبشير بالفلاح، والفوز بمتجر أهل الأرباح.

عباد الله: الحج ركن عظيم من أركان الإسلام، فرضه الله سبحانه على المسلم المستطيع بقوله: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) آل عمران\٩٧، ولا يزال الناس يحجون منذ رفع إبراهيم القواعد من البيت، وأذَّن في الناس بالحج كما أمره ربه عز وجل إلى يومنا هذا، ولا ينقطع الحج طالما على الأرض مؤمن، والحج جهادُ مَن لا جهاد له، وبابٌ من أبواب رحمة الله تعالى وفضله، فيه منافع عظيمة، ومِنح من الله كريمة، يتجلَّى فيه التوحيد، وتظهر به السنة، وتتوحد به الأمة، ويتحقق لمن شهِده الفقه في الدين، والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين، ويُرفع به ذكر الله، وتعظَّم به محرمات الله وشعائر دينه، ويتذكر به الناس البعثَ من القبور، والتوجه إلى موطن الحشر والنشور، والحساب والأرباح والخسران.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ…﴾{الحجِّ\٢٧-٢٨} بَيَّنَ سبحانه في هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمةِ أَنَّهُ شَرَعَ الْحَجَّ لِعِبَادَتِهِ, وَفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ لِيَنَالُواْ بِهِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً ومَنَافِعَ جَسِيمَةً، مِنْهَا مَا يَعْرِفُونَهُ وَمِنْهَا مَا يَجْهَلُونَهُ، وَهَذِهِ الْمَنَافِعُ وَالْفَوَائِدُ مُتَنَوِّعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهَا:

أ-حُصُولُ التَّقْوَى: إخْوَةَ الإيمانِ: التَقْوَى هِيَ غَايَةُ كُلِّ أَمْرٍ وَجِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، والْحَجُّ فُرْصَةٌ كُبْرَى لِلتَّزَوُّدِ مِنْهَا وَالْوُصُولِ إِلى أَعْلَى مَقَاماتِهَا، وَمَنْ تَأَمَّلَ آيَاتِ الْحَجِّ رَأَى تكْرَاراً وَتَأْكِيداً لِلْحَضِّ عَلَى التَّقْوَى فيِ أَثْنَاءِ التَّقَلُّبِ فيِ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ( البقرة:2\ 197) ، وقال سبحانه: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ (الحج :22\37),وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج 32) ،وقال:﴿وَاذْكُرُواْاللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (البقرة 203). وهذه التقوى تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَنَاسِكِ وَالتَّقَرُّبِ إِلى اللهِ بِأَنْوَاعِ القُرُبَاتِ، وَيَبْقَى أَثَرُهَا مُسْتَمِراً مَعَ الْعَبْدِ مَتَى مَا كَانَ صَادِقاً مُخْلِصاً لِلَّهِ، بِتَوْفِيقِ اللهِ وَفَضْلِهِ، وَهَذِهِ مِنْ أَجَلِّ الْمَنَافِعِ وَأَكْبَرِ الْفَوَائِدِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِقُبُولِ حَجِّهِ وَمَنَاسِكِهِ.

ب-غُفْرَانُ الذُّنوبِ: وَمِنْهَا مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا حَتىَّ يَرْجِعَ الْحَاجُّ إِلى أَهْلِهِ نَقِيًّا طَاهِراً، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ  – صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلاَ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” {متفق على صحته}، والرَّفثُ: هُو الْجِمَاعُ حَالَ اْلإحْرَامِ، وَالفُسُوقُ: يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْمَعَاصِي وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالى.

ج-الْعِتْقُ مِنَ النَّارِ: وَمِنْهَا الْعِتْقُ مِنَ النَّارِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قَال: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَر مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ” { أخرجه مسلم في صحيحه}.

د-الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ: وَمِنْهَا الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا تَفَضَّلَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلاَ وَقَبلَ حَجَّ عَبْدِهِ فَإنَّهُ قَدْ وَعَدَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ – صلى الله عليه وسلم- بِأَنَّ ثَوَابَهُ الْجَنَّةُ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال:“الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لُيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الَجَنَّةُ” {متفق على صحّة}. والْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ مَا خَلاَ مِنَ الْمَآثِـمِ وَكَانَ خَالِصاً لِلَّهِ تَعالى وَمِنْ نَفَقَةٍ حَلاَلٍ.

 

ه-فِيهِ أُجُورٌ عَظِيمَةٌ: وَمِنْهَا الْحُصُولُ عَلَى اْلأُجُورِ الْعَظِيمَةِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَى فِعْلٍ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ فِعْلُهُا فيِ غَيْرِ تِلْكَ الْبقَاعِ الْمُقَدَّسَةِ كَمُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلَوَاتِ فقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (صَلاَةٌ فيِ مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِد الْحَرَام، وصلاةٌ في الْمسجدِ الْحَرامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) “رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما”.

و-وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ واسْتِلاَمُ الرُّكْنَيْنِ فِيهِمَا أَجْرٌ عَظِيمٌ فَقدْ جَاءَ عَنِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقبَةً) “رواه ابن ماجه” , وكَانَ ابن عُمَر يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَاماً لا يفعله أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم. فلمَّا سُئِلَ عَنْ ذلِكَ قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ فَإِنِّي سَمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنَّ مَسْحَهُمَا كَفَارَةٌ لِلْخَطَايَا) وَسَمِعْتُه يقول: (مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعاً فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ). وسَمِعتُه يقول: “لاَ يَضَعُ قَدَماً وَلاَ يَرْفَعُ أُخْرَى إِلاَّ حَطَّ اللهُ عَنْهُ خَطِيئَتَهُ وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً)  أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم“.

 

ز-اعْتِيَادُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ: وَمِنْهَا إِقَامَةُ ذِكْرِ اللهِ وَكَثْرَةُ دُعَائِهِ، فَالْحَجُّ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فيِ حَالِ السَّفَرِ وَاْلإقَامَةِ وَقَبْلَ الْعِبَادَاتِ وَبَعْدَهَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ لاَزَمَ الذِّكرَ فيِ حَيَاتِهِ وَصَلَ إِلى أعْلَى الدَّرَجَاتِ وأَرْفَعِ الْمَقَامَاتِ كمَا قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (200) سورة البقرة، وقال سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَات﴾ (البقرة:2\203)، وقال جَلَّ وَعَلاَ: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَات﴾ “الحج:22\27) ، وثَبَتَ عَنِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ) رواه أبو داود“.

 

ح-فَكَمْ مِنْ دَعْوَةٍ أُجِيبَتْ، وَكَمْ مِنْ كُرْبَةٍ نُفِّسَتْ، وَكَمْ مِنْ عَثْرَةٍ أُقِيلَتْ فيِ تِلْكَ الْبقَاعِ الشَّرِيفَةِ والْمَنَاسِكِ الْمُنِيفَةِ.

ط-تَوَجُّهُ الْقُلُوبِ إلىَ اللهِ تعالى: أيها المسلمون، إن في الحجِّ يتحقق مَعْنَى شَهَادَةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عَقِيدَةً وَقَوْلاً وعَمَلاً، فالشَّهادَةُ اْلأُولَى فِيهَا تَجْرِيدُ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، وَالشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا تَجْرِيدُ الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَمَحَبَّتِهِ وَتَصْدِيقِ أَخْبَارِهِ، وَأَنْ لاَ يَعْبُدَ اللهَ إِلاَّ بَمَا شَرَعَ، وَتَحْقِيقُ الشَّهَادَتَيْنِ فيِ الْحَجِّ وَاضِحٌ جَلِيٌّ لِمَنْ تَمَعَّنَ وَتَبَصَّرَ فيِ أَحْوَالِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتيِ يُؤَدِّيهَا الْعَبْدُ فِي حَجِّهِ، فَهُوَ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فيِ هَذَا الْعَمَلِ، ويَتَّبِعُ فِيهِ هُدَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي قال: “لِتَأْخُذُواْ عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ” (مسلم) فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ حَجِّهِ أَلاَّ يَنْقُضَ عَهْدَهُ مَعَ رَبِّهِ ولا يترك الاتِّبَاعَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

ي-تَذَكُّرُ اْلآخِرَةِ:  يا إخوةَ الإسلامِ, إنَّ الْحَجَّ يُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ وَوُقُوفِ الْعِبَادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لأنَّ الْمَشَاعِرَ تَجْمَعُ النَّاسَ فيِ زِيٍّ وَاحِدٍ مَكْشُوفِي الرُّؤُوسِ مُتَجَرِّدِينَ مِنْ ثِيَابِهِمْ وَمَلَذَّاتِهِمْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُمْ مِنْ سَائِرِ الْبقَاعِ وَالأجْنَاسِ قَدِ اجْتَمَعُواْ فيِ صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُلَبِّينَ دَعْوَةَ اللهِ، وَهَذَا الْمَشْهَدُ يُشْبِهُ وُقُوفَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الله يَوْمَ القِيامَةِ فيِ صَعِيدٍ واحدٍ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مُشْفِقِينَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَبْعَثُ فيِ نَفْسِ الْحَاجِّ خَوْفَ اللهِ وَمُرَاقَبَتَهُ وَالاسْتِعْدَادَ لِيَوْمِ الْمِعَادِ وَاسْتِصْغَارَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَدَمَ اْلاسْتِغْرَاقِ فِيهَا فَيَكُونُ حَالُهُ بَعْدَ حَجِّهِ أَحْسَنَ مِنْهُ قَبْلَهُ وَيُشمِّر عَنْ سَاعِدِ الْجَدِّ لِعَمَلِ اْلآخِرَةِ بَقيَةَ عُمْرِهِ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد

عباد الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ”

فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الأشهر الحرم وهي:شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ورجب، وقد ورد ذكر هذه الأشهر الحرم في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ … ﴾ (التوبة\٣٦) قال ابن كثير رحمه الله: “وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرًا وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحُرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجبُ في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يَقْدِمُ إِلَيْهِ من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا” تفسير ابن كثير رحمه الله 7/ 197

فمن خصائص الأشهر الحرم أن الذنوب فيها أعظم من غيرها، قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى:﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تُضاعف لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ الحج\٢٥  وكذلك الشهر الحرام تُغَلَّظُ فيه الآثَامُ.

قال القرطبي رحمه الله: “خَصَّ اللهُ تعالى الأَشْهُرَ الحرمَ الأرْبعةَ بِالذِّكر، ونَـهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان منهيًا عنه في كل الزمان.

ومن فضائل الأشهر الحرم أن أعمال الحج كلَّهَا تقعُ في ذي الحجة قال تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ وهي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. فاتقوا الله -عباد الله- وعَظِّمُوا هذِهِ الْأشْهُرَ بطاعة ربكم واجتناب معصيته، فإن ذلك من التقوى ولكم فيه عند ربكم الخيرُ الكثيرُ: (ذَلِكَ وَمَنْ يُّعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) الحج\٣٠

هذا وصلوا على نبيكم فإن الصلاة عليه في يومكم هذا آكد وأفضل أعظم. اللهم صل عليه وآله وصحبه وسلم تسليما.

Leave a Reply