الخصيصة السّادسة من خصائص الخطاب الإسلامي

Download

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخُطْبَةُ الأُولَى لشَهْرِ جُمَادَى الثَّانِيّة بتأرِيخ 4\6\1438هــ-3\3\2017م

حَوْلَ : الْعَوْلَمَة فِي نَظَرِ الْإِسْلامِ :

6-الْخَصِيصَةُ السَّادِسَة من خصائص الْخِطابِ الْإِسْلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة :

6-الْخِطَابُ الْإِسْلامِي : يُغْرِي بِالْمِثَالِ وَلَا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , خَالِقِ البَشَرَ وَهَادِيهِ إلَى الْحَقِّ وإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .الَّذِي وَصَفَ عِبَادَهُ الْكِرَامَ بِأوْصَافٍ جَمِيلَةٍ , فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) … ﴾ [الفرقان:25\63-…] نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ فِي الشَّهرِ الهِجْرِي الْقَمَرِي الْجَدِيد –جُمَادَى الثّانِيّة- وَنَحْنُ عَلَى مَوْضُوعِنَا الرَّئيسِي : مَفْهُومِ الْعَوْلَمَةِ فِي نَظَرِ الْإِسْلامِ . وَقَدْ كُنَّا نُعَالِجُ خَصَائِصَ الْخِطَابِ الإِسْلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة . وَقَدْ مَرَّت عَلَيْنَا أَسَابيع عَلى مُعالَجَتِهَا حَيْثُ قَدْ فَصَّلْنَا الْحديثَ عَنْ خَمْسِ خصَائِصٍ مِنْ خصائص الْخِطَابِ الإسلامي فِي عَصْرِ الْعَولَمَة :. ألا وَهِيَ :  1-يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا يَكْفُرُ بِالإِنْسِ ,2-يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ وَلا يُغِيبُ الْعَقْلَ .3-يَدْعُو إِلَى الرّوْحَانِيَّة وَلا يُهْمِلُ الْمَادِيّة .4-يُعْنِي بِالْعِبَادَاتِ الشّعَائِرِيَّة وَلَا يُغْفِلُ الْقِيَمَ الْأَخْلاقِيَّة . 5-يَدْعُو إِلَى الاعْتِزَازِ بِالْعَقِيدَةِ وَإِلَى إِشَاعَةِ التَّسَامُحِ وَالْحُبِّ .

والْخَصِيصَة السّادسة أنَّ الْخِطَابَ الإِسْلامِي  في عصر الْعَوْلَمَة :

6-يُغْرِي بِالْمِثَالِ وَلَا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ:

أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ , مِنْ خَصَائِصِ الْخِطَابِ الإِسْلامِي : أنَّهُ يُغْرِي بِالْمِثَالِ الْعُلْيَا الَّتِي يُنْشِدُهَا الْإِسْلامُ لِلْإِنْسَانِ , وَلَكِنَّهُ لا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ الَّذِي يَعِيشُهُ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ , وَيَضْطرُّونَ للتَّعَامُلِ مَعَهُ فِي مصْبحِهِمْ وَممساهُمْ .

فَالإِسْلامُ يُنْشِدُ الْإِنْسَانَ الْفَرْدَ الْمُسْلِمَ الْمِثَالِي , وَالْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ الْمِثَالِيّة , وَالْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ الْمِثَالِي , وَالْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ الْمِثَالِيَّة , وَالدَّوْلَةَ الْمُسْلِمَةَ الْمِثَالِيَّة , وَالْعَالَمَ الْإِنْسَانِي الْمِثَالِي . وَلَكِنَّهُ – مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمِثَالِيّة – لَا يَنْسَى الْوَاقِعَ الّذِي يَحْيَاهُ النَّاسُ وَيهبطُونَ إِلَيْهِ أفْرَاداً وأُسَراً وَجَمَاعَاتٍ وَأُمَماً وَدُوَلاً . فَهُوَ يُعَالِجُ هَذَا الْوَاقِعَ نَظَرِيّاً , وَيُعَالِجُهُ عَمَلِيّاً , يَعْتَرِفُ بِهِ وَلَكِنَّهُ يُحَاوِلُ أَن يرقَى بالْإِنْسَانِ , لِيَعْلُوَ عَلَيْهِ بِإِيمَانِهِ وَأخْلاقِهِ وَمثله وأهدافِهِ الْكُبْرَى فِي الْحَيَاة .

يُنْشِدُ الْإِسْلامُ الْفَرْدَ الْمِثَالِي : الَّذِي يَجْتَنِبُ الْمُحَرَّمَاتِ , وَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ , وَيُرَغِّبُ فِي التَّطَوُّعَاتِ . الْإِنْسَانُ الْحَيُّ الضَّمِيرُ , الْمرهف الشُّعُورُ , الْمُتَوَازِنُ الْعَاطِفَة , الْقَوِيُّ الْإِرَادَة , الْمُسْتَنِيرُ الْعَقْلُ , الْمُسْتَقِيمُ الْخَلْقُ , السَّلِيمُ الْجِسْمُ , الصَّالِحُ فِي نَفْسِهِ , الْمُصْلِحُ لِغَيْرِهِ , الغيور عَلَى دِينِهِ , النَّافِعُ لِمُجْتَمَعِهِ , الْمُدَافِعُ عَنْ وَطَنِهِ , الذَّائِدُ عَنْ أُمَّتِهِ , الْعَابِدُ لِرَبِّهِ , الْمُحْسِنُ إِلَى خَلْقِهِ , الْعَامِرُ لِأَرْضِهِ , الْقَائمُ بِخِلافَتِهِ , الْحَامِلُ لِدَعْوَتِهِ . إنَّهُ الْإِنْسَانُ الْمِثَالِي الَّذِي تَحَدَّثَتْ عَنْهُ آيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ , وَوَصَفَتْهُ لَنَا فَأَحْسَنَتِ الْوَصْفَ , حِينَمَا تَحَدَّتْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْأَبْرَارِ وَأُولِي الْأَلْبَابِ وَعِبَادِ الرَّحْمَنِ .

وَيَكْفِي أَنْ تَقْرَأَ مَثَلاً قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[الأنفال:8\ 2-4].

وَقَوْله تعالَى فِي وَصْفِ عِبَادِ الرَّحمن فِي أواخر سورَةِ الْفُرْقَانِ :﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) … ﴾ [الفرقان:25\63-…]

وَقَوله في سُورَةِ الذّاريات فِي وَصْفِ الْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذّاريات :51\17-19] .

وَفِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ يَصِفُ الْأَبْرَارَ بِقَوْلِهِ : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان : 76\7-10].

كَمَا نَقْرَأُ قَولَهُ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ : “مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِأَفْضَلِ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ , وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ , فَإِذَا أَحَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ , وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ …” (رواه البخاري من حديث أبي هريرة) .

وَمَعَ هَذَا رَأَيْنَا الْإِنْسَانَ كَثِيراً مَا يَنْزِلُ عَنْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ الْعُلا , وَيَسْقُطُ فِي أوحال الْخَطِيئَة , فَيُعْصِي رَبَّهُ سُبْحَانَهُ , فَيَتْرُكُ الْمَأْمُورَ , وَيَفْعَلُ الْمَحْظُورَ , ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مَخْلُوقاً مُطَهَّراً كَالْمَلائِكَة , وَلا مَعْصُوماً كَالأنْبِيَاءِ , وَلَكِنَّهُ مَخْلُوقٌ مُزْدَوِجُ الطَّبِيعَة : فِيهِ قَبْضَةٌ مِنْ طِينِ الأَرْضِ , وَنَفْخَةٌ مِنْ رُوحِ اللهِ . فَأَحْيَاناً تَنتَصِرُ الرُّوحُ , فَتَسْتَجِيبُ لِبَاعِثِ الدِّينِ , وَأَحْيَاناً يَنْتَصِرُ الطِّينُ , فَيَسْتَجِيبُ لِبَاعِثِ الْهَوَى .

إِخْوَةَ الإِيمانِ :

وَاعْتِرَافاً بِطَبِيعَةِ الإِنْسَانِ وَضَعْفِهِ , وَاسْتِعْدَادِهِ لِلْعُلُوِّ وَالْهُبُوطِ , وَلِلتَّزْكِية والتّدسية , قال تعالى : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشّمس :91\ 7-10] . فَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّة مُسْتَعِدَّة لِلْفُجُورِ استعدادها للتَّقْوَى , بَلْ رُبَّما كَانَ اسْتِعْدادها للفُجُورِ أَقْوَى , وَلِهَذَا قَدَّمَ فِي الآية . والْمَدَار هُنَا عَلَى جُهْدِ الإنسان , فَإِمَّا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَيُجَاهِدَهَا فَيَكْسِبُ الفلاحُ وَالْفَوْزُ , وإمّا أن يدسيها وَيَدعها لِشَهْوَاتِهَا , فَلَا يجني غير الخسار والْخَيْبَة .

وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِسم الْقُرْآنِ أصْنَاف النَّاس فِي الْأُمَّة الّتِي اصْطَفَاهَا اللهُ مِنْ عِبَادِهِ , وَالَّتِي أورثَهَا الْكِتَابُ , فَقَالَ : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر : 35\32] .

فَهؤُلاءِ هُمْ أصناف الأُمَّة الّتِي وَصَفَهَا اللهُ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ:

1-الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ , وَهُوَ الَّذِي يُقَصِّرُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ , وَيَرْتَكِبُ بَعْضَ الْمُحَرَّمَات .

2-الْمُقْتَصِدُ : وَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ , وَلا يَقْتَرِفُ الْمُحَرَّمَاتِ , وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ .

3-السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ : وَهُ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ , بِفِعْلِ الْمُسْتَحبَاتِ , وَيَزِيدُ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ , بِتَرْكِ الشُّبْهَاتِ وَالْمَكْرُهَاتِ . وَقَدْ يَرْتَقِي فَيَدَعُ مَا لا بَأس بِهِ , حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ .

وَهَكَذَا رَأَيْنَا (الظّالِم لِنَفْسِهِ) جُزْءاً مِنَ الْأُمَّة , وَعُضْواً مِنْ أَعْضَائِهَا , فَهِيَ لَيْسَتْ أمَّةً مِنَ الْمَلائِكَة , بَلْ هِيَ أُمّةٌ مِنَ البَشَرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُطِيعَ وَيَعْصِي , وَيُصِيبَ وَيُخْطِي .

وَلاَ عَجَب أنْ يُخْطِئَ ابْنُ آدَمَ وَيَعْصِي , فَقَدْ أخْطَأَ أَبُوهُ آدَمُ مِنْ قَبْل , فَقَ>ْ أَسْكَنَهُ اللهُ وَزَوْجَهُ الْجَنَّة , وَاَمَرَهُمَا أَنْ يَأكُلا مِنْ ثِمَارِهَا رَغَداً حَيْثُ شَاءَا , إِلَّا شَجَرَةً وَاحِدَةً نَهَاهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا , فَمَا زَالَ الشَّيْطَان يدليهما بِغُرُورٍ , وَيُزَيِّنُ لَهُمَا الْأَكْلَ مِنْهَا , حَتَّى وَقَعَا فِي الْمَحْظُورِ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه :20\121] .

وَلكِنّ اللهَ لَمْ يَدَعْ آدمَ سجين عثرتِهِ , وَرَهِينَ مَعْصِيَتِهِ , فَقَدْ آتَاهُ سَبَباً يُمَكِّنُهُ بِهِ أنْ يَغْتَسِلَ مِنْ ذَنْبِهِ , وَأَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ آثَارِهِ , وَهُوَ (التَّوْبَة) ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه :20\122] , ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[البقرة :2\37] .

وَهَكَذَا أَوْرَثَ اللهُ بَنِي آدَمَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ : الْوُقُوعَ فِي الْخَطِيئَة , وَغَسْلَهَا بِالتَّوْبَة﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة :2\222] , ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾  [النُّور: 24\31] .

بَلْ شَرَعَ الْإِسْلامُ لِلإِنسَانِ (أنْهَاراً) يَغْتَسِلُ فِيهَا مِنْ دُونِ الْمَعْصِيَة : مِثْلُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ : مِنَ الْوُضُوءِ والصَّلاةِ وَالصَّدَقَة وَالصِّيَامِ والْحَجِّ وَالْعُمرَة وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ . وَحَسْبُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود :11\114 ].

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام : “الْجُمعَة إِلَى الْجُمْعَةِ , وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ , وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ : مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرَ” (رواه مسلم عن أبي هُرَيرة )

كَمَا شَرَعَ التَّوْبَةَ والاسْتِغْفَارَ , فَالتَّوْبَةُ تجبُ مَا قَبْلها , والتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ , وَفِي الْحَدِيثِ : “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ , وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوّابُونَ الْمُسْتَغْفِرُونَ ” (رواه أحمد والتِّرمذِي وابن ماجه والحاكم عن أنس. انظر : صحيح الجامع (4515) .

 وَيُنْشِدُ الْإٍسْلامُ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَة الَّتِي تُؤَسِسُ عَلَى السُّكُونِ وَالْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة , وَتَقُومُ عَلَى الْمُعَاشَرَة بِالْمَعْرُوف , وَعَلَى قِيَامِ كُلّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِوَاجِبِهِ , وَتَمَتُّعِهِ بِحَقِّهِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة :2\228] .

كَمَا تَقُومُ الأُسْرَةُ عَلَى مَسْئُوليةِ الْوالِدَيْنِ عَنْ رِعايَة أولادِهِمَا وَحُسْنِ تَرْبِيَّتِهِمْ, وَعَلَى بِرِّ الْأوْلادِ لِوَالِدَيْهِمَا , وَحُبِّهِمْ لِإِخْوَانِهِمْ وَأَخْوَاتِهِمْ , وَتَعَاوُنِهِمْ وَتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ , وَصِلَّة الأرحام , وَإيتَاءِ ذِي الْقُربَى. إنَّ الأسْرَةَ فِي الإِسْلامِ هِيَ الأسرَة الْمُعْتَمَدَة الموسعة , الّتِي تَشْمُلُ الْآبَاءَ وَالأجْدَاد , والأُمَّهَات والْجدَّات , والأعمام والعمَّات , والأخوال والْخالات , وذرِّياتهم .

وَفِي الْعَلاقَة بَيْنَ الأُمَّة بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , وَبَيْنَ الْحُكَّامِ وَالْمَحْكُومِينَ , كَثِيراً مَا نَجِدُ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلامِيَّة , تَنْزِلُ بِالإِنْسَانِ مَنَ (الْمَثَلِ الأعلَى ) إلَى (الْوَاقِعِ الأدْنَى ) نُزُولاً عَلَى حُكْمِ الأمر الْواقع الْمُبِينِ .

فَالإسلامُ يُرِيدُ فِي رِجَالِ إدَارَتِهِ (الْقَوِيَّ الأمِينَ) كَما جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ ابنة الشَّيْخِ الْكَبِيرِ فِي قِصَّةِ مُوسَى (عليه السّلام) :﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:28\26] . وَكَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ (عليه السّلام) إذْ قَالَ لِمَلِكِ مِصْرَ :﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾  [يوسف :12\ 55] . فالعلم يجسد القوّة , والحفظ يجسد الأمانة .

ومَعَ هَذَا قَالَ الفقهاءُ : إذَا لَمْ يَجِدِ الْقَوِيَّ الأَمِينَ , أخَذَ أفْضَلَ الْمَوْجُودَ , وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوِيّاً وَلا أمِيناً , وَإن كَانَ الْوَاجِبَ- كَمَا قَالَ ابنُ تَيْمِية –الْعمل على إصلاحِ الأحوالِ , حَتَّى يُوجَدَ الْقَوِيَّ الأمِينَ .

وَقَالَ الْعُلَمَاءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إِمَام الْمُسْلِمِينَ (ولِيّ أمرهم ) وَقَاضِي الْمُسلمين : عالماً بَلَغَ مَرْتَبَةَ الاجْتِهَادِ فِي استنباط الأحكام .

وَلَمَّا كَانَ هَذَا أمراً أصْبَحَ مَفْقُوداً أو شِبْهَ مَفْقُودٍ فِي الأزمنة الأخِيرَة , قَالُوا : “يُؤَخَذُ أفضَلُ الْمَوْجُدِ , وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِداً حتّى لا تتعطّل الأحكام , وَلا تَبْقَى الأُمَّة بِلا إِمَامٍ وَلا قُضَاةٍ .

وَيَتَمَنَّى الإِسْلامُ عَالَماً يَسُودُهُ السَّلامُ والأمَانُ , وَيَعِيشُ النَّاسُ فِيهِ فِي ظِلِّ التَّعَارُفِ وَالْوِئَامِ , وَلَكِنْ مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ .

إِخْوَةَ الإِسْلامِ والإِيمانِ , فَقَدْ بَدَأَ الإسلامُ دَعْوَتَهُ مُسَالماً , دَاعِيّاً النّاس إلَى تَوْحِيدِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ , وَالْجِدَالِ بالتِي هِيَ أحسنُ , فَوَقَفَ عِبَادُ الأوثانِ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ , وَيفتنون من دَخَلَ فِي الدِّينِ بِألْوَان الأَذَى وَالْعَذَابِ , حَتَّى سَقَطَ مِنْهُمْ شُهَدَاءُ تَحْتَ نير العذاب , وحتّى حُوصروا وقُوطرُوا مُقاطعة اجتِماعِية واقْتِصَادِيّة , حَتَّى أكَلُوا أوْرَاقَ الشَّجَرِ مِنَ الْجُوع .

وَاضْطَرَ الإِسلامُ فِي النِّهَايَة أن يشهر السَّيف دِفَاعاً عَنْ نَفْسِهِ , فِي وَجْهِ السُّيُوف الّتِي رُفِعَتْ مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ تُرِيدُ أنْ تَقْطَعَ عُنُقَهُ , وتجهز عليه . كما قال تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 2\216] . وَقَالَ :  ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحجّ :22\39-40] .

وَالْقُرْآنُ يُشِيرُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الأَخِيرة إلَى تَقْرِيرِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْمُجْتَمِعَاتِ , وَهِيَ : (سُنَّة التَّدَافع) الّتِي يُهَيِّئُ اللهِ فِيهَا أُنَاساً مِنْ خَلْقِهِ يَدْفَعُونَ عَنْ أُنَاسٍ آخَرِينَ , لا حَوْلَ لَهُمْ وَلا قُوَّة , دُونَ أَنْ يوكلوهم في الدِّفاعِ عَنْهُمْ .

وَمِنْ وَاقِعِيَّة الإسلامِ : أنَّهُ اعْتَرَفَ بِالضَّرُورَاتِ الّتِي تَنْزِلُ بالإِنسَانِ , فَأبَاحَ بِهَا الْمَحْظُوراتِ , وَقَرَّرَتْ ذَلِكَ أرْبَع آياتٍ فِي كِتَابِ اللهِ , بَعْدَ ذِكْرِ الأطْعِمَة الْمُحَرَّمة ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾  [البقرة:2\173] .

وَبِهَذَا قَرَّرَ الاسْتِثْنَاء من الْأَحْكَامِ الْعَامَّة , نُزولا عَلَى حُكْمِ الضَّرُوراتِ , أَوِ الْحَاجات الَّتِي تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَاتِ .

مَوْقِفُ الْخِطَابِ الدِّينِي :

إِنَّ الْخِطَابَ الدِّينِي الْمُوَفَّقَ هُوَ الَّذِي يُرَاعِي وَاقِعَ النَّاسِ الَّذِي يضغط عَلَيْهِمْ , وَضَعفهم أمَامَ هَذَا الْوَاقِعِ , وَيُرَاعِي ضَرُورَاتِ النَّاسِ الَّتِي تُبَاحُ بِهَا الْمَحْظُورَاتِ , وَحَاجَاتهم الّتِي كَثِيراً مَا تنزل مَنْزِلَةَ الضَّرُوراتِ , وَلا يُعَامِلُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ مَلائِكَةٌ مُقَرَبُّونَ , بَلْ يُعَامِلُهُمْ بَشَراً يَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ , تَدْفَعُهُمُ الْغَرَائِزُ , وتغريهم الشّهوات , ويوسوس لَهُمُ الشَّيطانُ , فيعثرون ويسقطون , وَمَعَ هَذَا لا يَنْبَغِي أنْ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ .

كَمَا لا يَلِيقُ بِالْخِطَابِ الدِّينِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْوَاقِعِ الْمُنْحَرِفِ , وَيُحَاوِلُ أَنْ يُبَرِّرَهُ بِمُسْتَنَدَاتِ شَرْعِيَّة مزورة أو محرفة , بل يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ دَائِماً عَلَى مُعَالَجَةِ هَذَا الْوَاقِعِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ دَوَاءٍ , حَتَّى تَتَجَاوَزَهُ الأُمَّة , وَتَعْلُوَ عَلَيْهِ .

يَجِبُ عَلَى الْخِطَابِ الدِّينِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى التَّوَازُنِ , فَيَعْتَرِفُ بِالْوَاقِعِ عَلَى مَا بِهِ , وَلَكِنْ عَلَى الْأُمَّةِ دَائِماً أَنْ تَتَطَلَّعَ إلَى الْمَثَلِ الأَعْلَى , وَتَجْتَهِدَ أنْ ترقى إلَيْهِ , وَلَوْ بِالتَّدَرُّجِ . وَمَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَل .

الخطبة الثّانية:

الحمد لله الّذي خلق النّاس مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونِسَاءً , القَائل في فُرقانِهِ الْعَظِيمِ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النّساء :4\1].

والقائل : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات :49\13] . نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ  وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, نتَّهز هَذِهِ الفُرْصَةَ الذَّهْبِيَة لِنَقْدِ أحْدَاث تَحْدُثُ فِي جَنُوب أفريقيا من الْهجوم على المهاجرين (الأجانب) المسمّى في الإنكليزية (XENOPHOBIC ATTACKS ) . وقيل إنّ الهجوم يحدث للسّببين :

الأوّل: إنّ المهاجرين (الأجانب) هم الّذين يقترفون الجرائم في جنوب أفريقيا بأنواعها المختلفة .

الثّاني : إنّ المهاجرون (الأجانب) هم الّذين يتّهزون فُرَصَ الأعمال والوظائف التي ينبغي أن تكون للمواطنين الحقيقيّين .

أيها المسلمون الكرام , انظروا إلى آراء خاطئة غير شرعية . وماذا تفعل الأمم المتّحدة حول هذه الحادثة القبيحة . وندعوا الأمم المتّحدة أن تقوم بخطوة فعّالة نحو معالجة المشكلة كما ندعو حكومة نيجيريا الفيدرالية أن تقوم بدورها للدِّفاع عن مواطني نيجيريا في جنوب أفريقيا .

وفضلا عن ذلك , نحمد الله تعالى على هبوط سعر دولار في السّوق بالنسبة لنيرة ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يستمرّ على تقوية النّيرة النّيجيرية في السّوق العالمية .

وأخيراً , نتضرّع إلى الله تعالى أن يشفي رئيسنا محمّد بُخاري شفاءاً تاما وأن يردّه إلينا سالماً عافياً وأن يساعده على القيام بواجباته حقّ القيام وأن يهديه وأعوانه إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم . اللهمّ آمين .

الدّعاء :

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

 

Leave a Reply