13th Dul-Hijjah 1442 A.H
(23rd July,2021)
بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الثانية لشهر ذي الحجة بتأريخ 13/12/ 1442هـ )23/7/2021)
دروس في التضحية من الأضحية وقصّة إبراهيم وابنه عليهما الصّلاة والسّلام
الحمد لله ربّ العالمين القائل في محكم تنزيله " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولـِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (يوسف:111 ) فله الحمد على نعمة الإسلام والايمان والتوفيق،وأن جعلنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وأشهد أن لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد ؛عباد الله ! اتّقوا الله واعلموا أنّ الله تعالى لم يضع ولم يشرع شّرعة إلاّ لحكمة وعظّة تستنبط منها العبرة لمن له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. وليست قصّة فداء الأسرة المؤمنة المتواضعة من ذلك ببعيد ؛ أسرة النّبي الحنيف،خليل الرّحمان إبراهيم مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل عليهم الصلاة والسّلام،الّذين بذلوا بكلّ ما يفدى به أمام المحن والفتن وتحديات الحياة حتَّى جعله الله أمّة واحدة من بين الأمم فجعله الله لأمّة محمد صلى الله عليه وسلّم أسوة حسنة حيث يقول : "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ (الممتحنة: 4 ) فأصبح خصاله الفدائية سنّة تقتدى بها؛ وتركنا عليه في الآخرين
بناء على هذا الأساس يتركّز موضوع خطبتنا في هذا الأسبوع علي: دروس في التضحية من الأضحية من قصة إبراهيم وابنه عليهم الصلاة والسلام
عباد الله المستمعين الكرام، اعلموا رحمكم الله إنّ قصة نبي الله إبراهيم (عليه الصلاة والسّلام) تبرز لنا أعظم التضحية؛ تضحية الأب الحليم الأواه المنيب بابنه الصّادق الوعد الأمين؛ تضحية لو عرضت على الجبال الرّاسيات الشامخات لما أطاقتها ولاعتذرت منها حيث سار على قنطرة المحن منذ صغره فما استكان وما وهن حتّى عند طلبه الذّرية الطيّبة حتّى بلغ الشيخوخة ،كاد أمله ينقطع من الولد فلم يزل يتضرّع "ربّ هَبْ لـِي مٍنَ الصَّالـِحِينَ" إلى من رزقه ووهب له غلاما زكيّا وفيّا، حتّى إذا بلغ معه السّعي وأصبح يليق بوراثة الحكمة والنبوّة ويعتمد عليه في المهمّات والملمات فجاء اختبار إلـهي يطالب الفداء بقرة عينه ،فما كان له إلاّ أن سارع إلى ابنه وحبيبه يعرض الأمر عليه فكان عند حسن ظن أبيه كما كان الأب عند حسن ظنّ ربّه سبحانه وتعالى حتى قال : *"يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنـِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* " (الصّافات: 102)
إخوة الإيمان المستمعين ! فما أعظم هذه التضحية من الأب ؟ هل هناك تضحية أعظم من أن يقدّم أحدنا ولده فلذة كبده وحشاشة قلبه قربانا لربّه ؟ وهل هناك برّ أعظم من أن يقدّم أحدنا رقبته لأبيه ليذبحه ؟ وهل أبقى هذا الأب الجوّاد الكريم تضحية تعدل هذه التضحية ؟ وهل أبقى هذا الغلام برّا على وجه الأرض يعدل هذا البرّ ؟ " *إِنَّ هَذَا لـَهُوَ البَلَاءُ الـمُبِينُ "* (الصافات : 106)
هذه هي القصّة التي لا يستطيع بشر أن يوفيها حقّها من الرّوعة والإجلال والمهابة، إذ لا يشعر بمحبّتها إلاّ من ابتلي بها ولا يشعر بمرارتها إلاّ من ذاق حنظلها.
فهي تذكّرنا بالأضحية كلّ سنة بأنّ المقصود فلذات الأكباد لا الأكباش حتى نظلّ على اتّصال دائم بهذا المعنى العظيم؛ معني التضحية بأعز ما يملك الإنسان ، معني أنّ المحبّة لله وطاعته والاستسلام له والانقياد لحكمه فوق المال والنفس والولد، فلا نرغب بأي منها عنه، فإنما هي أمانات عندنا، وهل لأحد فضل أن هو أدى الأمانة إلى أهلها؟ نعم إن فعل ذلك طوعا لا كرها
هذا هو المعني الذي نفهمه من القصة، ولو أن المسلمين فقهوه على حقيقته، فحرصوا على الموت حتى توهب لهم الحياة، لما استعمرهم غاصب غشوم، ولما استذلهم طاغ متكبر، ولما وطء أرضهم مستعمر جبار وصدق الله العظيم إذ يقول: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين" . (البقرة: 130-131)
تأمّلات من القصة
هذه هي القصة العتيدة الغريبة، فما الذي ينطوي تحتها يا ترى؟ ماذا يريد العزيز الحكيم من ورائها؟ هل هي للترنم بالقراءة والتبرك بالمعنى؟ أم هي لسرد حادثة وقعت في الزّمن الغابر وانقضى عهدها؟ أم هي قص من القصص التي يتعجب الإنسان لها ثم لا يلبث أن ينساها ؟
كلا والله، لا هذا ولا ذاك ، إنما هي تذكرة للمسلمين في كل عام لتقديم أغلى ما يملكون لربهم
أوّلا: هي درس للمؤمنين في التضحية بأعز ما يحوزون، بأغلى من المال والروح اللّذين عقد الله عزّ وجل مع عباده بيعة بشأنهما أن لهم الجنّة إن هم باعوهما له عند الطلب وقربوهما ثمنًا حينما يدعو داعي الجهاد، فقال: " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ " (التوبة: 111)
ثانيًا: نوعيّة هذه التّضحية أعزّ وأغلى على الإنسان إذ يهون عليه مائة مرّة أن يقدّم نفسه وماله على أن يقدّم ولده إذ هي غريزة الرحمة التي وضعها الله في قلوب مخلوقاته من إنسان وحيوان، فنحن نرى الحيوان كيف يقاتل دفاعا عن أولاده حتّى يقتل ولا يسلّمهم لشيء يؤدّيهم ما دام فيه عرق ينبض ونفس يتحرّك
ثالثًا: هناك ما هو أعظم ألف مرة من هذا أيضا، هو أن تقدّم ولدك بيدك أنت لا بيد غيرك دون أن تراه هو أن تأخذ سكينك بيمينك وتذبح بها ولدك، فلذة كبدك فتقطع البلعوم والأوردة جيئة وذهابا، حتى يتدفق الدم على يديك ووجهك، ويلطخ جسدك وثيابك، ثم تبقى بعد ذلك كله واقفا على قدميك، مالكا لوعيك تقول لربّك: لبّيك اللّهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك لبّيك والأمر كلّه بيديك.
رابعًا* : إنّ رحمة الله قريب من المحسنين؛ فالصبر من الأب الوفي والابن الطائع استبدل الله بالابن كبشا عظيما بندائه من فوق السماوات السبع إلى خليله قائلا: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" (الصافات: 105)
*خامسًا* :إنّ محبّتك للخالق هي فوق كلّ شيء، فوق المال والنفس والولد وبها يؤثره الإنسان على كلّ من الولد والوالد والنّاس أجمعين فيحوز الكرامة وأعلى المرتبة فوق رؤوس الخلائق فيصبح أهلا للاقتفاء قدوة للآخرين وللذريّة المسلمة الحسنة الطيّبة . وإنـّمـا أردناك مثلا للتضحية يفتدى بك، وأسوة حسنة لذريتك المسلمة من لا تؤثر على ربها أهلا ولا مالا" رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمُّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (البقرة: 128)
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم من كلّ ذنب وخطيئة إنّه هو الغفور الرّحيم.

الخطبة الثّانية
الحمد لله القائل في محكم كتابه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " (البقرة: 274) والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمّد وآله وأصحابه أجمعين
فمن صور ونماذج التّضحية ، التّضحية بالمال من حياة سلفنا الصّالح ؛فهذا هو أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) ضحى بماله كلّه في كل مناسبة لدعوة رسول الله (صلۍ الله وسلم) وله مساهمة عظيمة عند الهجرة النبوية إلي المدينة المنورة
ببذل جميع ممتلكاته وأبنائه وخدمه في سبيلها.كما يرجع إليه الفضل في تجهيز جيش المسلمين و تحرير الرّقيق .ففي سنن الترمذي أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِى مَالاً فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَالَ فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم ) "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ ؟" قُلْتُ مِثْلَهُ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ ؟ " قَالَ؛ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَسْبِقُهُ إِلَى شَىْءٍ أَبَدًا "
فكلّ من تربّى على التّضحية ويتعوّد عليها ويتحلّى بها يكون قد قطع شوطا كبيرا في التخلّص من سلطان الهوى وكان قادرا على مخالفة النفس الأمّارة بالسّوء، كما أنّ المسلم الّذي اتّصف بالتّضحية يفوز بمثوبة من الله عزّ وجلّ ويربح برضاه ثمّ رضا الصّالحين من عباده، فلا يحزن على ما فات ولا يفرح بما أتى،وكذلك يكرمه الله في ذريّته ويخلف بالخير عليه وتسعد به الجماعة
وفي كل مجتمع أو أمة التي يتخلق أفرادها بالتضحية والبذل، لا شك في أنها تكون قادرة على إنجاز أهدافها، وتحقيق آمالها وطموحاتها، والوصول بعون الله إلى غايتها، فبها نحن في بلدنا نيجيريا العزيز نستعصي على الأعداء، ونتأبَّى عليهم، ويقذف الله مهابة بلدنا في قلوب الأعداء المغيرين السالبين المختطفين، فلا ينالون منا.
فلا خلاص ولا منجى إلا بتعود الناس قادة وشعبا البذل والعطاء، والتخلق بالتضحية، بها يكون في منجاة من الضوائق والأزمات، ويسلم كذلك من الشحناء والعداوات، ويحل الإيثار، وتنمحي الأثرة، وتسودها المحبة، وتزول منها البغضاء، ويعمها التواد والتآلف والتراحم، وتصير أهلًا لرحمة الله، ومثوبته في الدنيا والآخرة.

اللهم أَرِنَا الْحقَّ حَقّاً وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ, واكْشِفْ عنا وباءَ فيروس كورونا فِي مَشَارِقِ الأرضِ وَمَغَارِبِهَا حتى ترزقَنَا حجَّ بيتِكَ المحرَمِ في العام المقبلِ , برحمتك الواسعة يا حيُّ يا قيّوم يا أرحمَ الرّاحِمين. اللّهم أمنّا في أوطاننا وولّ علينا خيارنا وأيّد بالحقّ أولياء أمورنا, وحقّق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللّهم إنّا نسألك من الخير كلّه عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهُمَّ اجْعَلْ حَجَّ الُجّاجِ حَجّاً مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً, وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً وَرُدَّهُمْ بَعْدَ إِكْمَالِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِين, مَغْفُورِينَ لَهُمْ كَيَوْمِ وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ.
اللّهمّ أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كلّ مكان واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *