الفرق بين السّياسة الشّرعية والسّياسة الوضعيّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الأولى لشهر صفر بتأريخ 3\2\1440هـــ-12\10\2018م

حول : الفرق بين السِّياسة الشّرعيّة والسِّياسة الوضعيّة

الحمد لله ربّ العالمين , القائل في فرقانه الحكيم : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:5\49-50],نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ,. اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين .

أمّا بعد ,

فَعِبَادَ الله, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ,ظَاهِراً وَبَاطِناً, مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعالَى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ {الأنفال:8\29}.

إِخْوَةَ الإِيمانِ, هذا هو اللِّقاء الأوّل في شهرصفر ومن الأسبوعَيْن الماضِيَيْنِ قد خضنا في الموضوعات السِّياسيّة لأنّها هي قضيّة السّاعة في وطننا الحبيب نيجيريا ,لأنّنا نستعدّ للانتخابات العامّة التى ستنعقد في السّنة المقبلة 2019م –إن شاء الله تعالى القادر المقتدر- وعالجنا في الخطبتَيْنِ الماضيَتَيْنِ : الانتخابات المعاصرة : نشأتها وأحكامها . و مفهوم السيّاسة من المنظور الإسلامي على التّوَالي. والْيَوْمَ نتقَدَّمُ ونأخُدُ الفرق بَيْنَ السِّياسةِ الشَّرْعِية والسِّيَاسَةِ الْوَضْعِيّة .

أيها المسلمون الكرام , الفروق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية ، فروق جلية ، واختلافات جوهرية ، تنطلق من طبيعة النظم و القوانين التي تساس بها الشعوب في كل منها ، بدءاً من المصادر والأصول ، وانتهاءً بالمسائل ودقائق الفروع ، وهذا موضوع ممتع شيق ، ولكن ليس هذا محل التفصيل فيه ؛ لذا فهذه نماذج لخطوط عريضة وفروق رئيسة أستعرضها بإجمال :

أولاً : الفرق ( من حيث المصدر ) ، وهو : أنَّ السياسة الشرعية مصدرها إلهي ، أمَّا السياسات الوضعية فمصدرها فكر بشري . وهذا أساس التفريق ، وعنه تنبثق الفروق .

فالسياسة الشرعية واجب ديني ؛ إذ هي جزء من الرسالة الإلهية الخاتمة ؛ وتكليف من تكاليف الإسلام : الدين الحق ، الذي أنزله الله عقيدة وشريعة ، وديناً يحكم الدنيا ؛ ولذلك قيدت السياسة فيه بـ ( الشرعية ) ، ومن هنا فهي مستقلة عن كل السياسات الوضعية ، عقلية أو طبيعية ، وذلك تبعاً لاستقلال الشريعة الإسلامية عن غيرها من المناهج والنظم والقوانين الوضعية .

وذلك لإقامة مقاصد الخلافة التي تقوم على مقصدين رئيسين (ينظر : الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، للماوردي : 51) :

أ- إقامة الدين الحق ” الإسلام “ . وذلك بحفظه وحراسته وتبليغه ونشره ؛ لأنَّه الدين الخاتم الذي لا يقبل الله جل جلاله – بعد بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم – من أحدٍ دينا سواه : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، وحماية البيضة بما فيها العمق الاستراتيجي للأمّة ومواقع سيادتها ، وتحصين الثغور وإعزازها ، ومدّ أطرافها .

ب- سياسة الدُّنيا بالدِّين . بأن تدار جميع شؤون الحياة وفقاً لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوصة أو المستنبطة باجتهاد سليم ، محققاً لقاعدة الحكم الأساسية : ( إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ) ، وذلك بتنفيذ الأحكام ، وإقامة الشرائع والحدود وسنّ النظم المشروعة ، وحمل الناس على ذلك بالترغيب والترهيب الشرعيين .

السياسات الوضعية :

 أمَّا السياسات الوضعية ؛ فالإلزام بها إلزام بالوضع البشري ، تفرضه الإرادة البشرية بقوّة ( الدساتير الوضعية ) ، وتحميه بقوتها ، ومن يخالفـه يجّرم بــــــ(الخروج على القانون) ، وهذا نوع من الاستعباد البشري الذي حلّ محل عبادة رب البشر (وقد صارت ” الفوضوية ” مذهباً فكرياً سياسيا ، يكشف مدى الطغيان البشري ، ومدى انتكاس العقل البشري إذا أطلق ، ينظر – مثلاً – : الموسوعة السياسية المعاصرة ، نبيلة داود : 34-)؛ وإن اشتملت على بقايا دين محّرف ومنسوخ : كاليهودية والنصرانية ، وإن وجـد فيها شيءٌ من دين (ينظر في مناقشة هذا المبدأ : خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ، للعلامة د.محمد الدريني : 385)

، أو دين مخترع : كالبوذية ، والهندوسية ؛ فإنَّ السياسات الوضعية المعاصرة تقوم في تنظيرها على فصل السياسة عن الدين (ينظر : خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ، للعلامة د. محمد فتحي الدريني :371-381) والخلق .

ومن ثمَّ فالإلزام بسياسات البشر الوضعية غايـة الظلم – وإن وُضِع في قوالب مغرية ، ودُعِم بشعارات برَّاقة – بدءاً بالاستعباد الإقطاعي ، ومروراً بالاستعمار لخيرات بلدان الشعوب الأخرى ، ومعاصرة لـ ” الديمقراطية ” بأشكالها العنصرية (ينظر : التاريخ السياسي الحديث والعلاقات الدولية المعاصرة) .

وهكذا فالفارق الأساسي هنا في مقصد السياسة : ” أنَّ سياسة أمور الدنيا في المنهج الإسلامي تتم على مقتضى النظر الشرعي ، وفي إطار العبودية الكاملة لله تعالى ، ولكنها في النظم الوضعية تتم على مقتضى النظر العقلي ، أو على مقتضى الهوى والتشهي خارجاً عن دائرة العبودية ، وذلك يمثل مفترق الطرق بين السبيلين” (الوجيز في فقه الخلافة ، د. صلاح الصاوي :51) .

وخلاصة القول : أن السياسة الشرعية تقوم على مقصد العبودية لله تعالى المتمثل في الدعوة إليه وحكم الحياة بشريعته . بينما تقوم السياسات الوضعية على فصل الدين عن الدولة أو الفكر العلماني الذي يمثل مفترق الطريق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية المعاصرة .

صفات وخصائص السِّياسة الشّرعيّة :

أهم صفات هذه السِّياسة أنّها :

(أ)-شرعيّة : أي تنسب إلى شريعة الله سبحانه وتعالى , فهدفها مقدَّس : وهي حماية الشّريعة الإلهيّة أن تنحى أو يتجاوز عليها. وعرضها على النّاس كما أمر اللهُ تعالى . وبالتّالي :

(1)-هي سياسةٌ وسائلها مقدسة , وذلك بالوضوح والشّفافية قدر المستطاع , وعدم التّلوُّن والمداهنة قال تعالى : ودُّوا  لو تدهن فيدهنون) [القلم:9] : فلا تكون للسياسي الشّرعي إلا وجه واحد يمثّل الوجهة الشّرعية في الموالاة والمعاداة يراه كلُّ النّاس .

(2)-وهي سياسة تتسم بالاستقامة والاعتدال والنّزاعة وتعظيم شعائر الله . قال الله تعالى : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ .. ﴾ [شورى:42\15] , وقال : ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحجّ:22\32] .

(3)-وهي سياسة مؤمنة بالله تعالى وبالغيب : من قبيل إن الله ينصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة بإذنه , وأنّ الملائكة يمكن أن تتنزل بأمر الله نصرة للمؤمنين . لكنّها مع إيمانها تأخذ بأسباب النّصر والتّمكين .

وإنّ من صفات السِّياسة الشّرعيّة أنّها :

(ب)-سياسة حكيمة : فهي :

(1)-مرنة : غير متجمّدة على ظواهر النّصوص الشّرعية والفقهيّة والموافق والأحداث السّابقة : وإن كانت تستفيد منها وتستنير بإرشادها من غير ما مغالاة ولا جفاء , قال عليه الصّلاة والسّلام : (رحم اللهُ امرأ وعَى مقالَتي فأدّاها كما سمعها , فرُبَّ مبلَّغٍ أوعَى مِنْ سامِعٍ) . وهي :

(2)-مراعِيةُ الموقف الرّاهن بتفاصيله الظاهرة والباطنة , ومدركة فقه الواقع بسائر أبعاده المبدئية والمتغيّرة . قال تعالى : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:6\55] , ومن السّبرة , وجّه عليه السّلام أصحابه في مرحلة ما بالهجرة إلى الحبشة وقال : (إنّ فيها مَلِكٌ لا يُظْلَمُ عِندَهُ أحدٌ) .

(3)-وهي سياسة : بعيدة النّظر , ناظرة في آثار الأقوال والأفعال في الحال وفي المال. وإنّ السّيرة النّبويّة حافلة بالشّواهد لهذه الصّفة : من أجلاها قصة صلح الحُديبية .

(4)-كما أنّها سياسة : توازن بين المصالح والمفاسد , وتميّز بين المنافع والمضارّ , وتختار الأصلح في حماية الأمّة والملّة , لكن دونما انتقاص من معانيه العالية وقيمه الجميلة . وهذا ممكن مقدور عليه حتّى في شائك المسالك .وقد مارس النّبي صلّى الله عليه وسلّم السّياسة الشّرعية من لدن البعثة حتى الممات وما دنس صورة الدّين ولا الشّريعة بقولٍ أو عملٍ ولا بنيّة , وما نقص مبادئه , وما خرق القيم النّبيلة ولا انتقص منها , مع أنّه وأصحابه اختبروا ظروفاً سياسية مختلفة ودقيقة في كثير من الأحيان .

كما أنّ من صفات السّياسة الشّرعيّة أنّها :

(ج)-سياسة واقعية : فليس للخيالات والأحلام والأوهام والتّنطع فيها مكان . قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾  [المائدة:5\101] , وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : (دَعُونِي ما تركتكم , إنّما هَلَك َمن كان قبلكم بِسُؤالِهم واختلافهم عَلَى أنبيائهم …الحديث ) البخاري .

كما أنّها

(د)- سياسة رحيمة بالمسلمين وإن كانوا بغاة , وبغير المسلمين مالم يكونوا محاربين . قال الله تعالى:﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة :9\128]

وهي سياسة

(هــ)-أمّارة بالمعروف : نهاءة عن المنكر .: لاتخشى في الله لومة لائم , عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : (لا يَحقرنَّ أحدُكُم أن يرى أمرا لله فيه مقال , فلا يقول فيه , فيُقال يوم القيامة: ما منعك أن تكون قُلْتَ فِي كذا وكذا ؟ فيقول : مخافة النّاس فيقول اللهُ (إياي أحق أن تخاف) رواه ابن ماجه وأحمد وابن حبّان .

نقف هنا نظراً لضيق المقام .أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم .

الخطبة الثّانيّة:

الحمد للهِ ربِّ العالمين , القائل في كتابه العزيز : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:5\33-34] , نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه ونصلّي ونسلّم على خير خلقه سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدّين .

أمّا بعد ,

فعباد الله , من المؤسف منه , وجدير بالذّكر في هذا الأوان هو حادثة شريرة تحدث في مدينة جوس, ولاية بلاتُو , نيجيريا , أنّهم يضعون أشخاصاً وسيّارات في بِركة مليئة بالماء . ووُجدت في هذه البِركَة تسعة عشرة (19)جُثّةً , ثلاثة عشرة(13) سيّارةً , وسِتّ(6) درّاجات بخارية . وسبب كشف عن هذه الأسرار هو فقدان رئيس عسكري MAJOR GENERAL IDRIS ALKALI . فأخذ رجال الأمن والشّرطة يبحثون عن هذا رجل حتى وصلوا البرِكة وسكّان تلك الحارة  لأوّل وهلة كانوا يمنعونهم عن الوصول إلى البركة فجاءوا بكلّ قوَة فصارت الأسرار ظاهرة . سبحان الله !!!

الدّعاء :

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply