20th Jumadal Uula,1443 AH

(24th December,2021 CE)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّالثة لشهر جمادى الأولى بتأريخ 20/5/1443ه‍ (24 /12/2021م)

الموضوع: اسْتِعْمَالُ الْحِكْمَةِ فِى الْأُمُورِ.

الحمد لله الملك الوهاب الغني الجواد والمتصرف في خلقه بما تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الشاملة فهو الحكيم الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً، عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين وسلم تسليماً .

أمّا بعد ,

فَعِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرّاً وَجَهْراً إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَكافَة الْمَأْمُوراتِ وَالْمَنْهِيات وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:2\21].

فقد قال الله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة:2/269].

إخوةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثّالِثُ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى وَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَتَركَّزُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحِكْمَةِ فِى الْأُمُورِ.

الحكمة هي التصرف الرشيد الذي توضع به الأمور مواضعها اللائقة بها بإعطاء كلِّ ذي حق حقه والاعتراف لكل ذي فضل بفضله، وأنَّ أبلغ الحكمة معرفة العبد حق فاطره وخالقه سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه له الحق الأكبر على عباده وله الفضل العظيم عليهم، فعلى العبد أن يعرف ذلك لربه ثم يقوم بما تقتضيه هذه المعرفة من شكره وطاعته خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه، وإن من الحكمة أن يعترف الإنسان للرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلم بما له من الحقوق بأن يشهد بقلبه ولسانه أنه عبد الله ورسوله الصادق المصدوق، فيكون متبعاً له مقدماً لشريعته وهديه على كل شريعة وهدي معتقداً أن شريعته هي النظام الوحيد في إصلاح الدنيا والآخرة.

وإن من الحكمة أن يكون الإنسان رشيدا في تصرفه فيبدأ بالأهم فالأهم ويأخذ بالأصلح فالأصلح، فإذا كان أمامه مصلحتان قدَّم أنفعهما وإذا رأى مصلحة عامَّة ومصلحة خاصَّة قدَّم العامّة لأنَّها أنفع وأشمل، وإذا دار الأمر بين أن يفعل واجباً أو تطوعاً ولا يمكنه القيام بهما جميعاً قدَّم الواجب على التطوُّع لأنَّه آكد، وإذا نشأ من فعله مصلحة ومفسدة وتكافأتا أخذ بدرء المفسدة لأنَّ درء المفسدة عند التكافؤ أولى من جلب المصلحة.

ومن الحكمة أنَّه إذا تعارضت مفسدتان وكان لا بدَّ من فعل إحداهما أخذ بأخفِّهما ضرراً وأقلِّهما مَفسدة، ومن الحكمة أن يعترف الإنسان لكلِّ ذي فضل بفضله فيعترف لمن أسدى إليه معروفا دينيا أو دنيويا بمعروفه ويكافئه عليه إن أمكنه، فإن لم يجد ما يكافئه دعا له حتى يظنَّ أنه كافأه.

ومن الحكمة أن ينظر الإنسان إلى تصرُّفات غيره بمنظار الرحمة والنصح والعدل، فإنَّ كُلَّ أحد لا بُدَّ أن يخطئ إلا من عصمه الله تعالى. ولكن ليس من الحكمة أن ينظر الإنسان إلى جانب الخطأ فقط ويدع جانب الصواب، بل ينظر إلى الجانبين ويوازن بينهما ثم يسعى في إصلاح الخطأ، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملاحظة الأمرين بقوله: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خُلُقاً رضي منها خلقاً آخر) وقد يكون صاحبك مرتكباً خطأ في نظرك أنت وعندما تناقشه يتبين لك أنه ليس خطأ، فالتراجع في الأمور والمناقشة فيها بإخلاص وإرادة صالحة من أكبر الأسباب في إصلاحها ونجاحها. ومن الحكمة إذا نبه الإنسان على خطأ أن لا يركب رأسه ويعبد هواه فيمضي في خطئه ورأيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والمؤمن ضالته الحق حيث وجده أخذه. وكثير من الخلق يمنعه منصبه أو جاهه من الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له، وهذا من السفه، فنسأل الله أن يعيذنا من ذلك.

ومن الحكمة إذا جاءك أخوك ناصحاً لك أن لا تعبس بوجهه أو تظهر له الاستياء فإن من حق الناصح أن يقابل بالشكر، فإن شكر الناصح فضيلة للمنصوح وتشجيع للناصح، ولا مانع من أن تبين له الأسباب التي أدت إلى فعل ما نصحك من أجله..

أيها الناس، وإن من الحكمة أن لا يدخل الإنسان في أمر حتى يعرف الخلاص منه، فإن بعض الناس يغتر بظواهر الأمور ومبادئها حتى إذا تورط فيها لم يستطع الخلاص منها، وإن من الحكمة أنَّ من ابتدأ بعمل وارتاح له فليستمرَّ عليه، فمن بُورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة، فمثلاً يقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الفنِّ ثم يدعه من غير أن يُكمله وينتقل إلى غيره ثم إلى آخر من غير تكميل الأول فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى. كل يوم له عمل وكل يوم له رأي فيضيع الوقت عليه من غير فائدة .

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام والسّلام على خير الأنام سيّدنا محمّد المنزّل عليه: "وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ فَلَا تَتّبِعوا السُّبلَ فتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِى" [الأنعام:6/153].

أمَّا بعد،

فيا عباد الله، نتحدَّث في هذا الفصل الخطبي عن قضيتين مُهِمَّتين:

القضية الأولي: حُكم مشاركة الكفَّار في أعيادهم، من المستحسن في الوقت الرّاهن , إرشاد إخواننا المسلمين وإلقاء أضواء علي حكم مشاركة الكفار في أعيادهم، ودونك ما قال العلماء المدقِّقون عن مشاركة الكفار في أعيادهم بالإيجاز: لا تجوز مشاركة الكفار في أعيادهم للأمور التالية :

أولاً : لأنه من التشبه بهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، من تشبه بقوم فهو منهم ."رواه أبو داود (وهذا تهديد خطير)، قال عبد الله بن العاص من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم وتشبه بهم حتى يموت خسر في يوم القيامة .

ثانياً : أنَّ المشاركة نوع من مودَّتهم و محبتهم قال تعالى :﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[المائدة:5\51] وقال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ… ﴾[الممتحنة
:60\1] .

ثالثاً : أنَّ العيد قضية دينيَّة عقدية وليست عادات دنيويَّة كما دلَّ عليه حديث: "لِكُلِّ قَوْمٍ عيدٌ وهذا عيدُنَا وعيدهم يدلُّ على عقيدة فاسدة شركية كفرية ."

رابعاً : أن قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ …﴾[الفرقان:25\72] فسَّرها العلماء بأعيادالمشركين ، ولا يجوز إهداء أحدهم بطاقات الأعياد أو بيعها عليهم و كذلك جميع لوازمأعيادهم من الأنوار و الأشجار والمأكولات.

والقضية الثانية: قضية فساد مواقع التواصل الاجتماعي:

تعرّف وسائل التواصل الاجتماعي بأنَّها مجموعة التطبيقات والمواقع الإلكترونية التي تستخدم للتواصل مع الآخرين، ونشر المعلومات، ومشاركة المحتويات، وغيرها، ولهذه الوسائل العديد من الإيجابيات والسَّلبيَّات، فمن الآثار الإيجابية التي تسببها؛ العمل على تعزيز الإنتاج، والمساهمة في التواصل مع الآخرين، والعمل على زيادة الوعي في العديد من القضايا الإنسانية، والدينية، والاقتصادية، وغيرها. وعلى الرغم من كل هذه الفوائد المنصوص عليها ، هناك قدر كبير من السلبيات يجب التوضيح منه:

الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على المجتمع:تُوضّح النقاط الآتية أهم الآثار السلبية التي تعود على المجتمع نتيجةً لسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ:

الحدّ من التواصل المباشر:تحدّ وسائل التواصل الاجتماعي من التواصل وجهاً لوجه بين أفراد المُجتمع،

صعوبة إيصال المشاعر:تحدّ وسائل التواصل الاجتماعي من القدرة على التواصل العاطفي بين أفراد المجتمع،

التسبّب بالكسل:تُعدّ أحياناً سبباً في شعور أفراد المجتمع بالكسل، حيث يُعدّ الاستخدام المُريح الذي تُوفّره هذه الوسائل في سبيل التواصل مع الآخرين أسهل من عناء الذهاب إليهم ومُقابلتهم بشكل شخصي.

التأثير على العلاقات الأُسرية:يظهر أثر وسائل التواصل الاجتماعي في تفكك الأسرة والمجتمع، وذلك لأنّ كلّ واحدٍ منهم يقضي ساعاتٍ طويلة في استخدام تلك المواقع بدلاً من التواصل مع باقي أفراد عائلته وتعزيز علاقاته معهم.

نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة:يستخدم البعض وسائل التواصل الاجتماعي بهدف نشر الإشاعات بين أفراد المُجتمع وتضليلهم بالأخبار الكاذبة ما يؤدي إلي الشرور المريرة

التأثير سلباً على صحة أفراد المجتمع:لوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في التأثير سلباً على صحة مُستخدِميها، وخاصةً فيما يتعلّق بعدم حصولهم على قسطٍ كافٍ من النوم.

التنمّر الإلكتروني:تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً أداةً يُساء استخدامها ضد أطفال المُجتمع حيث تُعرّضهم للتنمّر الإلكتروني، ومن شأن هذا الأمر التأثير على الأطفال وصحتهم النفسية؛ حيث يُمكن أن يتسبّب بإصابتهم بالاكتئاب والقلق

تنمية بعض العادات السيئة:تتسبّب وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً بخلق عاداتٍ سيئة لأفراد المُجتمع؛ كإهمال بعضهم البعض أثناء التحدُث، أو التشتُت أثناء القيادة، فضلاً عن أنّ الاستخدام المُستمرّ لتلك المواقع قد يدفع الأفراد إلى تأجيل مهامهم.

الإدمان العام: باستخدام الهاتف الذكي يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي أكثر إدمانًا من السجائر والكحول. إنه يتمتع بجاذبية قوية للعديد من الأشخاص مما يؤدي بهم إلى التحقق منه طوال الوقت دون التفكير فيه.

قد تؤدي إلى زيادة الرهاب الاجتماعي:يؤدي الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة الشعور بالوحدة والعزلة وبالتالي الإصابة بالرهاب الاجتماعي، فمن الممكن أن تُفقد الإنسان ثقته في نفسه، ومظهره، وما يملك، وتمنعه من المشاركة في المناسبات الاجتماعية، والتعامل مع الأشخاص من حوله بشكل مباشر، الأمر الذي يسبب له العديد من المشاكل النفسية والصحية عند تعرضه لمثل تلك المواقف.

الدعاء : اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين وأذِلَّ الشِّركَ والمشركين ودمِّر أعدائك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين . اللهم آمنَّا في أوطاننا واحفظ إخواننا المجاهدين في كُلِّ بُقعة وكُنْ معهم ولا تكن عليهم وفرِّج المعتقلين منهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهمَّ اغْفِر لوالدينا ومشايخنا ولسائر المسلمين الأَحياء منهم والأموات إنَّكَ مُجيبُ الدَّعوات وبالإجابة جدير والقادر عليه وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *