بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى لشهر جمادى الأولى بتأريخ:3/5/ 1442ه 18/12/ 2020م)

الموضوع: الْحَثُّ عَلَى الْعَمَل وَذَمُّ الْبِطَالَةِ

_____________________________________________________

إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا،

أَمَّا بَعْدُ,

فيا عباد الله, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تعالى في السر والعَلَن، وفي القول والعمل وفيما تذرون وتأتون، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:3/102].

ثم اعلموا-أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ- أنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ الْحَثِّ عَلَى العمل وذم البطالة.

عباد الله، لقد حث الإسلام أبناءه على العمل، ورغبهم في التكسب وطلب الرزق، وحذّر أشد التحذير من الاعتماد على التسول واستجداء الناس والتذلل لهم؛ لما يورثه من المذلة والمهانة في الدنيا والآخرة. فقد قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانَ إِلَّا مَا سَعَى(39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40) ثُمَّ يُجْزَىهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النّجم:53/39-41]

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، فيأتي به فيبيعه، فيأكل منه ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاه أو منعه”. متفق عليه. وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم”. رواه البخاري ومسلم.

عباد الله، إن الله تعالى بيّن في كتابه الكريم أن العمل لكسب العيش وتحصيل ما لا بد منه كان دأب أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام-؛ قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:20]. قال القرطبي -رحمه الله-: “هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك”، وقال ابن كثير -رحمه الله-: “يقول تعالى مخبرًا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمنافٍ لحالهم ومنصبهم.

وأخبر -جل وعلا- عن داود -عليه السلام- بقوله -جل شأنه-: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:80]، والمراد باللبوس هنا الدروع.

يقول الإمام القرطبي -رحمه الله-: “هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسببُ سنةُ الله في خلقه، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود -عليه السلام- أنه كان يصنع الدروع والخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدمُ حَرّاثًا، ونوح نجارًا، ولقمان خياطًا، وطالوت دباغًا، وقيل: سقّاء، فالصنعة يكف بِها الإنسان نفسه عن الناس”. انتهى كلامه -رحمه الله-. وعن المقدام بن معدي كرب -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما أكل أحدٌ طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”. رواه البخاري.

والحكمة في تخصيص داود بالذكر -كما يقول الحافظ ابن حجر- أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة الله في الأرض، وإنما ابتغى الأكل من طريق أفضل.

وقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “كان زكريا نجارًا”. قال الإمام النووي: “فيه جواز الصنائع، وأن النجارة لا تسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة”.

لقد باشر الأنبياء كلهم -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام-، باشروا رعي الغنم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم”، فقال أصحابه: وأنت يا رسول الله؟! فقال: “نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة”.

وكان كبار أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضلهم يحترفون بأيديهم، وعلى رأسهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-. ومن الصحابة من كانوا فقراء من قبل، ثم اتّجروا فأغناهم الله من فضله، وفي قصةِ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- الذي آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، ما يوضح ذلك. ولقد عرض عليه الأنصاري أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّنِي على السوق، فأتى السوق، فلم يلبث طويلا حتى صار من أغنى المسلمين.

فعلى كل فرد قادر أن يسعى بنفسه لتحصيل ما يحتاجه من مقومات الحياة، والله تعالى قد قدر الأرزاق وكتبها، وعلى المرء أن يأخذ بجميع الأسبابِ الممكنة لتحصيل الرزق وجمعه، وأن لا يبقى خاملاً ينتظر رزقه، فإن الله تعالى أمر بالسعي في الأرض والتنقل بين أرجائها طلبًا للعمل والكسب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:67/15].

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض”، وتلا قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:10].

عِبَادَ اللهِ: إن الخروج في طلب الرزق وتحصيله مما وجه إليه الشرع ورغَّب فيه وجعله سببا لمغفرة الذنوب، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفورًا له”. رواه الطبراني.

والسعي في طلب الرزق كذلك جهاد في سبيل الله تعالى، فعن كعب بن عجرة –رضي الله عنه- قال: مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل، فرأى الصحابةُ من قوته ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله!! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعفها فهو في سبيل الله”. رواه الطبراني.

وهكذا فإن الإسلام رغَّب في الكد والعمل والتحصيل، وذم البطالة بشتى صورها، وحذر منها لما فيها من الجمود والاتكالية، فبقاء الفرد عاطلاً دون عمل معتمدًا على غيره يجعله ذليلاً مكسور الجناح، واضعًا نفسه تحت رحمة الخلق وشفقتهم، يرجو برهم وعطفهم، ويخاف شرَّهم وعقابهم، فهو إن لم يسايرهم منعوا عنه العطاء، ومخرجه من ذلك أن يكون عاقلاً منتجًا، وأن يوجد لنفسه مهنةً، يكتسب من خلالها، وأن يكون في عداد المثمرين المنتجين، حتى لا يبقى عالة على نفسه ومجتمعه.

هذا، وصلوا على نبيكم الكريم كما أمر ربكم: اللهم صل على حبيبك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين…آمين

 

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ، القائل في كتابه العزيز: ﴿إنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْيُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعُوا أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:5/33]. نحمده سبحانه وتعالى ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أمّا بعد,

فيا عبادَ اللهِ, إِنَّ أَكْبَرَ تَحَدِّيَاتِ وَطَنِنَا الْحَبِيبِ نَيْجِيريا فِي الْوَقْتِ الرّاهِنِ, هُوَ عَدَمُ الْأَمْنِ والاسْتِقْرَار فِي الْبلاد. كُلَّ يَوْمٍ نَسْمَعُ أَخْبَاراً مُبْكِيَة وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِمَّا وصل إلَيْنَا مِنَ الْأخبار في آخر الْأسبُوع الْمَاضِي هُوَ إخْتِطَافُ طُلّاب مَدرسةٍ ثانويةٍ علميةٍ حكوميةٍ لِحكومة ولاية كتسنا شَمال غَربي نيجيريا , وهي مدرسة خاصّة للأولاد , وهي مدرسة داخلية حيث يسكن الطّلّاب داخل المدرسة. عدد جميع طلّاب المدرسة لا يقلّ عن 839 طالبٍ, وبلغ عدد الطّلّاب الْمختطفين 333 طالبٍ. وادَّعَى رَئِيسُ بوكو حرام-كما انتشر في الأخبار- أنّ حِزْبَه الشّرير هو المسؤول عن هذه الفَعَلة القبيحة. ونتّهز هذه الفرصة الذّهبية لدعوة الحكومة الفيدرالية وحكومة ولاية كتسنا ورجال الأمن أن يبذلوا كلّ ما في وُسعهم من الطّاقة لردّ هؤلاء الطّلّاب إلى أهلهم سالمين. والله عزّ وجلّ هو المسؤول أن يكون في عونهم ويكُفّ عنَّا هذا الشّرَّ وَمِثْلَهُ من شُرورِ هَذَا الزّمَان ويرُذَ الْأَمْنَ والاستقرارَ في وطننا نيجيريا وسائر بلاد المسلمين.

إِخْوةَ الإِيمان, من الحقائق التي لا تخفى على أولي الأبصار أنَّ لهذا البلد نيجيريا أعداءٌ في الدّاخل والخارج الّذين لا يريدون له التّطوّر والتّقدّم وَيَسْتَخْدِمون جميع ما يملكون على سبيل تحقيق أهدافهم الهدّامة المنشُودة. وعلى كلّ فردٍ من المواطنين الأحرار أن يقوم بأدواره الخاصّة إضافة إلى ما تقوم بها الحكومة لمحاربة الفساد والمفسدين كما ندعو الله المولى القدير مُجِيبَ الدّعوات أنْ يَكْشِفَ عَنّا البَلاءَ, إِنَّهُ بالإِجَابَةِ جدِيرٌ.

الدّعاء :

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .وصَلّى اللهُ على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *