تأريخ الحجّ وبناء البيت العتيق 1438هــ Khutba 20th Shawaal, 1438 (14th July, 2017)

Download Khutba 20 Shawaal 1438 (14 July, 2017) MS Word doc

Download  Khutba 20 Shawaal 1438 (14 July, 2017) pdf

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الْخُطْبَةُ الثَّالثة لِشَهْرِ شَوَّال بِتَأْرِيخِ 20\10\1438هـ- 14\7\2017م

حول: تأريخ الحجّ وبناء البيت

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ حجَّ بيته الْحَرَام، وجَعَلَ ذلِكَ أحَدَ أرْكانِ الإِسْلامِ، وجَعَلَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا مَحَطَّاتٍ نَتَزَوَّدُ فِيهاَ بالإيمان والتَّقْوَى ,وَنَمْحُو مَا عَلَّقَ بِقُلُوبِناَ مِنْ آثَارِ الذُّنُوبِ والْغَفلاتِ, الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ {إبراهيم:14\37}. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام،  القائل فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف : ” “إن للهِ فِي أيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا، فَلَعَلَّ أحدكم أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ فَلاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا” (صحيح الجامع) . اللهمَّ صَلِّ وَسَلَّمْ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين .

أمَّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإنَّها خيْرَ الزَّادِ لِنَيْلِ الْمَرْغُوبِ فِي الدُّنْيا والآخِرة فَقَدْ قالَ تَعالَى : ﴿…وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾{البقرة :2\197} .

إِخْوَةَ الإِيمَانِ, إنَّ هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثَّالِثُ لِشَهْرِ شَوَّال , وَقَدْ عَالَجْنَا بَعْدَ رَمَضَانَ مَوْضُوعَيْنَ مُهِمَّيْنِ مُنَاسِبَيْنِ لِوَقْتَيْهِمَا هُمَا : مَاذَا بَعْدَ رَمَضَان؟, وثَانِيهِمَا : صِيَامُ التَّطَوُّعِ فِي الإِسْلامِ . والْيَوْمَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى , الّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ ِبِهَا الصّالِحَات , يَدُورُ مَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا حَوْلَ : تأريخ الْحجِّ وَبِنَاءِ الْبَيْتِ . إذْ نَحْنُ فِي أحدِ أشْهُرِ الْحجِّ الْمَعْلُومَات .

تاريخ الحج:

بناء البيت:

قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منّا إنّك أنت السميع العليم}. قال ابن كثير: “القواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر – يا محمد – لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: {ربنا تقبل منّا إنّك أنت السميع العليم} فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما”.

ثم أعادت قريش بناء الكعبة وشارك النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بنائها وعمره وقتها خمس وثلاثون سنة على ما يذكره ابن إسحاق. وقد نقصت مؤنتهم عن إكمال الركنين الشاميين بقدر ستة أذرع من جهة الحطيم.

نداء إبراهيم:

قال تعالى: {وأذِّن في النّاس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كلّ فجّ عميق}.

قال ابن كثير: “أي: نادِ في الناس داعيًا لهم إلى الحجّ إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه فذُكِر أنّه قال: يا ربّ، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا يصلهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس. وقال: أيّها النّاس، إنّ ربّكم قد اتخذ بيتًا فحجُّوه، فيقال: إنّ الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيءٍ سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنّه يحجّ إلى يوم القيامة”.

فإبراهيم عليه السلام هو أول من حجّ البيتَ.

شعائر الحجّ من إرث إبراهيم عليه السلام:

عن ابن مربع الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قفوا على مشاعركم، فإنّكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم)) رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني.

السعي بين الصفا والمروة:

قال ابن عبّاس ـ في قصة وضع إبراهيم عليه السلام لزوجته هاجر وابنه إسماعيل عند البيت ـ: (وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوى – أو قال يتلبط – فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات). قال ابن عباس: (فذلك سعيُّ النّاس بينهما) رواه البخاري.

  رمي الجِمار:

عن ابن عبّاس رضي الله عنهما – في قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} قال: (خرج عليه كبش من الجنّة. قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلته عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام، وإنّ رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد حشّ). أي يبس.

حجّ الأنبياء:

وقد جاء في الأخبار بحجّ عدد من الأنبياء مثل موسى عليه السلام ويونس بن متّى عليه السلام.

عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بوادي الأزرق، فقال: ((أيّ وادٍ هذا؟)). فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: ((كأنِّي أنظر إلى موسى عليه السلام((أيُّ ثنية هذا؟)) هابطًا من الثنيَّة وله جؤارٌ إلى الله بالتلبية)). ثم أتى ثنيَّة هرشى. فقال:. قالوا: ثنيَّة هرشى. قال: ((كأنّي أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف. خطام ناقته خُلبة، وهو يُلبيِّ)) رواه مسلم.

قال النوويُّ: “أخبر عمّا أوحي إليه صلى الله عليه وسلم من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم رؤيا عين”.

وجاء أنّ عيسى عليه السلام سوف يحجّ آخر الزمان.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده ليُهلنّ ابن مريم بفجِّ الرّوحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنينهما)) رواه مسلم.

حجّ العرب في الجاهلية:

–  الطواف بالبيت عراة:

عن أبي هريرة أنّ أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه بعثه في الحجّة التي أمَّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجّة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذِّن في النّاس: أن لا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. رواه البخاري.

قال عروة: كان الناس يطوفون بالجاهلية عراة إلاّ الحمس. والحمس قريش وما ولدت. وكانت الحمس يحتسبون على الناس، يعطي الرجلُ الرجلَ الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها. فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيتِ عريانًا. رواه البخاري

–  وقوف قريش يوم عرفة بالمزدلفة دون عرفة:

قال عروة: كان يفيض جماعة النّاس من عرفاتٍ، وتفيض الحمس من جمعٍ. قال: فأخبرنِي أبي عن عائشة رضي الله عنها أنّ هذه الآية نزلت في الحمس {ثم أفيضوا من حيث أفاض النّاس}. قال: كان يفيضون من جمعٍ، فدفعوا إلى عرفات. متفق عليه

وقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا وكان يقف حيث وقف إبراهيم عليه السلام في الجاهلية وفي حجّة الوداع.

عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: أضللتُ بعيرًا فذهبتُ أطلبه يوم عرفة فرأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم واقفًا بعرفة، فقلتُ: هذا والله من الحمس، فما شأنه ههنا؟. رواه البخاري.

وعن جابر رضي الله عنه قال: (فلمّا أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريشٌ أنّه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثَمَّ، فأجاز ولم يعرض له؛ حتى أتى عرفاتٍ فنَزل) رواه مسلم.

–  دفع أهل الجاهلية من عرفات قبل غروب الشمس:

كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفات إذا كانت الشمس على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال، فخالف النبيُّ صلى الله عليه وسلم فدفع بعد غروب الشمس.

– إفاضة أهل الجاهلية من مزدلفة بعد شروق الشمس:

عن ابن عمر قال: (إنّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس) رواه البخاري.

 الحجُّ وملَّةُ أبينا إبراهيمَ -عليهِ السلامُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَام, إِنَّ الناظرَ في شعائرِ الحجِّ يجدُ لها ارتباطاً وثيقاً بنبيِّ اللهِ إبراهيمَ -عليهِ السّلامُ-، وَفي القرآنِ الكريمِ حثٌّ متكررٌ بِاتباعِ ملّةِ إبراهيمَ -عليهِ السلامُ-، إذ قالَ اللهُ سبحانَه ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ {آل عمران:3\95}، وَهذا التلازمُ يشعرُ بِمدى أهميتِها وَضرورةِ الوقوفِ على معانيها، وَعندَما تمعنُ النّظرَ في هذهِ الشّعائرِ تجدُ هذه الصلةَ وثيقةً فمثلا:

أ-إذا بدأتَ بِالكعبةِ المشرفةِ، تجد أنَّ الله تعالي بوّأ لنبيِّهِ إبراهيمَ  مكان البيت, قال تعالي ﴿وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكان البيتأن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي لطائفين والقائمين والركع السجود ﴾{الحج :22\26} . خرج إليه (قاصدا له) من الشام وخرج معه بابنه إساعيل وزوجه هاجر, وإسماعيل طفل رضيع وحملوا علي البراق وجبريل يدله حتي وصل مكة, وسكن به. ذكر الشيخ ابن الضياء المكي الحنفي في كتابه تاريخ مكة : “عن مجاهد أن الله تعالي لما بوأ لإبراهيم مكان البيبت , خرج إليه من الشام وجبريل يدله علي موضع البيت ومعالم الحرم, وجعل إبرهيم –عليه السلام- لا يمر بقرية من القري إلا قال : أبهذا أمرت؟ فيقول له جبريل امض. حتي قدم مكة, والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة, فقال إبراهيم لجبريل : أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ فقال له جربيل : نعم. فعمد بهما إلي موضع الحجر فأنزلهما فيه. وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا, ثم انصرف وهي تسأله آلله أمرك بهذا فأشار برأسه أن نعم دون أن يلتفت, فقالت قولته الخالدة: “إذًا فلن يضيعنا” فلما وصل الثنية حيث لا يراهما ولا يريانه دعا ربه للبيت وأهله قائلا: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من  الثمرات لعلهم يشكرون﴾{إبراهيم:14\37}.

ب-قصة بناء البيت في عهد إبراهيم –عليه السلام-: فلما بلغ إسماعيل مبلغ الرجولة وقد اندثر معالم البيت أمر الله إبراهيم بِرفعِ قواعدِهِا من جديد ومعه ابنه إسماعيل ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {البقرة:2\127}.

ج- ومن آثار إبراهيم في البيت مقامُ إبراهيمَ عندَ الكعبةِ , وهو الموضع (الصخر) الذي قام عليه وهو يرفع القواعد فجعله الله لينا حتر تركت قدماه أثرا باقيا إلي اليوم ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾{آل عمران:3\96}

د- وَالسّعيُ بين الصفا والمروة: كذلك له علاقة تاريخية بآل إبراهيم الأطهار, فاحديث عن السعيُ بينَ الصّفا وَالمروةَ يجعلُنا نستعيدُ مشهداً عظيماً منَ العبوديةِ، وَثقةِ الإيمانِ، وَحسنِ الظنِّ بِاللهِ، إذْ يعيدُنا السّعيُ بينَ الصفا وَالمروةِ إلى مشهدِ ذاكَ النبيُّ الّذي يرزقُ طفلاً بعدَ أنْ بلغَ منَ العمرُ عتيّا، وَبعدَ أنْ قطعَ سِنَّ اليأسِ من الانجابِ، فَإذا بِاللهِ سبحانَهُ يأمرُهُ -وَهو في لهفتِه وَفرحتِه بِابنِهِ-، أنْ يلقيَ ولدَه وَزوجَهُ في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ، في صحراءَ قاحلةٍ، لا ماءَ فيها ولا بشرَ، فَإذا بِخليلِ الرحمانِ يَنزعُ عواطفَهُ جانباً، وَيطيرُ مستجيباً لِربِّهِ، منْ غيرِ إعمالٍ لِفلسفةٍ باردةٍ لِلتحايلِ على أمرِ اللهِ، أوْ بحثٍ عنْ مصلحةٍ معتبرةٍ، أو منفذٍ يفرُّ بهِ منْ هذا التكليفِ، بلْ يرسلُها إلى حيثُ الموتُ المؤكدُ بِحساباتِ النّاسِ، لكنَّ لسانَ حالِهِ ويشاركه في هذه الثقة بالله أهله ليقولُوا جميعا أينَما يكونُ أمرُ اللهِ فَثَمَّ المصلحةُ وَالخيرُ وَلا بدَّ، فَهوَ تجردٌ صادقٌ عجيبٌ للهِ .. وَلكَ تخيّلُ المشهدِ حينَها، أيُّ إيمانٍ وَثقةٍ بِربِّهِ تلكَ التي أمكنتهُ فعلَ ذلكَ ؟

في الحين الذي أنزل فيه إبراهيم أهله جنب البيت وزودهما بكيس من تمر وجراب من ماء, فما لبث أن نفدا, وتعبت المرأة وهي تبحث عن ما تسقي به رضيعها, فسعت بين الصفا والمروة سبع أشواط, وبينهما تقريبا نصف كيلومترا, وهو سعي الناس اليوم بين الصفا والمروة, وقد أصبحَ منْ شعائرِ الإسلامِ، قالَ تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ {البقرة:2\158}.

ه- وَماءُ زمزمَ : معلم آخر من آثار آل إبراهيم المصطفين الأخيار, ففي المرة السابعة من ترداد هذه المرأة الطيبة الكادحة علي ابنها, رزقهما الله ماءاً نبع من تحت أقدام هذا الرضيع, والمرأة تقول يا ماء زم يا ماء زم, فأصبح ماء زمزم المبارك النقي الطاهر,قال الصطفي –عليه السلام- “ماء زمزم لما شرب له”  .

ح- وَرميُ الجمراتِ تذكرُنا بآل إبراهيم وكيف تعاملوا مع البلاء المبين, إذ أمر الله إبراهيم بذح وحيده إسماعيل, وأراد الشيطان أن يصده هو وولده وزوجه, وتلك هي قصة الجمرات الثلاث: الكبري والوسطي والصغري, إذْ رجموا إبليسَ في ذاتِ الموضعِ. فأصبح كذلك من شعائر الحج

ط- وَالأُضحيةُ تذكرُّنا بِأمرِ اللهِ الموجهِ لهذا النبيِّ أنْ يذبحَ ابنَهُ إسماعيلَ -عليهِ السّلامُ- قالَ تعالى ﴿ فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا تري قال يا أتب افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين(102) فلما أسلما وتله للجبين(103) وناديناه أن ياإبراهيم(104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين(105)إن هذا لهو البلؤ المبين(106)وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)وتركنا عليه في الأخرين(108) سلام علي إبراهيم(109) كذلك نجزي المحسنين(110)﴾ {الصافات:37\102- 110}. فجزاه الله علي هذا الامتثال الفريد أن أبقي له وحيده ونفله إسحاق. قال تعالي: ﴿وبشَّرناه بإسحاق نبيا من الصالحين﴾ {الصافات:37\112}.

ي- وَالحجُّ بِجملتهِ من ملة إبراهيمَ -عليهِ السّلامُ-،   قال تعالي: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ {النحل:16\123}. إذْ أمرَه اللهُ تعالى باتباع ملة إبراهيم فالصلاة والنسك والحج كله من ملة إبراهيم :﴿وقالوا كونوا هودا أو نصاري تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ {البقرة:2\135}. ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ {النساء :4\125}.  ﴿قل إنني هداني ربي إلي صراط مستقيم دينا قِيَماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ {الأنعام:6\161}. فلما أكمل إبراهيم رفع قواعد البيت وأتم بناءه, أمره الله أن يعلن للناس وأن يدعوهم إلي زيارة البيت عبادة لله من كل فج عميق, فقال ربي كيف يسمعون وهذه صحراء قاحلة, فقال عليك النداء وعلينا البلاغ, قال تعالي: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾{الحجّ:22\27}

إذاً فَأيامُ الحجِّ هيَ استحضارٌ لسيرة أبي الأنبياءِ، خليلِ الرّحمنِ، إبراهيمَ -عليهِ السّلامُ- وكيف امتثل أمر ربه واحدا تلو الآخر, وكيف أخلص له وضحي بنفسه أولا, وبأهله ثانيا, وبابنه الوحيد ثالثا.

الخطبة الثّانية:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الْقَائِل فِي كِتَابِهِ الْعَزِيز : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:5\23]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أمّا بعد,

فعباد الله , من الجدير بالذِّكر في الْوَقْتِ الرَّاهِنِ, أمر فُقدان الأمن في نيجيريا , قَد صار أمراً عظيماً , خَاصَّة هُناك مَجْموعةٌ شيطانيّة قاتلة فِي ولاية لاجوس (Ikorodu,Imota, Agbowa, Ikosi, Ijede, Ofin) و في ولاية أوغن(Ogijo, Ipetero) المسّماة بـــبَدوأو Badoo , تدخل هذه المجموعة الشَّريرة بيتاً وتقتل جميع أهلِه بدون إلّا. رجالا ونساء , كِبَاراً وصِغاراً , وأطفالاً بدون ذنبٍ . وقد قيل أنّ المطلوب من قتلاهم الدّماء فتُدخَل في دمائهم منديل ويباع منديل واحد بخمسمائة نيرة أي نصف مليون .سبحان الله !!! جلّ جلاله !!! ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطفّفين :83\ 4-6]. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرّوم:30\41], ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:8\25] .

والحَلُّ : التّوبة النّصوح في المقام الأوّل , ثُمّ قيام الْحُكُومة والمواطنين بأدوارهم لمقاومة هذه المجموعة الهدّامة . وبالنِّسبة إلى الحكومة, عليها أن تبحث رجال الأمن إلى تلك الحارّات لحمايتها. وعلى المواطنين أن يساعدوا رجال الأمن بالأخبار , وإذا وجدوا عيوناً غريبة أن يقوموا ببحث دقيقٍ عنها … حفظنا الله جميعا ورعانا !

وثانيّا , أمر عجيب , فاتورة عفو عام للمُختلسين , الذين اختلسُوا أموالنا ظلماً بغير حقٍّ :

 AMNESTY BILL FOR THE LOOTERS .قدّم أحد أعضاء مجلس النّوّاب فاتورة عفو عام للغانمين النّيجيريين مادموا يستثمرون الأموال في نيجيريا. واسم الرّجل الذي قدّم هذه الفاتورة هو:

 LINUS OKORIE من ولاية أيبنيي Ebonyi إنّه من حزب PDP . وقلنا إنّ هذه الخطوة تمهيد الطّريق لتحليل الفساد الاقتصادي الاجتماعي ومشروعيّته للرّؤساء . ومثل هذا العفو العام حرام في دين الإسلام الحنيف ولا يجوز . ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النّساء:4\58].

الدّعاء:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان.

 اللّهمَّ كُنْ مَعَ حُجَّاجِ بيتِكَ الْمُحرّم فِي مَشَارقِ الأرْضِ وَمَغَارِبِها, اللهم أَرِهِمُ الْحقَّ حَقّاً وَارْزُقْهُمُ اتِّبَاعَهُ وَأَرِهِمُ الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْهُمُ اجْتِنَابَهُ, اللهُمَّ اجْعَلْ حَجَّهُمْ حَجّاً مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً, وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً وَرُدَّهُمْ بَعْدَ إِكْمَالِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِين, مَغْفُورِينَ لَهُمْ كَيَوْمِ وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ.

اللهم أرجع الحجاج إلي أهلهم سالمين مقبولين مغفورين,  اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

 

Leave a Reply