30th Shaw’wal 1442A.H
(11th June 2021 C.E)

سم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الخامسة لشهر شوال بتأريخ 30\10\1442هـ 11 \6\2021م
حول :حفظ السمع عن المحارم
الحمد الله السميع العليم، الغفور الرحيم الذي خلق الخلق ليعبدوه، وأظهر لهم آياته ليوحدوه، وأسبغ عليهم نعمه ليشكروه، وأرسل إليهم الرسل بالنور المبين مبشرين ومنذرين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا… أما بعد:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنفال: 20-23]
عباد الله: نعمة كبرى غفل عنها من يعيشها، وغابت عمن هو فيها، ولكن من فقدها عرفها، ومن ضعفت عنده شق عليه ضعفها، إنها حاسة السمع، بل والله نعمة السمع، بها يدرك الإنسان ما يقال حوله ويسمع، وبفقدها عن الناس ينقطع، ويغيب عنهم وهو حاضر بينهم ومعهم، "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل: 78) فالسمع طريق العلم، وهو أكبر مدخل إلى القلب، ومن يفقد السمع فهو أسوأ ممن يفقد البصر
ومن أجل أهمية السمع كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بالمعافاة في بدنه وسمعه وبصره عند نومه واستيقاظه، فعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، تُعِيدُهَا ثَلَاثًا، حِينَ تُصْبِحُ، وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي»، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ" (رواه أبو داود)، ومع كون المعافاة في البدن تتضمَّن المعافاة في السمع والبصر، إلا أن تخصيص السمع والبصر بالذكر بعد التعميم، يدل على الأهمية الزائدة لهاتين الحاستين.

لقد أمر الله عزوجل بالسماع فقال تعالى: "وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ" (المائدة: 108) وقال: "وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا" (التغابن: 14)، سماعاً يترتب عليه إدراك وفهم وقبول وإجابة لنداء الله ، وإخواننا المؤمنين من الجن لما سمعوا كلام الله تعالى، أدركوا معنى ذلك القول، فقال الله تعالى عنهم: ("ِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ" (سورة الجن: 1-2) فاتصل بسمعهم لكلام الله إيمان وإجابة، وكان قول المؤمنين لما تليت عليهم آيات رب العالمين أن قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فترتب على السماع طاعة الله، وكذلك يترتب على السمع الفهم لكلام الله سبحانه، وكلام رسوله
عباد الله: إن أهل الباطل يحاربون الحق بشتى الوسائل، حتى يجعلوه في أعين وأسماع الناس باطلًا، ولئن كان الأولون يحشون آذانهم قطناً حتى لا يسمعوا الحق، فإن بعض الآذان اليوم قد حشيت بوسائل اللهو والإلهاء والانشغال بالمحرمات عن سماع الحق وأهل الحق، والله تعالى وصف أهل النار بقوله: "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا" (الأعراف: 179) لماذا لا يسمعون؟ هل لأنهم ليست لديهم آذان؟ إن لهم آذانًا ولكن لا يسمعون بها الحقومن السماع الذي يصد عن الحق وعن ذكر الله سماع الشيطان، وهو الغناء، قال الله تعالى لإبليس: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" (الإسراء: 64)، قال ابن القيم رحمه الله: "وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه وتبرمهم به وصياحهم بالقارئ إذا طول عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأ، فلا تتحرك ولا تخشع
إن للغناء والمعازف أثراً عظيماً في النفوس، فهي تلهي عن سماع كلام الله، والتأثر به، وتهون على سامعيه الفحش في القول والعمل، قال الله: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين، وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأنَّ في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم" (لقمان: 6- 7 ) قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى (لهو الحديث): "والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء!!"، ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواماً يأتون في آخر الزمان يستحلون المعازف، فقال صلى الله عليه وسلم: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" (رواه البخاري)، قال ابن القيم: "والذي شاهدناه نحن وغيرنا، وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم، واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو، وبلوا بالقحط والجدب، وولاة السوء"، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف: 26]
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْء؛ وأَشْهَدُ ألا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيدا…أما بعد:
فاتَّقُوا الله عباد الله فيما تَسْمَعُوْنَ وما تُسْمِعُون، مما يَصْدُرُ منكم أو تحملونه عن غيركم بأيِّ وسيلةٍ من الوسائل، فإن حكم السماع بحسب المسموع: فإن كان المسموع يحبه الله، فقد يكون واجباً، أو مستحباً، وإن كان يبغضه الله فهو محرم، وإن كان مما سكتت عنه الشريعة فهو سماع مباح
ومن المسموعات المذمومة التي نهى الله عنها: ما ذم الله تعالى به نفراً في كتابه، فقال: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" (التوبة: 47) ومعنى سماعون لهم: أي: مستجيبون لهم، وبعض المسلمين اليوم يميلون آذانهم لأعداء الله تعالى؛ ليسمعوا منهم الباطل، ويسمعوا منهم ما يقال عن دعاة الإسلام، ويسمعوا منهم الشبهات التي تحاك وتدار حول الدين، إنهم يسمعون منهم الأوامر التي فيها هدم للدين، وتفريق لصف المسلمين، والله عز وجل نهى عن الركون إليهم، وعن الاستماع إليهم.
لقد وصف الله اليهود بقوله: "سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ" (التوبة: 42) أي: سَمَّاعون للقول الباطل والكذب، وقد أراد المنافقون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا عنه: (هو أذن)؛ أي: سَمَّاع لكل قول؛ من حلف له صدقه، ومن دسَّ عليه قولاً قبله، فأخذ الله كلامهم؛ ليجعل منه رداً عليهم فقال: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 61] نعم هو صلى الله عليه وسلم أذن الخير للناس يستمع إلى الوحي، ثم يبلغه لكم، وفيه خيركم وصلاحكم، هو أذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يرميكم بخداعكم، ولا يأخذكم بريائكم، يؤمن بالله فيصدق كل ما يخبره به، ويؤمن للمؤمنين، فيطمئن إليهم ويثق بهم؛ لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء؛ (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) [التوبة: 61] يأخذ بيدهم إلى الخير ويبعدهم عن الشر؛ (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 61].
الدّعاء:
اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجاً, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *