29th R/Awwal,1443AH
(5th November,2021CE)

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الرابعة لشهر ربيع الأول بتأريخ 29/3/1443ه – 5/11/2021م
حول: الرسول المهداة- وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله القائل: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" )الزمر: 30(. ثمّ الصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد القائل في حديثه الشّريف: يا أيّها النّاس أيّما أحد من النّاس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة الّتي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي"(ابن ماجه) أشهد ألا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ترك أمّته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها إلاّ هالك- وآله وصحبه والناسجين على منوالهم ما تعاقب الملوان.
أيها الإخوة الأعزاء- اتّقوا الله حقّ التّقوى- فإنّها خير ما يتزوّد به المرء في الدّنيا قبل الآخرة وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى فاتّقون يا أولي الألباب.
لا زال حديثنا عن خاتم النّبيين محمّد صلى الله عليه وسلم إلاّ أن حديثنا عنه في هذا الصّدد يعتبر أعظم مصيبة أصيبت أمّتنا الإسلاميّة حيث رزيت بوفاته ولحاقه برفيقه الأعلى.
موت النّبي صلى الله عليه وسلم:-
من أشراط السّاعة موت النّبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعدد ستا بين يدي الساعة موتي"( البخاري)
فقد كان موت النّبي من أعظم الرّزايا الّتي حلّ بالمسلمين؛ فقد أظلمت الدّنيا في عيون الصحابة رضي الله عنهم عندما مات عليه السلام.
قال أنس بن مالك: " لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله المدينةَ أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا"( الترمذي)
فبموته انقطع الوحى من السّماء كما في جواب أمّ أيمن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم عندما زاراها بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: "ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنّي أبكي أنّ الوحي قد انقطع من السّماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها".
مات الرسول كما يموت النّاس:-
إخوة الإيمان ! إنّ رسول الله محمّدا مات كما يموت النّاس لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدّنيا لأحد من خلقه بل هي دار ممرّ لا دار مقرّ، مصداقا لقوله تعالى: "وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ" (الانبياء34-35) وكان موته كما قال القرطبي: "أوّل أمردهم الإسلام… ثم بعده موت عمر فبموت النّبي انقطع الوحي وماتت النبوة وكان أول ظهور الشّر بارتداء العرب وغير ذلك. وكان أول انقطاع الخير وأوّل نقصانه"

معرفة النّبي باقتراب أجله:- لقد نُعيت الى الرّسول نفسُه في آيات عدّة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ" )الزمر: 30(.
وقوله تعالى:" إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (3) (سورة النصر:1-3)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أنزلت هذه السورة -إذا جاء نصر الله والفتح -في وسط أيّام التّشريق وعرف أنه المودّع".( سنن البيهقي)
وقال الله تعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً" ( المائدة:3) وقال ابن العربي:" وما من شيء في الدّنيا يكمل إلّا وجاءه النقصان ليكون الكمال الّذي يراد به وجه الله" (العواصم من القواصم : ص/59)
وقد أشعر النّبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله الى جوار ربّه. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم؛ أمرهم أن يرموا بمثل حصى الحذف وقال:" لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا"(الترمذي)
تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الموت والخلود: فقد ورد في أحاديث كثيرة حيث كان النّبي صلى الله عليه وسلم بأنّ ربّه خيّره بين الخلد في الدّنيا واللّقاء برفيقه الأعلى, فاختار هو ما عند الله.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النّاس وقال: "إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله… قال فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيِّر، فكان رسول الله هو المخيَّر وكان أبو بكر أعلمنا"( متفق عليه)

مرض النبي صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه: بدا المرض بالنّبي في مطلع شهر ربيع الأوّل وقد نقل إلينا بعض أخباره وأحواله صلّى الله عليه وسلم في مرضه. من أحواله صلى الله عليه وسلم قبل اشتداد المرض، قالت أمّنا عائشة (رضي الله عنها): "لمّا ثقل النّبي واشتدّ به وجعه إستأذن أزواجه في أن يمرِّض في بيتي فأذن له، فخرج النّبي بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرته عبد الله بن عباس، فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: هو على بن أبي طالب- رضي الله عنه.
وعن هشام عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: "أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ حرصا على بيت عائشة، قالت عائشة: "فلمّا كان يومي سكن". (البخاري)
قالت عائشة: "ما رأيت رجلا أشدّ عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال عبد الله بن مسعود: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يوعك وعكا شديدا! فقال رسول الله: "أجل إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم" فقلت: "ذلك أن لك أجريت؟ فقال رسول الله: "أجل" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"( متفق عليه )
مدّة مرضه صلى الله عليه وسلم: قال ابن حجر: اختلف أيضا في مدة مرضه عليه السلام. فالأكثر على أنّها ثلاثة عشر يوما. وقيل: بزيادة يوم. وقيل: ينقصه. وقيل: عشرة أيام. وبه جزم سليمان التميمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي باسناد صحيح" (فتح الباري:7/746)
وصاياه صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته: لا ريب أنّ أقوال النّبي صلى الله عليه وسلم جميعا موضع للعبرة والعظّة لكنّه صلى الله عليه وسلم، اختصّ أمّته ببعض النّصح وهو في مرض موته، وهو مقبل على الآخرة مدبر عن الدّنيا، فما هي آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم ؟ فعن عائشة عن النّبي أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبياىهم مسجدا. قالت: "ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجدا"( متفق عليه)
ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم في مرضه- فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم- الستارة والنّاس صفوف خلف أبي بكر فقال: أيّها النّاس، إنّه لم يبق من مبشرات النّبوة إلاّ الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألآ وإنّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا،ً فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّب عزّ وجلّ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء فضمن أن يستجاب لكم"( البخاري)
وعن أم سلمة أنّ رسول الله كان يقول في مرضه الذي توفّي فيه: "الصّلاة وما ملكت أيمانكم فمازال يقولها حتّى ما يفيض بها لسانه"( ابن ماجه) وغيرها من الوصايا. وصلّى الله عليه وعلى آله وصبه "إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"

الخطبة الثّانية
الحمد لله ربّ العالمين المتفرّد بالبقاء وقد حكم على كلّ ما سواه بالفناء فقال :"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ …" (الرّحمان:26) لا معقّب لحكمه كما لا رادّ لقضائه. أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله اختار لقاء ربّه على الحياة بدار الفناء،بعد أن أدّى أكمل الأداء،فصلوات ربّي وسلامه عليه وعلىآله وصحبه والتّابعين بإحسان إلى يوم الدّين وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد ؛
فما من حادثة إجابيّة كانت أو سلبيّة إلاّ ولنا فيها عبرة نتّعظ منها وما أصيت الأمة الإسلاميّة بمصيبة أفعى من كارثة وفاة نبيّها المهداة رحمة للعالمين، ولو كان بمجيئه أكمل الدّين ورُضي للبشريّة الإسلامُ دينا حتّى إن ابتغي غيرُه دينًا فلان يقبل، أيًّا كان من ابتغى.
ولقد كان موت رسول الله (صلى عليه وسلّم) حدثًا أذهل العقول،وفزع القلوب،وروّع الأنفس، وبدا النّاس في شأنه حيارى حتّى كأنّه شيء لا يمكن أن يكون .إذا ! فما العبر و العظات من وفاة الرّسول (صلى الله عليه وسلم) ؟
1. خير الأعمال خواتيمها : وكان كلّ ما زاولتها من الأعمال والعبادات كانت بالزيادة مضاعفة حال قربه من ارتقائه إلى الرّفيق الأعلى. فمن ذلك اعتكافه بالضعف في العام توفّي فيه وكذلك إكثاره بقول "سبحانك اللهمّ وبحمدك،أستغفرك وأتوب إليك" وخاصة سرعان ما نعيت بوفاته بنزول سورة النّصر.
2..إعلانًا لدنوّ أجل الدّنيا برمّتها لقوله (صلّى) : "أنّا والسّاعة كهاتين …" (أشاربسبابته والوسطى) بشارة للتّزوّد بالخير.
3.إثبات بشريّة النّبيّ كإخوته من الأنبياء والمرسلين : قال تعالى : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ …." (آل عمران : 144)
4. امتحن الله الأمّة وحقيقة ثباتها واستقامة أهلها بوفاته (صلى) لقوله تعالى عنه : " …أَفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ " (آل عمران: 144)
5. أهميّة الصّلاة ومكانتها وعظم شأنها في الإسلام : كان على رأس وصاياه عند الوفاة متكرًّا بها ؛ الصّلاة . قال علي (رضي اللبه عنه ) : " كان آخر كلام رسول الله (صلى) : "الصّلاة الصّلاة ،اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم " (حديث صحيح رواه أحمد)
فممّا يجدر بالذّكر اليوم هو حادثة انهيار مبنى مكوّن من واحد وعشرين طابقًا في ولاية لاغوس حيث فقد عديد من الأرواح وأصيب جمّ غفور آخر نسأل الله تعالى أن يسلّنا من مصيبتنا وخاصة الأهل وأقرباء الموتى وأن يشفي الجرحى في أقرب وقت ممكن. فعلى أولات الأمور من الحكومة وكلّ من يهمّهم من وكلات ترسيخ ومراقبة المباني أن يحتفظوا بالمسئوليّة عند إعطاء الموافقة والإشراف المناسب على الأعمال المعتمدة كلّ وقت وحين. نسأل الله تعالى العفو والمعافاة من زالاتنا ولا يؤاخذنا بفعل السفهاء منّا.

الدّعاء: اللّهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرتاح الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملابسات علينا فنضل ونشقى
اللّهمّ آمنّا في أوطاننا واحفظ اخواننا المجاهدين في كلّ بقعة ومن معهم ولا تكن عليهم وفرج المعتقلين منهم برحمتك يا ارحم الراحمين. اللّهمّ اغفر لوالدي بالرّحمه ومشايخها وسائر المسلمين الأحياء منهم والأموات إنّك مجيب الدّعوات وبالإجابة جدير والقادر عليه وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى أهله وصحبه أجمعين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *