3rd Safar,1443 AH

(10th September,2021CE

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخُطْبَةَ الأُولَى لِشَهْرِ صَفَرِ بتأريخ: 3/2/1443هــ-10/9/2021م

حول: دَوْر الضّوابط الأخلاقية في تحقيق الأمْنِ الغِذَائي فِي الإسلام

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين, الّذي خَلَقَ بَنِي آدَمَ وَرَزَقَهُمْ مِنَ النِّعَمِ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ وَالأشربَةِ الْحَلالِ, الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء:17/70], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنشْكُرُهُ وَنُؤمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ, وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيَّئَاتِ أَعْمَالِنَا, إِنّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يًضْلِلْ فَلَا هَادِيَ اللهُ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, سبحانه وتعالى عما يشركون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين المأمون صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق و به كانوا يعدلون وسلًّم تسليمًا كثيراً.

أما بعد,

فَيَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, سِرّاً وَعَلانِيَةً, فَإِنَّهَا الْغَايَةُ الْمَنْشُودَة مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ والطّاعَاتِ الْمَشْرُوعَة طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة :2\21] .

إِخْوَةَ الإِيمانِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأوّلُ في شهر ضَفَر, ثَانِي الشُّهُور الْقَمَرِيّةِ الْهِجْرِيّةِ الإسلاميّة ونحن لا نزال عَلَى مَوْضُوعِنَا الأَمْنِي بدءاً بمَفْهُوم نعمة الأمن وفضله, ثُمَّ ضَوابِطِ الأَمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ ثُمَّ أثر الإيمان باللهِ تعالى في تحقيق الأمن النّفسي في المجتمع. والْيَوْمَ إِنْ شَآءَ اللهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ يَدُورُ مَوْضُوعُنَا حَوْلَ : دور الضّوابط الأخلاقية في تحقيق الأمْنِ الغِذَائي فِي الإسلام:

أيُّهَا الْمُسْلِمُون الْكِرامُ, إِنَّ اهْتِمَامَ الإسْلامِ بِتَوْفِيرِ الْغِذَاءِ لِلإِنْسَانِ وَسُبُلِ اِنْتَاجِهِ وَاضِحٌ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّة نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ, وَهُوَ الَّذِي مَا سَنُحَاوِلُ بَيَانَهُ مِنْ خِلالِ التَّدْلِيلِ بِالْآيَاتِ الْقُرآنِيّة وَالآحَاديثِ الشَّرِيفَة وَفِي الأخِيرِ الْقِيَامُ بِإِعْطَاءِ نَمُوذَجِ قُرْآنِي لِتَحْقِيقِ الْأَمْنِ الْغِذَائِي مِنْ خِلالِ خُطَةِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي ذَلِكَ.

الأَمْنُ الْغِذَائِي مِنْ خِلالِ الْقُرآنِ الْكَرِيمِ:

إخْوَةَ الإِسْلامِ, إِنَّ الْمَقْصُودَ بالأمنِ الْغِذَائِي من الوجهة الشَّرْعِيّة هُوَ : "ضَمَانُ اسْتِمْرَارِ تدفق الْمُسْتَوى الْمُعْتَاد مِنَ الْغِذَاءِ الْحَلَالِ اللّازِمِ لاسْتِهْلاكِ الْمُجْتَمَعِ فِي أَيِّ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ". فَإِذَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ الإِسلامِي مُتَمَتِّعاً بِحَالَةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ الاقْتِصَادِي , فَإِنَّ الْمُسْتَوَى قَدْ يَرْتَفِعُ إِلَى حَدِّ الْكَمَالِيَاتِ , وَلَا بَأسَ مِنْ هَذَا طَالَمَا وَضَعْنَا شَرْطَ الْحَلَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعْرَاف:7/32].

الْأَمْنُ الْغِذَائِي مِنْ خِلالِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:

عِبَادَ اللهِ, لِبَيَانِ مَدَى اهْتِمَامِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالأمْنِ الْغِذَائِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الزِّرَاعَةِ وَعَنَاصِرِ اِنتَاجِ الْغِذَاء سَنَذْكُرُ بَعْضَ الآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ:

عَلاقَةُ الأَمْنِ الْغِذَائِي بِالأمْنِ الاجْتِمَاعِي وَالسِّيَاسِي:

قولُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة:2/126].

إخوة الإيمان, إِنَّ إِبْراهِيمَ دَعَا لِذُرِّيّاتِهِ وَغَيْرِهِمْ بِالأَمْنِ وَرَغْدِ الْعَيْشِ , حَيْثُ كَانَتْ مَكَّةُ وَمَا يَلِيهَا حِينَ ذَلِكَ تُعَانِي فَقْرًا لَا مَاءً وَلَا نَبَاتًا, فَبَارَكَ اللهُ فِيمَا حَولَهَا, وَأَنْبَتَ فِيهَا أَنْوَاعَ الثَّمَرَاتِ.

علاقَةُ الْغِذَاءِ بِالإِيمانِ باللهِ وَطَاعَتِهِ:

أيّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكَريمُ , فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَئاياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثِية: 13]. فالآية الكريمة تُبيّن ما سخّر من الكواكب والجبال والبحار والأنهار وجميع ما تنتفعون به, مِنْ فضله وإحسانه وامتنانِهِ أي من عنده وحده لا شريك له في ذلك. (ابن كثير: تفسير القرآن الكريم).

وقولُهُ تَعَالَى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنَهَاراً) [نوح:
10-12].

الأمنُ الْغِذائِي مِنْ خِلالِ السُّنَّةِ النَّبَوِيّة:

عِبَادَ اللهِ, نَجِدُ فِي السُّنّةِ الشّريفة وأحاديث تدعوا إلى عمارة الأرض واستثمار مواردها لتحقيق الأمن الغذائي, فمن أبواب الْخير أنّ رجلاً سأل رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم : "أيّ الإِسلام خيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ, وتقرأ السّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" [أخرجه مسلم :صحيح
مسلم]. ففي الحديث حثُّ على إطعام الطّعام والجود والإعتناء بنفع المسلمين, وبذل السّلام لمن عرفت ولمن لم تعرف وإخلاص العمل فيه لله تعالى. [أخرجه أبو داود: سنن
أبي داود].

ومن سننه صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يستعيذ من الجوع فعن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيع, وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَ الْبِطَانَة" [ابن عياض: إكمال المعلم بفوائد مسلم].

وعن عائشة رضي الله عنها, أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايا الأَرْضِ" [الطبراني: المعجم الأوسط] .

وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "خَيْرُ الصَّدَقَة مَا كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَى , والْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى, وَلِيَبْدَأْ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ". تَقُولُ امْرَأَتُهُ : أَنْفِقْ عَلَيَّ, وَتَقُولُ أُمُّ وَلَدِهِ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي , وَيَقُولُ لَهُ عَبْدُهُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي" [صحيح ابن حبان].

أيها المسلمون الكرام, من أجل ضيق المقام سنذكر الضوابط الأخلاقية لتحقيق الأمن الغذائي في الإسلام بدون الإطالةِ الْمُمِلَّة. وهي:

أ.ضابط الحلال والحرام: فقال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخبَائِثَ) [الأعراف:7/157].

ب.ضابط الإعتدال وترشيد الاستهلاك: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "اِبْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ, فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ, فَإِن فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا" يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ" [أخرجه مسلم :صحيح مسلم]

ج.ضابط تحريم الإسراف والترف: قال تعالى: (يا بَنِي ءادَمَ خُذُوا زِينتَكُم عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكًلُوا واشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنّهُ لا يُحِبُّوا الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف:7/31].

د.ضابط تحريم التقتير: قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الّذِين يبْخَلُون بِمَآ ءِاتَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وللهِ مِيرَاثُ السّمَاواتِ وَالأرْضِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [آل
عمران:3/180].

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم.

الْخُطْبَةُ الثّانية:

الْحمدُ للهِ رَبِّ العالمين , القائل في مُحكَم تنزيله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النّساء:4/29], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكَّلُ عليه, ونصلِّي ونسلّم على خير خلق الله, سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أمّا بعد,

فيا عبادَ اللهِ, من الجدير بالذّكر أن اليوم , 10/سبتمبر/2021م تحتفل الأمم المتحّدة باليوم العالمي لمنع الانتحار كعادتها السنوية:

WORLD SUICIDE PREVENTION DAY

فلا بد من أن نبيّن للنّاس موقف الإسلام من هذه الفعلة القبيحة. الانتحار في الإسلام هو: قتل الشخص نفسه عمداً، ويعد جريمة ومعصية يأثم فاعله، وهو حرام اتفاقًا، بأدلة من المنقول والمعقول، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فالنفس ملك لله، والحياة وهبها الله للإنسان، فليس له أن يستعجل الموت بإزهاق الروح؛ لأن ذلك تدخل فيما لا يملك، حفظ النفس أحد الكليات الخمس في الشرع الإسلامي، وتؤكد تعاليم الدين الإسلامي على أن الإنسان في هذه الحياة في مرحلة عابرة، وأن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية التي يجازى فيها الإنسان يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأن هذه الحياة فترة اختبار أي: دار امتحان وابتلاء، وعلى هذا الأساس فإن الإسلام يحثُّ على الصبر على طاعة الله وفي مواجهة الحياة وما يعرض للإنسان من متاعب بروح الإيمان بالله واليوم الآخر، والتسليم لأمر الله وقدره، وعدم الجزع، ولا اليأس من رحمة الله، وأن الله يجازي العباد في الدار الآخرة. وفي الحديث: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا"»

الدّعاء:

اللهم آمنا في وطننا، واجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا، وفق رئيسنا محمّد بخاري ونائبه ووزرائه وفقهم لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم كن للمستضعفين ناصرا ومؤيدا، اللهم انصرهم في فلسطين وأفغانستان وفي بلاد الشام وفي اليمن وفي كل مكان.. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، ومن احتلال الغاصبين. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *