2nd Shaw’wal,1442 A.H
(14th May 2021 C.E)

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى لشهر شوال. 2/10/1442 الموافق 14/05/2021
حول: ماذا بعد رمضان ؟
الحمدُ لله الذي جعلَ في السَّماءِ بُروجًا، وجَعَل فيها سِراجًا وقَمرًا مُنيرًا، وهو الذي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أو أَرادَ شُكورًا، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جعلَ لكلِّ أجَلٍ كتابًا، ولكلِّ عملٍ حسابًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله الله شاهِدًا ومُبشِّرًا ونَذِيرًا، وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمَّة، وجاهَد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ :
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله – جلَّ وعلا – فهي النجاة غدًا، والمنجاة أبدًا؛ ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (الزمر: 61)
إنَّ شهر رمضان قد قوَّض خيامه وفك أطنابَه، وقد أودعناه ما شاء الله أن نُودِع من الأعمال والأفعال والأقوال، حسنِها وسيئها، صالِحها وطالِحها، والأيامُ خزائنُ حافظةٌ لأعمالكم، تُدعَون بها يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30]، يُنادي ربكم: ((يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمدِ الله، ومَن وجد غيرَ ذلك، فلا يلومنَّ إلاَّ نفسَه))؛ رواه مسلم

ففي الأيّام القليلة الماضية كنّا في شهر رمضان؛ شهر البركات والخيرات، ومضاعفة الأعمال والحسنات؛ نصوم نهاره، ونقوم ليله، ونتقرّب إلى الله سبحانه بفعل الطّاعات، وهجر المباح من الشّهوات، وترك المعاصي والسيّئات؛ ثمّ مضت تلك الأيام الغرر، وبدأنا نجد في نفوسنا شيئا من الفتور والملل، والتّكاسل عن طاعة الله عزّ وجلّ، وبعض النّاس-هداه الله- ربما عاد إلى ما كان عليه من التّقصير والزّلل.

وهذه مشكلةٌ يعاني منها كثيرٌ منّا إن لم يكن جميعنا، والحال أنّه ينبغي على من تخرّج من مدرسة رمضان أن يتخرّج بالتّقوى؛ الّتي لأجلها شرع الصّيام؛ والّتي حقيقتها ألّا يجدك الله حيث نهاك، وألّا يفقدك حيث أمرك، وهذا يقتضي ممّن حفظ جوارحه في رمضان من الذّنوب والآثام، ومن اللّغو والرّفث وفضول الكلام؛ أن يحفظ تلك الجوارح من ذلك في سائر شهور العام، كما يقتضي ممّن تعوّد في رمضان على الصّيام والقيام؛ أن يداوم عليهما في غيره من اللّيالي والأيّام؛ وذلك لأنّ ربّ الشّهور واحد، وهو على أعمالنا مطّلع وشاهد، وهذه الشّهور وتلك الأيّام؛ هي مواقيتُ للأعمال، ومقادير للآجال، وهي تمضي جميعاً، وتنقضي سريعاً، والّذي أوجدها وابتدعها، وخصّها بالفضائل وأودعها؛ باق لا يزول، ودائم لا يحول، وهو يدعونا إلى عبادته صباح مساء؛ فلنكن من عباده الطّائعين الأتقياء، لا من العصاة الأشقياء؛ فإنّ طاعة الله سبحانه وترك معصيته واجبةٌ على الدّوام؛ حتّى نلقى ربّنا بسلام؛ كما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم:31].
وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99]، واليقين الموت ؛ كما قال سالم بن عبد الله رضي الله عنهما -فيما علّقه البخاريُّ، ووصله عبدُ بن حميد والفريابيُّ-، وروى أحمد في (الزّهد) عن الحسن البصريّ رحمه الله قال: " أيْ قوم! المداومة، والله ما المؤمن الذي يعمل شهراً أو شهرين، أو عاماً أو عامين؛ لاَ والله! ما جعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت ".

وإنّ من أعظم ما يثبّت الإنسان على طاعة الله تعالى بعد رمضان؛ أن يعلم بأنّ المؤمن لا تمضي عليه ساعة من السّاعات؛ إلا ولله عليه فيها وظيفة من وظائف الطّاعات، وقد شرع له في سائر الأيام من الطّاعات ما يجعله موصولاً بربّه قريباً منه في جميع الأوقات؛ فما عليك يا رعاك الله! إلا أن تأخذ نفسك بما كانت عليه في رمضان؛ من عمارة المساجد بالمحافظة على الصلوات، وشهود الجمع والجماعات؛ حتّى تفوز بما وعدك الله به في محكم الآيات: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون:9-11].

ولا تنقطعوا عمّا كنت عليه من بذل المعروف والصّدقات، وذكر الله تعالى في سائر اللّحظات؛ فإنّ الله تعالى قد وعد المتصدّقين والمتصدّقات، والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات؛ مغفرة منه، وأجراً عظيماً.

وداوموا على قراءة القرآن مع تدبّره والعمل به ؛ فقد علمت أنّه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة، وقائدا لهم إلى دار الكرامة، وليكن لك في كلّ شهر -على الأقلّ- ختمة؛ كما قال صلّى الله عليه وسلّم -فيما رواه البخاريّ- لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ)
والزموا قيام اللّيل ؛ فإنّه دأب الصّالحين ، وفيه مرضاة لربّ العالمين، وفي ثوابه يقول أحكم الحاكمين: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].

واجتنبوا الاغترار بما حصل من الطاعات، بعض الناس اجتهدوا فعلاً صاموا، وحفظوا جوارحهم، وختموا القرآن، وبعضهم أكثر من مرة، وعملوا عمرة في رمضان، وصلوا التراويح، صلوا قيام رمضان كله من أوله إلى آخره لم يخرموا منه يوماً أو ليلة، وفعلوا ما فعلوا من الصدقات، وقدموا ما قدموا، وجلسوا في المساجد من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس، وبعد الصلاة يقرؤون القرآن، وقبل الصلاة ينتظرون الصلاة، حصلت عبادات كثيرة، لكن إذا كانت النفس سيئة، إذا كان الطبع متعفناً فإن كثرة العبادة لا تنفع بل إن الشيطان يوسوس ويقول: لقد فعلت أشياء كثيرة وطاعات عظيمة، خرجت من رمضان بحسنات أمثال الجبال فرصيدك في غاية الارتفاع، صحائف حسناتك مملوءة وكثيرة فلا عليك بعد ذلك ما عملت، ويصاب بالغرور وبالعجب.
فإن النبي صلي الله عليه وسلم، قال في الحديث الحسن: لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة " ولذلك فإن الناس لا يدخلون الجنة بأعمالهم، وإنما يدخلونها برحمة الله تعالى، ليست الأعمال ثمناً للجنة لكنها سبب لدخول الجنة، لكنها سبب، لا ندخل الجنة إلا بالأعمال الصالحة، الذي لم يعمل صالحاً لا يدخل الجنة فهي سبب لكنها ليست الثمن، فبدون رحمة الله الأعمال لا تؤهل لدخول الجنة بل ولا تسديد نعمة ولا تسديد حق نعمة واحدة من النعم.

أقول هذا وأستغفر الله لي لكم

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله وصحابته أجمعين
عباد الله اتبعوا صيام رمضان بصيام ستّة أيّام من شوّال؛ يكن ذلك كصيام السنّة كلّها بلا إشكال؛ فقد روى مسلم في (صحيحه) عن أبي أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)، وروى الإمام أحمد في(مسنده)، والنّسائيُّ في (سننه الكبرى)-واللفظ له- عن ثوبان رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ؛ فَذَلِكَ صِيَامِ السَّنَةِ)
واعلموا بأنّ صيام هذه الأيّام؛ من جملة الشّكر لله على التّوفيق لإكمال شهر الصّيام؛ ولهذا كان بعض السّلف إذا وُفّق لقيام ليلة من اللّيالي؛ أصبح في نهارها صائماً شكراً للباري. وهو علامة من علامات قبول صوم رمضان؛ لأنّ الله تعالى إذا تقبّل عمل عبده؛ وفّقه لعملٍ صالح بعده؛ ولهذا قال بعض السّلف: "إنّ من ثوابِ الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإنّ من ثوابِ السيّئةِ السيّئةَ بعدها"؛ فما أحسن الحسنةَ بعد الحسنةِ تتلوها، وما أقبح السيّئةَ بعد الحسنة تمحقها وتعفوها. كما أنّ صيام هذه الأيّام بالنّسبة لرمضان؛ كالسّنن الرّواتب بالنسبة للصّلوات؛ يستكمل بها ما وقع فيها من نقصان، وأكثر النّاس لا يخلو صومه من نقص أو خلل؛ فيحتاج إلى ما يجبره من صالح العمل.

وهكذا؛ فإنّ عمل المؤمن متّصلٌ بعد رمضان؛ لأنّه مأمورٌ بطاعة ربّه في كلِّ آن؛ بما شرع له الرّحمن من خصال البرّ والإحسان، وبما نهاه عنه وحذّره منه من موجبات الخزي والحرمان؛ من الفسق والفجور والعصيان؛ الموجبات لدخول النيران، والحرمان من سكنى الجنان.
فاتّقوا الله يا عباد الله! ، وداوموا على صالح العمل حتّى يحضركم الأجل ؛ وليكن لسان حالكم كما قال ذاك الرّجل الصّالح من سلفك: "صم الدّنيا، واجعل فطرك الموت". وذلك لأنّ الدّنيا شهر صيام المتّقين؛ يصومون فيها عن الشّهوات والمحرّمات، ويكفّون جوارحهم عن المعاصي والسّيّئات؛ فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهلوا عيد فطرهم.

عباد الله, من الأسف الشّديد في الوقت الرّاهن، اعتداءات الاحتلال على المصلين في الأقصى بآخر جمعة من رمضان 25/9/1442هــــ (7/5/2021م).
القدس في اعتقاد المسلمين: أيّها المسلمون الكرام, القدس في الاعتقاد الإسلامي، لها مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها، ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس، والغيرة عليها، والذود عن حماها وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها، ورد المعتدين عليها. وهي تمثل في حس المسلمين ووعيهم الإسلامي: القبلة الأولى، وأرض الإسراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد
وعَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌أَفْتِنَا ‌فِي ‌بَيْتِ ‌الْمَقْدِسِ قَالَ: «هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْتِيَهُ فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيْهِ زَيْتًا كَانَ كَمَنْ قَدْ أَتَاهُ» (مسند أبي يعلي- ‌‌[حكم حسين سليم أسد] : إسناده صحيح)

اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، كما مننت علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان.. وكما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان. آمين
فاللّهمّ تقبّل منّا صيام رمضان، وثبّت قلوبنا على طاعتك في سائر شهور العام، واختم لنا بالباقيات الصّالحات؛ يا ذا الجلال والإكرام…آمين.
وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وصحبه أجمعين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *