حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ

Download here

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى لشهر جمادى الثانية ٦\٦\١٤٤١هــ (٣١\١\٢٠٢٠مـــــ)

حول: حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ؛ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله و صحبه أجمعين.
أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله تعالى وراقبوه – عز وجل – واعملوا بطاعته وتجنبوا معصيته فإن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة.

 عباد الله : إن هذه الحياة الدنيا مَيدان للجهاد ، والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمـَعَ المـُحْسِنِين) العنكبوت\٦٩
والجهاد عباد الله في هذه الحياة في مجالين عظيمين وبابين كبيرين ألا وهما : ملازمة الطاعات والمحافظة عليها، وتجنب المعاصي والبعد عنها. ومن أكرمه الله عز وجل بتحقيق هذا الجهاد؛ فاز يوم القيامة فوزاً عظيماً، وعن هذا الفوز العظيم يقول الله تعالى: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النـَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنـَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحْيَـَاةُ الدُّنْيـَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُور) آل عمران\١٨٥ نعم عباد الله !! يفوز يوم القيامة بالزحزحة عن النار وبدخول الجنة دار الأبرار.

ولتعلموا- عباد الله- أن الجنة لها أمور حفت بها وحُجِبت ، والنار كذلك لها أمور حفت بها وحجبت، ولابد في هذه الحياة من مجاهدة للنفس على السلامة مما حفت به النار والوقاية منه؛ لئلا يقع فيه العبد فيدخل النار، وكذلك على الإقبال على ما حُفت به الجنة وحُجبت به ليفوز بدخولها. والسؤال هو: بما حجبت الجنة والنار؟ الجواب فيما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)) ، ورواه البخاري وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه جاء بلفظ: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ، وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ).

والمكاره – عباد الله – التي حجبت بها الجنة : هي طاعات الله وفرائضه التي أمر الله بها عباده وإن شقت على النفوس ووقع في القلوب شيء من الكراهية لها. والشهوات التي حجبت بها النار: عموم المعاصي؛ وإن مالت إليها القلوب وتاقت إلى فعلها.
أيها المؤمنون: ومما يوضح هذا الحديث ويزيده بيانا ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ : انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا ؛ قَالَ : فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا ؛ قَالَ : فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ ؛ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِىَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لاَ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ : اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا؛ فَإِذَا هِىَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا – أي من شدة أهوالها وعظم نكالها وعذابها -. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا)

عباد الله إن العاقل إذا تأمل في هذا الأمر وأدرك هذه الحقيقة أحسن في إقباله على ربه، وأحسن في مجاهدته لنفسه؛ فإن الطاعة -أيها المؤمنون- والعبادة والبعد عن المعاصي والذنوب قد تكون في أول وهلة مرارة ، ولكنها مرارة قليلة تعقبها حلاوة دائمة غير منقطعة، فإن مرارة الدنيا قصيرة وحلاوة الآخرة دائمة غير منقطعة؛ ولأن يصبر العبد على مرارة في الدنيا منقطعة فينال حلاوة الآخرة غير المنقطعة خير له من أن ينشغل في هذه الحياة بحلاوة زائفة ولذة فانية تعقبها حسرة دائمة ومرارة باقية.

عباد الله : نحن بحاجة في هذا المقام إلى نوعين من الصبر : صبر على الطاعات ، وصبر عن المعاصي. يحتاج إلى صبر على طاعة الله عز وجل ، ويحافظ على الطاعة التي لا غنى له عن ثوابها ، ويتجنب المعصية التي لا صبر له يوم القيامة على عقابها ، وإن من الغُبْن العظيم والخسران الكبير ألا يصبر الإنسان على الطاعة في هذه الحياة وأن يقتحم المعصية ثم يبوء يوم القيامة بحسرات دائمة وندم لا يفيد.

عباد الله : ليعلم كلٌّ منا أن الجنة قريبة من أهلها وأن النار مثل ذلك ، فليس بين صاحب الجنة والجنة إلا أن يموت ، وليس بين صاحب النار والنار إلا أن يموت، وعجبا لمن يحتمي من الأطعمة النافعة خوف مضرتها ؛ كيف لا يحتمي من الذنوب والمعاصي خوف معرتها يوم يلقى ربه عز وجل يوم القيامة !!
عباد الله : في الدعاء المأثور عن نبينا عليه الصلاة والسلام 🙁اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ). فعلينا أن نكثر من التضرع إلى الله به وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله عظيم الإحسان ، واسع الفضل والجود والامتنان ، وأشهد ن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد-عباد الله- فإن وطننا نيجيريا يعاني حاليا انتشارا مخيفا لمرض قاتل يدعى حمى “لاسا”، وقد توفي ما لا يقل عن 41 شخصًا منذ تفشيه في هذا الشهر، وفقًا لما أعلنه المركز النيجيري لمكافحة الأمراض. وقال المركز أنه خلال الأسبوع الماضي زاد انتشار المرض من 9 إلى 19 ولاية في نيجيريا، بينما تم تأكيد إصابة 258 حالة خلال الشهر، بما في ذلك 7 من عمال الصحة، علما بأن حمى “لاسا” شديدة العدوى. ويحدث انتقالها عن طريق إفراز القوارض، أو عن طريق الاتصال المباشر بالدم، أو البول أو البراز أو سوائل الجسم الأخرى لشخص مريض. واعلموا أن حمى “لاسا” ليس مرضا جديدا، ولكن انتشاره في هذه المرة غير مسبوق وسريع جدا وبشكل غير متوقع، حتى أن العديد من العاملين بالقطاع الصحي أصيبوا بالمرض. فلهذا يلزمنا-عباد الله- اتخاذ الاجراءات الوقائية تحمينا من هذا الوباء تطبيقا لإرشادات ديننا في التزام تدابير وقائية تجاه جميع الأمراض وخصوصا المعدية منها.

ومما يلزمنا من هذه الاجراءات سد الشقوق في جدران المنازل لعدم السماح للفئران بالدخول، والتخلص من القمامة في حاويات مخصصة، والعمل على تخزين الأطعمة والمياه بإحكام.

ويتوجب على الناس ارتداء قفازات واقية عند رعاية أي شخص قد يكون مصاباً بحمى “لاسا”، كما يجب اتباع إجراءات دفن الموتى بطريقة آمنة.

ثم علينا أن نتسلح بالدعاء إلى الله متوكلين عليه تعالى فهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين. ومما يؤثر من أدعية وأذكار تقال من أجل الوقاية من الضرر والشرور والإصابة بالأمراض والأوبئة المختلفة ما تلي:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ)الترمذي

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَال : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)مسلم

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ)أحمد والنسائي
هذا، وصَلُّوا وسلِّموا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:56] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)) ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدين واحم حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

Leave a Reply

Open chat
Chat
Powered by