2nd J/Thanni 1442 AH(15th January 2021CE)

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى لشهر جمادى الآخرة: 2/6/1442ه (15/يناير/2021م)

صلاح الأولاد؛ أسباب وفوائد

الحمد لله ربّ العالمين القائل في محكم تنزيله : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم:6) الّذي جعل صلاح الأولاد قرّة عين للوالدين بالحياة وبعد الممات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وما له من الأسماء والصفات، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله حثّ على تربية الأولاد على الصلاة، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب والكرامات، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيّها النّاس اتّقوا الله تعالى واعلوا أنّ الأولاد مسؤوليّة ثقيلة في أعناق والديهم،و كان الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يدعون الله بصلاح الذريّة قبل حصولها؛ قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: "رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ" (الصافات:100)، وقال زكريا عليه السلام: "رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ" (آل عمران:38)، فالأولاد يحصلون بين الزوجين، ومن أعظم مقاصد الزواج إنجاب الذرية الصالحة، ولذلك عند الخِطبة يجب على الزوج أن يختار الزوجة الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: "…فاظفر بذات الدين تربت يداك" ، وقال عليه الصلاة والسلام: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ – وفي رواية – وَخُلْقَهُ فَزَوِّجْوهُ، إِلَّا تـَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةً فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ" . فالخاطب لا ينظر إلى منصب المرأة ونسبها فقط، ولا ينظر إلى جمالها، ولا ينظر إلى مالها، وإنما ينظر إلى صلاحها ودينها، لأنّ الركيزة للذّرية الصّالحة، وهي الحرث للزوج، يضع فيها ذريّته، تكون منبِتاً صالحاً ولا تكون منبِتاً سيئاً عند تأسيس الأسرة التي هي الأصل الأصيل لصلاح المجتمع والأمة،ولهذا يدور خطبتنا اليوم حول :

صلاح الأولاد؛ أسباب وفوائد:

عباد الله المستمعون الكرام !فإن فطرة الله التي فطر النّاس عليها هي الصلاحة من أصل الإنسان منذ أن يولد إلى أن يجعلانه الوالدان ما يكون في حياته " كُلُّ مَوْلَودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمُجّسَانِهِ". فالوالدان، إذا كانا خبيثين فاسدين فإنّهما يغيّران فطرة المولود التي هي دين الإسلام إلى الأديان المنحرفة، أما إذا كانا صالحين فإنهما ينمَّيان هذه الفطرة ويحافظان عليها، محافظة نشأته على الصلاح، والاستقامة، والتّمسك بدين الإسلام حتى يكون قرة عين لهم إجابة عمليّة لقوله تعالى : " وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنـَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" (الفرقان : 73)

والأولاد مع ما فيهم من فضل وخير ومع كونهم نعمة، فهم أمانة يجب تأديتها كما شرع الله جلّ في علاه وهو القائل : " إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (النساء: 58)بل إنّ ذلك من أعظم الأمانات الواجبة على الإسان وخيانتها من أعظم الخيانات "يَا أَيّهَا الّذينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا آمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"(الأنفال : 27) وجاء البيان من رسول رب العالمين بأن المرء يسأل عن رعيّته يوم الدّين حيث يقول عليه الصلاة والسلام : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ وَالـمَرْأةُ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيّتِهَا…"(البخاري) وقوله أيضا : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً ، يـَمُوتُ يَوْمَ يـَمُوتُ وَهُوَ غَاشٍ لِرَعِيّتِهِ، إِلَّا حَرّمَ اللهُ عَلَيْهِ الـجَنَّةَ" ( البخاري ومسلم)

فدور الأبوين مهمّ جدّا في تحديد مسار الأولاد كما أنـّهما سبب في صلاحه، ولذلك يجب على الوالد أن يعتني بصلاح ولده، لا يقل الصلاح بيد الله. نعم، الصلاح بيد الله ولكن الصّلاح له أسباب، لا يأتي عفوا بدون أسباب، فلا بدّ أن تقوم بالأسباب للصلاح حتـّى يصلحه الله، أما إذا أهملته وترك المسئول وأمهل بدعوى الصلاح بيد الله فقد فرَّط وضيّع الأمانة.

من أسباب تربية الأولاد نحو الصلاح :

1- اختيار الأم: فعلى من رام الولد الصالح أن يختار له أُمًّا مؤمنة، تعرف حق ربِّها وحق زوجها وحق ولدها، وتعرف كيف تربِّي ولدها؛ لأنها هي المدرسة الأولى التي يتخرج منها هذا الولد

الأم مدرســةُ إذا أعددتـــــــــــــها # أعددت شعبا طيب الأعراق

الأم أستاذ الأساتذة الأُلــــــــي # شعلت مآثرهم مــدى الآفاق

روي أن أبا الأسود الدؤلي قال لبنيه :"يا بني! قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا" قالوا :"كيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟ قال : " اخترت لكم من لا تسبون بها… " وشكا رجل لصديقه عقوقَ ولده وسوء معاملته، ودناءة طبعه، فقال: "لا تلم أحدا، ولكن توجه اللوم على نفسك؛ لأنك لم تتخير أمه". وقديما قال الناس : "كادت المرأة أن تلد أخاها" "فخلف كل عظيم أم."

2. الدعاء للأولاد بالصلاح والهداية والخير: فها هو الخليل نبيّ الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: "رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِيَّتِي رَبّنَا وَتَقَبَلْ دُعَاءِ"(إبراهيم :40) ورفع أكف الضراعة إلى الله قائلا :"رَبَّنَا اجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ…" (البقرة:128) وكدا نبي الله زكريا عليه السلام ما طلب الدرية فقط؛بل يطلبها مع كونها طيبة صالحة : "هُنَا دَعَا زكَرِيَا رَبّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ " (آل عمران:38) ودعاء الوالد لولده من الدعاء المستجاب الذي يرجى أن يتحقّق بإذن الله تعالى ، ويوجه النبي صلى الله عليه وسلم أمّته إلى الدعاء للذرية قبل أن تولد؛فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال؛قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لَوْ أَنَّ أَحْدكُمْ إِذا أَرَادَ أَنْ يَأْتـِي أَهْلَهُ قَالَ :بِسْمِ اللهِ،اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رزَقْتَنَا ،فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ،لـَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا"(البخاري ومسلم)

3- الرحمة بهم وإبداء العطف والحنان تجاههم: هدا من أهم الأمور التي يحتاجها الأولاد، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في دلك ،فكم من فراغ عاطفي عاشه الأولاد سبب الكثير من المشكلات التي عجز الوالدان فيما بعد عن الوقوف أمامها ، وكان الحلّ الأمثل لها قبلة في جبين ذلك الابن أو تلك البنت وضمة من قبل الوالدين ،وكلمة حانية تخرج من القلب إلى القلب.ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " ‌قَبَّلَ ‌رَسُولُ ‌اللَّهِ ‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ ‌الحَسَنَ ‌بْنَ ‌عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (أخرجه البخاري ومسلم) فإنّ الأولاد بحاجة ماسة إلى أن يضموا إلى حنان الوالدين من فتن المجتمع الراهنة حتى ترقّ وتلين قلوبهم لقبول الهداية والتوجيه نحو الخير.

4. التريية الإسلامية المتكاملة: فهذه تعمّ جميع التعاليم الإسلامية من أصول الإيمان ومبادئه وحبّ الله ورسوله مع معرفة المأمورات ليتحلّى بها من المحرّمات فيتخلى عنها .فقد كان المسلمون الأوائل يتولّون تربية أولادهم بأنفسهم قبل أن ينتقوا لأولادهم أفضل المؤدّبين علما وأميزهم أسلوبا. قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده : "علمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن واحملهم على الأخلاق الجميلة"ولما دفع هارون الرشيد ولده الأمين إلى المؤدب، قال له : "إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه،أقرئه القرآن وعلمه السنة…"

5.القدوة الحسنة: فهذه أقوى تأثيرا من عشرات الكلمات والتوجيهات والمواعظ. وعلى الوالدين الحرص على أن يكونوا قدوة عمليّة لأولادهم فيما يريدون أن يربّوهم عليه، لأنّ الولد يفتح عينيه على أبويه ومنهما يأخذ طريقته في الحياة وأسلوبه في العيش وعلى خطاهما يسير، وما كان من انحراف في كثير من الأولاد إلاّ بسبب فساد مبدأ القدوة عند الوالدين وعدم الإهمال في المسئوليات. فمن فوائد صلاح الأولاد أنّه عمل صالح يستمرّ للأبوين حتىّ في الحياة حتى بعد الممات قبل الغير والمجتمع على الإطلاق وإلاّ يفوتهما الحظّ في الدنيا والآخرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إِذَا مَاتَ الإنسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَة ؛إِلّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" ( أخرجه مسلم) كما يعود إلى المجتمع والأمة بما فشت من انحرافات السلوك والآداب من السرقة والحرابة وشرب الخمور والمخدرات وإحداث الفوضى والشغب نتيجة ما تربى عليها الأبناء من خلايا الأسر المتنوعة.أسأل الله لي ولكم أن يصلح أحوالنا وأحوال أبنائنا والأمة. وأقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم،فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الودود الرؤوف الرحيم الغافر للذنب، القابل للتوبة شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو القائل : "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَك عَلَيْهَا مِنْ دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى،فـَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ"(النحل :61) ثمّ الصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى أهله وصحبه أجمعين.

إن من رحمة الله تعالى بالإنسان أن ويملي لهم ؛لا يؤاخذهم ولا يكافئهم بما عملوا وبما اجترحوا به من الذنوب و والمعاصي، ولكن يذيقهم ببعض ما عملوا لعلهم يرجعون.فهذا حقيقة الواقع الحالي في حياتنا منذ حوالي سنة ماضية لحدوث جائحة كورونا المؤدية إلى الحجر المنزلي لمدّة لا تقلّ عن نصف السنة، فها نحن اليوم قد ظهرت سلالة جديدة أخرى من الفيروس حتى اضطرّت البعض من الدول الراقية كالبرطانية والأسبانية وغيرهما إلى الحجر المنزلي من جديد، وقد سجلت دولتنا العزيزة حالات الإصابة بكثير في الآونة الأخيرة فيما يعمّ الأطبّاء المكافحين للجائحة. وإن دلّت هذا على شيء فإنّما يدلّ على اليقظة وانتهاز الفرص للرجوع إلى الله بالإنابة والتوبة النصوحة من الذنوب والمعاصي قبل فوات الأوان "وَتُوبُوا إِلـَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤمنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ" ومن ذلك مراعاة الوسائل الوقائية والذرائع الموضوعة من خبراء الطبّ والصّحة.فنسأل الله تعالى العافية والسلامة من جميع الوباء والبلاء.

اللهمّ ربنا إليك أسلمنا نفوسنا وإليك وجّهنا وجوهنا ، وإليك ألجأنا ظهورنا وإليك فوّضنا أمورنا. فاحفظنا بحفظ الإيمان من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا ومن قبلنا وادفع عنّا وأمنّا في وطننا بحولك وقوّتك فإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ بك. وأعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدّين ،واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنّا وسائر بلاد المسلمين يا ربّ العالمين . ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وتب علينا يا ربّ العالمين. وصلّ وسلّم على عبك ورسولك محمّد وعلى آله واصحابه أجمعين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *