صِفات عِبَاد الرّحمن : (6)التّوحيد

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخُطبة الأُولَى لشهر جُمادَى الثّانِية بتأريخ 7\6\1439هــ-23\2\2018م
حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (6)التّوحيد
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-67] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].
وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.
أمَّا بَعْدُ ,
فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .
إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأوّلُ للشّهر القمري الهجري الإسلامي الجديد , جُمَادَى الثَّانية , وَما زِلنا على مَوْضُوعِنَا العام : صِفَات عباد الرّحمن وقدْ فَصَّلْنا الحديثَ عن خَمْس صِفاتٍ تَفْصِيلاً , عَلَى التَّرتيبِ الْقُرآني الإلهي فِي سُورة الفرقان , ألا وهي : التَّواضُع , والحِلْمُ , وقيامُ اللّيْل , والْخَوْفُ مِنَ النَّارِ , والاعتدال فِي الإنفاق . واليومَ –إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى – نُعَالِجُ الصِّفَةَ السَّادِةَ الّتِي هِيَ التَّوْحِيد .
أيّها الإخوةُ المُسلمون ,
لا زِلنا نَعِيشُ فِي رِحابِ الْقُرآنِ ومع عِبَادِ الرّحمن , وَمَنْ مِنَّا لا يُحِبُّ أنْ يَكُونَ عَبْداً مِنْ عِبَادِ الرَّحمنِ , مَنْ مِنَّا لا يُحِبُّ أن يَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ الْفِئَةِ الصَّالِحَة الصّادِقَة , التِي رَضِيَتْ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَضِيَ اللهُ عنها , وَجَعَل جَزَاءَهَا الْجَنَّة ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴾ [الفرقان:25\75] , وَسَجّل ذِكْرَهَا فِي كِتَابِهِ , وَذِكْرَهُمْ بِهَذِهِ الأَوْصَافِ الْكَرِيمَة , وَهَذِهِ السّمات الْجَلِيلَة , وَهَذِهِ الأخْلاقِ الْجَمِيلَة.
فبيّن اللهُ تَعَالَى مِنْ أوَّلِ الأَمْرِ حَالَهُمْ فِي أنفُسِهِمْ , حَالَ التَّوَاضُعِ والسَّكِينَة : ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان:25\63] , وَحَالَهُمْ مَعَ النَّاسِ وَبِخَاصَّةٍ أولَئِكَ السُّفَهَاءُ والْجَاهِلُونَ : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان:25\63] , وَحَالَهُمْ مَعَ رَبِّهِمْ : ﴿ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:25\64 -66] , ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي أمْوَالِهِمْ , فَهُمْ فِيهَا مُتوَسِّطُونَ مُعْتَدِلُونَ , شَأْنُهُمْ شَأنُهُمْ فِي كُلِّ أمُورِهِمْ وَفِي كُلِّ حَيَاتِهِم , مَنهَجُهُم الْوَسَطُ , وَطَرِيقُهُمْ الاعْتِدَالُ : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:25\67] . ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ [البقرة:2\143] , هَكَذَا ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِتلكَ الصِّفَاتِ الإيجابِيَّة , ولكنَّ الدِّين أمرٌ ونَهْيٌ , فَإذَا كان هَذَا حالُهُم مع أوَامِرِ اللهِ تَعَالَى وَتَوجِيهَاتِ الدِّينِ , فَمَا هي حالُهُمْ مَعَ مَا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؟
هَذَ مَا ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الآية الكرِيمَة الّتي نقِفُ عِندَ الفقرة الأولَى مِنْهَا : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان:25\67] . إِنَّ سِيرَتَهُمْ غَيْرُ سِيرةِ الْمُشْرِكِينَ , الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ آلهة شتَّى , اتَّخَذُوهَا أرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ أَوْ مَعَ اللهِ , والْمُشْرِكُونَ لا يتورّعُونَ عَنْ سَفَكِ الدِّماءِ وقتل الأنفس , والمُشركون لا يتورّعون عَنْ هَتكِ الأعراضِ وسفح الشَّهوات , ولكن عباد الرّحمن تورّعُوا عن هذا كُلِّهِ .
فأوَّل ما اتّصفُوا بِهِ هُوَ التَّوحِيد , ولِهَذَا : ﴿ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ [الفرقان:25\67] : لا يتّجهون إلى غير اللهِ بالدُّعاء , و “الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَة” (رواه التّرمذي عن أنس بن مالك , ثمّ قال هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة (صحيح التِّرمذي , أبواب الدّعوات : باب ما جاء في فضل الدّعاء), بل الدّعاء هو العبادة .
روى التِّرمذي أنّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال : “الدّعَاء هُوَ الْعِبَادَة ” (رواه مسلم والطّبراني وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد …) , وقرأ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:40\60] . فوضع كلمة (الدّعاء) موضع كلمة (العبادة) وكلمة (العبادة) موضع كلمة (الدّعاء) .
فــــ ﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾[الفرقان:25\67] أي لا يعبدون مع اللهِ , ولا يقدِّسُون غَيْرَ اللهِ , ولا يبتهلون إلى غير اللهِ , ولا يسجدون لغير اللهِ , ولا ينحنون لغير الله , إلههم (الله) وحده .
قد أفردوا اللهَ وَحدَهُ بِالعبادة وبالاستعانة , فَهِمُوا سِرَّ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[الفاتحة :1\5] . أي : لا نعبد إلّا إيّاكَ ولا نستعين إلّا بِكَ : “..إذَا سألْتَ فَاسْأَلِ اللهَ وَإِذَا سْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ..” (قطعة من حديث ابن عباس , الّذي رواه التِّرمذي وقال حديث حسن صحيح) . وكما قال اللهُ تعالى على لسان شعيب –عليه السّلام- ﴿..وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود:11\88] , ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه ..﴾ [هود:11\123] .
إن تفرد الله بالعبادة والإنابة , وبالتّوكُّل والاستعانة : هذه هي حقيقة التَّوحيد .
والتّوحيد نوعان : توحيد الرّبوبيّة , وتوحيد الألوهيّة .
توحيد الرّبوبيّة : أن تعتقد أنّه لا ربّ غير الله , ولا خالق ولا رازق غير اللهِ , فهو خالق السّموات والأرض ومالكهما .
وهذا النّوع من التّوحيد قد اعترف به المشركون , كانت قريش ومشركو العرب يعترفون بأنّ الله ربُّ السّموات والأرض : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .. ﴾[لقمان: 31\25] , ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّه .. ﴾ [يونس:10\31],
ومع هذا الاعتراف أشركوا مع الله آلهة أخرى , عبدوا الأحجار وعبدوا الأوثان والأصنام , ومن النّاس من عبد الشّمس ومن عبد القمر , ومنهم ومنهم .
ومن هنا قالوا : إنّ توحيد الرّبوبية لا يغني عن التّوحيد الآخر : توحيد الألوهية .
توحيد الألوهية : أن لا تؤلّه غير اللهِ , ولا تتجه بالدّعاء والعبادة والاستغاثة والرّجاء والخوف إلّا إلى الله وحده . ﴿﴾
وهذا هو التّوحيد الّذي أنزل الله به كُتُبَهُ , وبعث به رُسُلَهُ , ليدعوا إليه أقوامَهُم , فإنّ الّذي أضلَّ البشريّة ليس هو الجحود والإلحاد , بل هو الشِّرك والوثنيّة .
ولهذا كان النّداء الأوّل في رسالات الرُّسُل : ﴿.. يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .. ﴾ [الأعراف:7\59] , وكان التّوحيد هو القاسم المشترك بين رسل الله جميعاً : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء :21\25] , و﴿َلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النّحل:16\36] .
كان المشركون يعتقدون أنّ الله خالق كلّ اللهِ ويعبدون غيره , ويقولون عن آلهتهم المزعومة : ﴿.. مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى .. ﴾ [الزّمر :39\3] , ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ .. ﴾ [يونس :10\18] , فجاء الإسلام ليحرِّر هؤلاء من عبادة غير الله , سواء كان هذا الغير حجراً أو بشراً , أو جنّاً أو ملكاً , أو حيواناً , أو نجماً , أو جماداً أو أيّ شيء .
كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يختم رسائله إلى ملوك الأرض – إلى قيصر .. إلى أمراء النّصارى .. إلى المقوقش .. إلى النّجاشي .. إلى غير هؤلاء من أهل الكتاب – بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..﴾ [آل عمران:3\64] .
إنّ الّذي أفسد الحياة ,وأفسد المجتمعات , هو : دخول الشّرك عليها , واتّخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون اللهِ , فإنّهم لم يعبدوا الحجر فقط بل عبدوا البشر .
كان هناك مثل (النّمروذ) الّذي قال : أنا أحيي وأميت , قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:2\258] . , فقد حكم على رجل بالاعدام ثمّ أعدمه , وحكم على آخر بالإعدام ثمّ عفا عنه , أنذا أحيي وأميت !
و (فرعون) الّذي ادّعى الألوهيّة , وقال لقومه : ﴿أنَا رَبُّكمُ الأَعْلَى﴾ [النّازعات:79\ 24] , ﴿ ..مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ..﴾ [القصص :28\38] , ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ .. ﴾ [الزخرف:43\54] .
هناك كثيرون ادّعوا لأنفسهم أو ادُعي لهم أنّهم آلهة أو أرباب من دون الله , وقد لا يدّعون ذلك بألفاظهم ولكن أعمالهم تنبيء عنهم , وتصرّفاتهم تعبّر عن هذا التأليه الكامل , فهم يريدون أن يذلّوا عباد الله , وأن يصبح النّاس لهم عبيداً , يأمرونهم فيطيعون , ويشيرون إليهم فيسمعون , ويشرِّعون لهم فينفِّذون , ويحلُّون لهم الحرام أو يحرِّمون عليهم الحلال فيستجيبون ! .
لا يقولون : لم , ولا يقولون : لا , يحرّمون عليهم ما شاؤوا ويحلِّون لهم ما شاؤوا !
جاء الإسلام يحرِّر النّاس من هذا كلّه , يحرّر النّفوس من الشِّرك , يحرّرها بالتّوحيد , يحرّرها بـــ (لا إله إلّا الله) هذه الكلمة كانت إيذاناً بحياة جديدة , ومجتمع جديد , كانت إعلاناً لحرّية البشر ولحقوق الإنسان .
بهذه الكلمة يجب أن ترفع الحياة , وأن تحرِّر النّفوس , وأن ترفع الرّؤوس , ولا تنحني إلا لله في ركوع أو سجود .
كان التّوحيد تحريراً حقيقيا للبشريّة :
ولم يسمح النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأيّ نوع من أنواع الشّرك , سواء كان أكبر أو أصغر .
هناك الشّرك الأكبر وهو نوعان : ظاهر جليّ كاتخاذ آلهة مع الله , وباطن خفيّ كدعاء الموتى والمقبورين والاستعانة بهم وطلب قضاء الحوائج منهم .
وهناك الشّرك الأصغر : كالتّبرّك بالشجر أو بالحجر , وكالحلف بغير الله تعالى , كأن تقسم بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم أو بالكعبة أو بالشّيخ الفلاني أو بالوليّ الفلاني , وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم : “من حلف بغير الله فقَدْ كفر , أو أشرك ” (رواه التّرمذي وحسّنه, وابن حبّان في صحيحه , والحاكم وقال : صحيح على شرطهما..) .لا تحلف إلّا بالله : “..من كان حالفاً فليحلف باللهِ أو ليصمت ” (رواه مالك ومسلم, وأبو داود والتّرمذي , والنّسائي , وابن ما جه ) .
ومن الشّرك الأصغر أن نقول : لولا فلان لحصل كذا وكذا , فالمسلم ينبغي أن يتحرز في ألفاظه ويقول : لولا الله ثمّ فلان لكان كذا وكذا .
قال رجل للنّبي صلّى الله عليه وسلّم : ما شاء الله وشئت , فقال : “أجَعَلْتَني للهِ نِدّاً ؟ قُلْ : قُولُوا : مَا شاء اللهُ , ثُمَّ ما شاء فُلان ” (رواه أبو داود , وأحمد , من حذيفة , وإسناده صحيح) .
عباد الرّحمن حرّروا أنفسهم من كلّ آلهة سوى الله , فلا يدعون مع الله إلهاً آخر , وهكذا ينبغي أن يكون المسلم , وهكذا ينبغي أن نكون .
نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من الّذين أخلصهم الله لدينه , وأخلصوا دينهم لله . أقول قولي هذا , وأستغفر الله تعالى لي ولكم , فاستغفروه إنّه هو الغفور الرّحيم , وادعوه يستجب لكم .
الخطبة الثّانية :
الحمد لله ربّ العالمين , القائل في كتاب العزيز :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .. ﴾ [إبراهيم:14\4] , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.
أمّا بعد ,
فعباد اللهِ , إنّ الأمم المتّحدة احتفلت باليوم العالمي للغة الأم :
INTERNATIONAL MOTHER LANGUAGE DAY . يوم 21\فبراير \2018م كعادتها السنوية .
ونرى أنّه من المستحسن أن نبيّن أهمية لغة الأمّ , تقال لها بلغة الأم لأنّ الأمّ أقرب النّاس إلى الولد , وهذه اللّغة هي المسّماة باللغة المحلية . وفي بعض المدارس يُكتب على الألواح : اللّغة المحلية محرّمة . وفي بعض البيوت قد حُرِّموا التكلّم بلغة الأمّ والّذي تكلّم بها قد ارتكب جريمة .
وهذه اللّغة هي أداة التّفكير السّليم , فالّذي فهم لغة أمّه جيّداً فهم أي لغة درسها بالسّهولة . ولا سيّما الدّعاة في سبيل الله , وقد قال تعالى في شأن رسله الكرام : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .. ﴾ [إبراهيم:14\4] .
ونرى اليوم كثيراً من الّذين ينتمون إلى الدّعوة إلى الله تعالى ولا يهمتمون بلغة الأم لغة المدعوّين من الأقربين ومجتمعاتهم الأقرب . وكيف ينجح مثل هؤلاء الدّعاة لأنّ في الدّعوة هناك الحوار أو المحاورة ويجب التّفاهم بين الطّرفين .
ومن أهمية لغة الأم , أنّ عدم فهمها جيّدا مما يسبّب فشل طلّاب العلم . لأنّ بعض كلمات لم يفهمها الطّلّاب في لغة أمّهم ولم يعرفوا حقيقة معانيها . وجرّب هذه الحقيقة بروفيسور باب علي باباتندي فافنوا , إنّه التّربوي الماهر الكبير , الذي كان وزيرا للتّربية في نيجيريا واقترح أن تكون لغة الأم لغة المناقشة لكلّ مواد في المدارس الثّانويّة . وقام بالتّجربة حيث دُرّب طلّاب بلغة الأمّ كيوربا مثلاً وتفوّقوا على غيرهم في نتجائج الامتحانات .
ونتهز هذه الفرصة الذّهبية لثناء على حكومة ولاية لاجوس لاهتمامها بلغة يوربا حيث عيَّنت يوم الخميس في مجلس النّواب HOUSE OF ASSEMBLY للغة يوربا , وجعلت دراسة اللغة اليورباوية واجبة في المدارس الابتدائية والثّانويّة . وصارت اللغة اليورباوية الضرورية للاتحاق بالمدارس العليا في ولاية لاجوس أمثال : أمثال جامعة ولاية لاجوس , لاسُو , أوجوا , كليّة التّربيّة أدينيرن أوغوسنيا إجانِيكن , وغيرهما من الدراسات العليا في ولاية لاجوس . مهما كان تخصّص الطّلّاب لا بدّ أن تكون اللغة اليورباوية في شهاداتهم الثّانويّة .
الدّعاء:
اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .
اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply