صِفات عِبَاد الرّحمن : (8)اجْتنابُ الزِّنَا

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخُطبة الثّاني لشهر جُمادَى الثّالثة بتأريخ 21\6\1439هــ-9\3\2018م
حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (8)اجْتنابُ الزِّنَا
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان :25/ 68-70] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].
وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.
أمَّا بَعْدُ ,
فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .
إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثّالث لشهر جُمَادَى الثَّانية , وَما زِلنا على مَوْضُوعِنَا العام : صِفَات عباد الرّحمن وقدْ فَصَّلْنا الحديثَ عن سبع صِفاتٍ تَفْصِيلاً , عَلَى التَّرتيبِ التّالي كما رتّبها اللهُ سبحانه وتعالى في مُحكم تنزيله في أواخر سورة الفرقان : التَّواضُع , والحِلْمُ , وقيامُ اللّيْل , والْخَوْفُ مِنَ النَّارِ , والاعتدال فِي الإنفاق و التَّوْحِيد واجتناب القتل واحترام الحياة. واليومَ –إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى – نُعَالِجُ الصِّفَةَ الثّامنةَ الّتِي هِيَ :
اجْتناب الزِّنَا :
أيّها الإخوة المُسلمون ,
لا زلنا نعيش في رحاب القرآن , ومع عباد الرّحمن , الّذين رضي الله تعالى عنه ورضُوا عنه .
تحدّثنا عن (عباد الرّحمن ) وأخلاقهم وأوصافهم , في ليلهم ونهارهم , مع أنفسهم ومع ربّهم ومع النّاس .
تحدَّنا عن صفاتهم إذا مَشَوْا عَلى الأرض هَوْناً , تحدّثنا عن معاملتهم مع من جهل عليهم , تحدَّثنا عن أخلاقهم في مالهم إذا أنفقوا , ثُمَّ تحدَّثنا عنهم في صفاتهم الأخرى , حينما حرّروا أنفسهم مِنْ كُلِّ ما يُسْخِطُ اللهَ تَبَاركَ وَتَعَالَى , حِينما ساروا عَلَى منهجٍ مُسْتَقِيمٍ يُخالِفُون به مَنَاهجَ الْكُفر والنِّفاق , فليسوا مِّمن يُشرك باللهِ شَيْئاً , ولا مِّمن يستهين بحياة البشر .
واليوم نتحدّث عن صفة أخرى داخلة في المنهيّات , وهي اجتناب الزِّنا , فعباد الرّحمن ﴿.. لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
[الفرقان :25/ 68-70] .
أيها الإخوة :
حَافَظَ الإسلامُ عَلَى الدِّينِ والعَقِيدَة , فَحَرَّم الشِّرْكَ أكْبَرَهُ وأصْغَرَهُ , جَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ , وَحَافَظَ الإسلامُ عَلَى النَّفْسِ , فَحَرَّم الْقَتْلَ وَكُلَّ مَا يُؤْذِي النَّفْسَ .
وَحَافَظَ الإسلامُ عَلَى العَرضِ وعَلَى النَّسَبِ , فَحَرَّمَ الزِّنَا , وَكَانَ مِنْ صِفَات عباد الرّحمن : أنّهُمْ لا يزنُون , لا يتورّطون في هذه الكبيرة التي نهى الله تعالى عنها حينما قال : ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾[أي لا تزنُوا ولا تفعَلُوا مَا يُؤَدِّي إلى الزِّنَى] , ﴿ إنّه كَان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾[الإسراء :17/32] .
ومن هنا نهى الإسلامُ عن الزِّنَا , ونَهَى عَنْ كُلِّ ذَرِيعَةٍ توصّل إلَيْهِ أوْ تَقَرَّبَ منه , فَحَرّم الْخَلْوة بالمرأة الأجنبيّة , وحرّم النَّظرةَ بشهوةٍ , وحرّم التّبرُّج بالزّينة , وحرّم من الوسائل كُلّ ما يُغري النَّاسَ بِالفاحشة , ما ظهَر منها وما بطن , وعمل على تطهير البيئة الإسلامية من أسباب الإغراءِ والفساد , حتّى يحصّن الفتى المسلم والفتاة المسلمة , فليس من الإسلام أن تترك البيئة تغري بالإثم وتغري بالفاحشة , وتضع الشّباب –الشّابة – في اللّهب , ثمّ تقول له : لا تحترق .
جاء الإسلام ينهى عن كلِّ ما يؤدِّي إلى الزِّنا , فبدأ بتربيّة الفرد على أن يعفَّ نفسه .. أن يحصن فرجه .. أن يغضّ بصره , سواء كان رجلاً أو امرأة , يقول الله تعالى : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ.. ﴾[النّور : 24/30-31] إلى آخر الآية الكريمة .
أمر الإسلام المسلم أن يستعفّ حتّى يجد القدرة على الزّواج الحلال : ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .. ﴾[النور:24\ 33] , ومن يستعفّ يعفّه الله , ومن يتصبّر يصبّره الله .
وأمر الإسلام أن تطهِّر البيئة من كلّ ما يغري بالفواحش , فلا يجوز أن تظهر في المحتمع المسلم صورة عارية أو شبه عارية , أو أغنيّة ماجنة , أو أدب مكشوف , أو قصّة داعرة , أو تمثيليّة فاجرة , شيء من هذا الّذي نراه في مجتمعاتنا اليوم .
لا يجوز أن يظهر في الشّارع المسلم لحم رخيص يعرض في الأسواق , ويُغري الشباب بالإثم , لا يجوز أن يكون هذا في مجتمع مسلمٍ .
حرّم الإسلام الزّنا واعتبره من كبائر الإٍثم , حرَّمه لماذا ؟ حرّمه اللهُ تعالى لمصلحة النّاس , ليس للهِ حاجّة في أن يحلِّل أو أن يُحرِّم , إنَّ اللهَ لا تَنْفَعه طاعتُنا ولا تضرّه معصيّتُنا , وإنّما يُحلِّلُ الطَّيِّبَ ويُحرِّمُ الْخَبِيثَ , يُبِيحُ النَّافِعَ ويُحَرِّمُ الضَّارَّ , يُحلُّ لهمُ الطَّيِّبَات ويُحرِّم عليهم الخبائثَ , فَإذَا حرّم الزِّنَا فَإنّما هُو لِحِمَايَة الإِنسان .. لتزكيّة الإنسان .. للسّموِّ بالإنسان . إنّه يُريدُ أن يحمي إيمان المؤمن , فلا يكون عبداً إلّا للهِ تبارك وتعالى , لا عبداً للغريزة , لا عبداً للشّهوة , ولا عبداً لامرأةٍ , ولا عبداً لشيءٍ , إلّا أن يكون عبداً للهِ تبارك وتعالى .
حرّم الإسلام الزّنا ليبقى المؤمن خالصاً للهِ , لا لشيء آخر , ومن هنا جاء الحديث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الصّحيحين : ” لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤمنٌ ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمنٌ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ” (رواه البخاري ومسلم وأبو داود , والتّرمذي , والنّسائي من حديث أبي هريرة) . , لأنّه في حالة الزِّنا يُنزَعُ منه الإيمان , فإيمان سربالٌ يسربله اللهُ من يشاء {أي قميص يُلبسه الله من يشاء}- فإذا قلع وتاب رجع إليه سربال الإيمان .
إنّه يريد أن يحمي المؤمن , ويريد أن يحمي أخلاقه , لا يريد أن يكون المؤمن كالحيوان يفعل ما يشتهي , بل يفعل ما ينبغي , إنّما سمّي (العقل ) عقلاً , لأنّه يعقل الإنسان ويقيّده – كالعقال أو القيد- فيجعله يفكّر قبل يُقدم على الأمر .
أمّا الذين يفعلون ما تحلو لهم أنفسهم , وما تزيّن لهم شهواتهم , وما توسوس لهم شياطينهم , دون أيّ رادع أو زاجر , فقد انخلعوا من الإنسانية إلى الحيوانيّة .
الحيوان الهابط هو الّذي يفعل ما يشتهي , أمّا الإنسان العاقل فهو الّذي يفعل ما ينبغي , ومن هنا يريد الإسلام للمسلم أن يرتقي بإنسانيته , فلا يكون كالحيوان الذي تسيّره الغريزة .
أيّها الإخوة المسلمون ,
حرّم الإسلام الزّنا ولا شكّ , وحرّم كلّ ما يؤدِّي إليه , ولكنّ الإسلامُ إذا حرّم شيئاً وضع البديل له , فليس هناك حرام إلّا ومقابله حلال يُغني عن الحرام (كما بيّن ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابيه : “روضة المحبّين ” و ” إعلام الموقِّعين ” ) .
ومن هنا حين حرّم الإسلام الزِّنا , فقد شرع الإسلامُ الزّواج , تحصيناً للنّفس , وكسراً للشّهوة , وإغراء للشّيطان , وتكويناً للأسرة المسلمة , وتدبيراً للمنزل , وتكثيراً للعشيرة , وتحقيقاً لإدارة اللهِ تعالى في بقاء هذا النّوع : ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً.. ﴾[النّحل :16/72] , ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الرّوم :30/21] .
أمر الله تعالى المجتمع المسلم أن يعمل على تزويج أبنائه وبناته أمراً صريحاً حينما قال : ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾[ النّور :24/32] .. الأيّم : غير المتزوّج , ذكراً كان أو أنثى , من لا زوجة له , ومن لا زوج لها .
“وأنكحوا” : خطاب للمسلمين عامّة , وأولى الأمر والأولياء خاصّة , أن يزوِّجوا هؤلاء ولا يدعوهم في حالة العزوبة يتعرّضون للشّيطان وللشّهوات .
لا يكن كلّ همّكم البحث عن المال : ماذا تدفع ؟ وكم تأخذ ؟ وماذا عندك من مال ؟ إنّها ليست سلعة تُباعُ وتُشترى , إنّك حينما تزوِّج ابنتك تُريدُ لها إنساناً كريم الخلق , متين الدِّين , إنّ أحبّها أكرمها , وإن أبغضها لم يظلمها .
زوّج ابنتك ذا الدِّين , وابحث لها عن صاحب الدِّين والخلق : ” إذا أتاكُم مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إن لَا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرضِ وفسادٌ عَريضٌ ” (رواه التّرمذي , وابن ماجه , والحاكم , عن أبي هريرة )
إنّ على مُجتمعنا أن يعي أمر الله تبارك وتعالى : ﴿.. إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم ﴾[النّور : 24/32] .
كم من فقير اغتنى , وكم من معسر أيسر﴿.. سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾[الطّلاق : 7], ودوام الحال من المحال.
لا يجوز للآباء أن يجعلوا من بناتهم سلعاً , لا يجوز للآباء أن يعطّلوا البنات . إنّ هذه الظاهرة الشّاذّة في مجتمعاتنا ليست ظاهرة إسلاميّة بحالٍ .
علينا أن نُيسِّر ولا نُعسِّر , علينا أن نضع من الأنظمة والتّقاليد ما يُتيح للشباب أن يُحقِّق أمر الله تبارك وتعالى ويُتيح للجميع أن يكوِّنُوا الأُسَرَ المسلمة الصّالحة , وأن نرى في كُلِّ يَومٍ زواجاً وزَواجاً وزوَاجاً , وأن نُخرجَ من هذه الظّاهرة الشّاذّة – , ولا شيء أبداً : عزوبة الرّجال , وعنوسة النّساء .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يُفقِّهنا في ديننا , وأن يُعلِّمَنا ما ينفعنا , وأن ينفعنا بما علّمنا , وأن يجعل يَومنا خيراً من أمسنا , ويجعل غدنا خيراً مِنْ يَوْمِنا , وأن يَنصُرنا عَلَى عدوِّهِ وعدُوِّنا .
الخطبة الثانية :
الحمد لله ربِّ العالمين الواحد , الأحد , الفردِ , الصَّمَدِ , الّذِي لم يلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكُن لَهُ كُفْواً أحدٌ , القائِل في كتابه العزيز : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات :49\13] , وأشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ والأَوهَامُ , وأشهَدُ أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أفْضَلُ الأنَامِ. والصَّلاة والسّلامُ عليه رَسُولِ الوحدَانية , وجامِعِ الإنسانيّة وعلى آله وصحبه أجمعِينَ .
أمّا بعد,
فَعِبَادَ اللهِ , إنّ الأمم المتّحدة احتفلت باليوم العالمي للنِّساء
INTERNATIONAL WOMEN’S DAY أمس 8\3\2018م كعادتها السّنوية . ونريد أن نسلِّط ضوءاً على تكريم الإسلام للنِّساء .
تكريم الإسلام للمرأة:
إن الإسلامَ يخاطب الرجال والنساء على السواء ويعاملهم بطريقةٍ شبه متساويةٍ، وتهدفُ الشريعةُ الإسلاميةُ بشكلٍ عامٍ إلى غايةٍ متميزةٍ هي الحمايةُ، ويقدم التشريع للمرأة تعريفات دقيقة عما لها من حقوق ويُبدي اهتماماً شديداً بضمانها، فالقرآنُ والسنةُ يحُضَّان على معاملة المرأة بعدلٍ ورِفقٍ وعَطفٍ.
مما لا ريب فيه أن الإسلام رفعَ شأن المرأة في بلاد العرب وحَسَّنَ حالها، بل إن النبي – صلى الله عليه وسلم – أوصى الزوجات بطاعة أزواجهن، وقد أمر بالرفق بهن، ونهي عن تزويج الفتيات كُرهاً وعن أكل أموالهن، ولم يكن للنساء نصيبٌ في المواريث أيام الجاهلية، بل إنَّ الرجل كان إذا بشَّره أهله ببنتٍ اسودَّ وجهُهُ، وقد حكى القرآن ذلك فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾[ سورة النحل:16\ 58- 59]، ومن صور تكريمها أيضاً قد نزلت سورة خاصة بهنَّ تسمى سورة النساء توضح فيها أحكام المواريث، وكيفية معاملة المرأة في حال نشوزها فقال عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾[ سورة النساء:4\ 34].
فقد بيَّن الله تعالى صفة المرأة الصالحة في هذه الآية، والمرأة التي في حال نشوزها بأن يعاملها الرجل بتدرج لطيفٍ رحيمٍ بالمرأة، حيث بدأ بالموعظة لها، ثم بهجرها في المضاجع، ثم في المرحلة القصوى بضربها بشرط أن يكون ضرباً غير مبرحٍ، وهذا يعدُّ من التكريم العظيم للمرأة من قِبَل الله الخالق الرحيم الرحمن.
ومن تكريمها أيضاً مساواة المرأة بالرجل في تعدد ألفاظ كل منهما في هذه السورة، وقد بيَّن الله تعالى فيها أحكام المواريث، ووعد فيها بالعقاب لمن خالف حدوده فيها، وجعل هذا التقسيم خاصاً به سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾
[النساء: 13-14].
ولا شك أنَّ الإسلام أمر بحُسن معاشرة الزوجة، وقد أباح للزوج مفارقة زوجته رغم أنَّه بغض الطلاق، فقال عز وجل: ﴿ ….. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾[ النساء:4\ 19].
وقد انتهت هذه السورة المباركة أيضاً بتفصيلٍ بديعٍ لمن مات وليس له ولد فيما يسمى بالكلالة، أن يرثه مَن تبقَّى من أهله بالعدل والإنصاف دون ظُلمٍ أو جَورٍ للحقوق، فقال عز وجل: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾[النساء :4\176].
وفي الجاهلية كانوا يقتلون البنات وهنَّ أحياء، ولمَّا جاء الإسلام حثَّ على تحريم وَأْد البنات، فقال عز وجل: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾[ التكوير: 8، 9]، وأمر بمعاملة النساء والأيتام بالعدل، وقد حرَّم الله تعالى فيما يسمى بزواج المتعة حديثاً، وحَمْل الإماء على البغاء فيما سمَّاه القرآن الكريم، فقال عز وجل: ﴿ … وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:24\ 33]، وذلك حرصاً على سلامة المرأة من المخاطر التي تتعرض لها في شخصها، والفتك بالمجتمع إذا سلكت هذا السبيل الذي نهي عنه ربنا، ونهي عنه نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم
أيها المسلمون الكرام , نريد أن نغتم هذه الفرصة لإفهام النّاس معنى أهل السّنّة والجماعة فهما دقيقاً حتى يُدركوا مفهوم هذه المصطلح في ديننا الحنيف . وسنأخذ ذلك شيئاً فشيئاً أسبوعيّاً تدريجيّاً :
تعريفأهل السنة والجماعة :
لقب أهل السنة والجماعة يتركب من مفردين الأول السنة، والثاني الجماعة، ولتعريف المركب لابد من تعريف مفرديه، فالسنة في اللغة الطريقة وهي هنا الأخذ بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل، والاعتقاد.
والجماعة في اللغة :
عددُ كل شيءٍ وكثْرَتُه ، واختلف العلماء في تحديد معناها اصطلاحا على أقوال: فقيل هم الصحابة، وقيل : أهل العلم، قال الإمام الترمذي: “وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث”، وقيل : الجماعة ما وافق الحق ولو قل المتمسكون به، كما قال ابن مسعود : ” الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك ” وقال نعيم بن حماد : ” إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة “، وقيل الجماعة : هي السواد الأعظم المجتمعون على إمام يحكم بالشرع ويجانب الهوى والبدعة.
الدّعاء:
اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply