صِفات عِبَاد الرّحمن : (9)التَّوْبَةُ النَّصُوحة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الرّابعة لشهر جُمادَى الثانيَّة بتأريخ 28\6\1439هــ-16\3\2018م

حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (9)التَّوْبَةُ النَّصُوحة

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان:25\63-71] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85]. 

وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.

أمَّا بَعْدُ , 

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .

إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرّابع لشهر جُمَادَى الثَّانية , وَما زِلنا على مَوْضُوعِنَا العام : صِفَات عباد الرّحمن وقد تحدَّثْنَا عن ثماني صِفاتٍ تَفْصِيلاً , عَلَى التَّرتيبِ التّالي كما رتّبها الرّحمنُ الرَّحيمُ سبحانه وتعالى في مُحكم تنزيله في أواخر سورة الفرقان : التَّواضُع , والحِلْمُ , وقيامُ اللّيْل , والْخَوْفُ مِنَ النَّارِ , والاعتدال فِي الإنفاق و التَّوْحِيد واجتناب القتل واحترام الحياة واجْتِنَاب الزِّنَا. واليومَ –إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى – نُعَالِجُ الصِّفَةَ الثّامنةَ الّتِي هِيَ : التَّوْبَةُ النَّصُوحَة

أيّها الإخوة المُسلمون , 

لا زلْنَا مع (عباد الرّحمن ) , لا زلنا في رحاب القرآن , لا زلنا مع تلك الصّفوة المختارة من عباد الله , الّذين شرّفهم الله تعالى بالإضافة إلى نفسه , والعبوديّة له : عباد الرّحمن .

وصفهم الله بخير الأوصاف , في حالهم مع أنفسهم ومع النّاس , في ليلهم ونهارهم , معه سبحانه ومع خلقه . 

وصفهم بعمل الخيرات واجتناب السّيّئات , فإذا كان غيرهم يرتكب الموبقات : يدعون مع الله إلهاً آخر , أو يقتلون النّفس التي حرّم اللهُ بغير حقٍّ , أو يتورّطون في الزِّنى , فإنّهم لا يفعلون شيئاً من ذلك , ومن فعل شيئاً من ذلك , ومن فعل شيئاً من هذه الكبائر يلق أثاما : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ [الفرقان :25/68-69] .

هذا هو الآثام والنّكال الذي ينتظره , عذاب مضاعف يكرّر عليه ويُغلِّط , وعذاب الآخرة أشدُّ وأنكى وأخزى من عذاب الدُّنيا , إنّه ليس عذاب يومٍ ولا يَوْمَيْنِ , ولا شَهْرٍ ولا شَهْرَيْنِ , ولا سنةٍ ولا سنتَيْنِ , إنّهُ الْخُلُود:﴿ وَيُخْلَدُ فِيهِ مُهَاناً ﴾ .

وهو مع العذاب المادّيّ هناك إهانة نفسيّة معنويّة , إنّه يُخلد في هذا العذاب حقيراً مُهانا ذليلاً , لا وزن له ولا قيمة له , مهما كان مركزه في الدّنيا , ومهما كانت مكانته عند النّاس , فإنّه عند الله مُهانٌ ذليلٌ :﴿ وَيُخْلَدُ فِيهِ مُهَاناً ﴾ .    

هذا شأنُ من يرتكبون تلك الموبقات , ويقترفون تلك المنكرات . 

ولكن هل سُدَّ الباب عليهم ؟ هل قُطِّعت دونهم الأسباب , وغُلِّقت في وجوههم الأبواب , فلا رحمة ينتظرونها ولا عفو يرتقبونه ؟ لا , هنالك استثنى الله عزَّ وجلَّ فقال : ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:25/70-71] .

هكذا فتح اللهُ باب التّوبة على مصراعيه , وهذا من رحمة الله تعالى بعباده . 

عرف سبحانه ضعفهم , عرف تسلّط الغرائز عليهم , عرف وسوسة الشّيطان لهم , عرف أنّ الإنسان خُلِقَ ضعِيفاً , فكثيراً ما يُغرِي بالشُّرور , وكثيراً ما يتورّط في الآثام , وكثيراً ما تزلّ أقدامه , فيطيع الشّيطان , ويسير في ركابه , عرف الله ذلك من عباده ففتح لهم باب التّوبة . 

وهو سبحانه هو الّذي خلقهم هكذا , لأنّه سبحانه يُريد أن يتوب على عباده , فاسمه (التّواب) , وهو : ﴿.. يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 2/222] , واسمه (الغفّار) فمن شأنه أن يغفر , واسمه (العفو) فمن شأنه أن يعفو .

ولهذا لم يخلق الله هذا النّوع من خلقه ملائكة مطهّرين , وإنّما خلقهم بشراً لهم دوافعهم وشهواتهم , وغضبهم وغرائزهم , حتّى يُذنبوا فيستغفروا , فيغفر الله تعالى لهم , وفي الحديث الصّحيح : ” والّذي نفسي بيده لو لم تُذنبُوا لذهب اللهُ بكم , ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذنِبُون , فيستغفرون اللهَ , فيغفر لهم ” (رواه مسلم وغيره , من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب للقرضاوي : 2/ 822- 823 الحديث 1934) . 

التّوبة تجبّ الذّنوب كلّها , تغسل الإنسان من ذنبه , وتذهب به كما يذهب الماء بالوسخ , من تاب من الشّرك قبل الله توبته : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ .. ﴾

[الأتفال :8/ 38] . فالإسلام يجبّ ما قبله , والتّوبة تجبّ ما قبلها . 

اختلف بعض الصّحابة في توبة القاتل , لأنّ هناك حقوقاً ثلاثة : حقّ يتعلّق بالمقتول , وحقّ يتعلّق بورثة وأولياء دمه , وحقّ يتعلّق بالله . 

اختلف بعض الصّحابة في توبة القاتل , لأنّ هناك حقوقاً ثلاثاً : حقّ يتعلّق بالمقتول , وحقّ يتعلّق بورثة وأولياء دمه , وحقّ يتعلّق باللهِ .

قالوا : إذا تاب القاتل , وعفا اللهُ تعالى عنه وأسقط حقّه , وعفا الورثة عنه وأسقطوا حقوقهم بالصّلح أو الدِّية , فقد بقي حقّ المقتول .

ولكنّ الصّحيح أنّه إذا تاب توبةً نصوحا , وعفا عنه أولياء الدّم , فإنّ الله أهلٌ لأن يُرضي عنه المقتول يوم القيامة .

فالتّوبة تشمل كلّ الذّنوب , وهنا بعد أن ذكر اللهُ الشّرك , والقتل , والزِّنى , قال : ” إلّا من تاب ..” فهو يشمل الذّنوب الثّلاثة .

ولكن : أي توبة ؟ ما التّوبة المقبولة ؟ 

إنّها التّوبة (النّصوح) , والنّصح معناه : الخلوص من الغش , أي أنها ليست توبةً زائفة , ليست توبة مدخولة مغشوشة , ليست كتوبة الكذّابين الذين يتوبون بألسنتهم وقلوبهم مصرّةٌ على المعصية , لا .

إنّ للتّوبة مقوّمات وأركاناً لا بدَّ أن تتوافر لها :

أوَّلُ أركانها : النّدم , كما سُئِلَ أنسٌ وغيره من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم : أقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم : ” النّدم التّوبة ” ؟ قال : نعم .

وهذا يعني أنّه أعظم أركان التّوبة , كما قال : “الحجّ عرفة ” (رواه أحمد , وأصحاب السّنن , وابن حبان , والحاكم , والدّار القطني , والبيهقي , كلّهم من حديث عبد الرّحمن بن يعمر الدّيلمي (المقاصد الحسنة للسّخاوي برقم 394 )

النّدم : الأسى .. الحزن .. الحسرة التي تأكل القلب , يحترق الإنسان داخليّاً إذا تذكّر معصية لله , لا يهنأ له بال , ولا يسعد له حالٌ , ولا يطيب له نومٌ , لأنّه ذنبه _ كلّما تذكَّره – ينغّص عليه نهاره ويؤرّق عليه ليله .

إنّه شعور بالتّقصير أمام الله عزّ وجلَّ , يستجمع الإنسانُ في ذاكرته إساءته إلى اللهِ , وإحسان الله تعالى إليه , يتذكّر نعم الله تعالى عليه , ويتذكّر معصيته لله عزّ وجلّ , كما جاء في أحد الأحاديث القدسيّة : “إنِّي والجنّ والإنس في نبأ العظيم , أخلق ويُعبد غيري , وأرزق ويُشكَرُ غَيري ” (رواه الحكيم التّرمذي في نوادر الأصول , والبيهقي في شعب الإيمان ) , خيري إلى العباد نازل , وشرّهم إليّ صاعد , أتجبّ إليهم بنعمتي وأنا الغَنِيّ عنهم , فيتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليَّ” .

من يريد التّوبة يستجمع هذا , يستحضر آلاء الله ونعمه عليه , ويستحضر ذنوبه ومعاصيه مع الله عزّ وجلَّ , فينشأ من ذلك حالة ( النّدم ) , حالة الأسى والأسف , التي يذوب بها القلب كما يذوب الملح في الماء . ﴿ ﴾ []

وصف الله لنا نفسيّة التّائبين في سورة التّوبة ( التّوبة ) حين قال : ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التّوبة : 9/ 118] .

أنظروا : “ضاقت عليهم الأرضُ بما رحُبت” الدّنيا على سعتها ضاقت عليهم , وأنفسهم ضاقت عليهم , ” وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلّا إليه ” هذا هو شعور التّائب , هذا معنى ( النّدم ) , وهذا أوّل عناصر التّوبة ومقوِّماتها , إنّ النّادم هنا يغسل ذنوبه بدموعه .

الرّكن الثّاني للتّوبة : العزم المصمّم ألّا يعود إلى الذّنب : لا توبة إلّا بهذا العزم , أمّا إذا كان يتوب وهو بين بين , وهو يحنّ إلى المعصية , ولا يزال في قلبه تعلّق بها , ولا زال عقله يفكّر فيها , فهذه ليست توبة . 

لا بدّ أن يكون ساعة التّوبة قاطع العزم كحدّ السّيف , مصرًّا على ألّا يعود إليها , كما لا يعود اللّبن إلى الضّرع إذا خرج منه .

قد يضعف بعد ذلك , قد تخونه إرادته , قد يغلبه هواه , قد يصرعه شيطانه ويهزمه , فالمعركة بين الخير والشّرّ مستمرّة , ولكنّ المهمّ ساعة التّوبة يكون عازماً عزماً أكيداً ألّا يعود إلى الذّنب .  

الرّكن الثّالث : أنْ يُقلع بالفعل عَنْ ذَنْبِهِ :

التّوبة رجوع عن المعصية إلى الطّاعة , وعن السّيّئات إلى الحسنات , ورجوع من طريق الشّيطان إلى طريق الله , فلا بدّ أنّه يرجع .. أن يغيّر طريقه . أن يغيِّر مجراه .. أن يغيّر صُحبته , يستبدل مكانا بمكانٍ , وأناسا بأناسٍ , وأصحاباً بأصحابٍ , (كما أوصى الرّجل العالم ذلك الرّجل الّذي جاءه يسأله عن التّوبة  , وقد قتل مائة نفسٍ , فقال له : انطلق إلى أرضِ كذا وكذا , فإنّ بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم , ولا ترجع إلى أرضك فإنّها أرض سوء  (أنظر حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه , وقد أورده النّووي في باب التّوبة من كتابه الشّهير : رياض الصّالحين ) ” وأتبع السّئة الحسنة تمحها ” ﴿.. وأتبع السّئة الحسنة تمحها.. ﴾ (هو جزء من حديث أبي ذر رضي الله عنه-الذي رواه التّرمذي) 

إذا استجمعت هذه التّوبة شرائطها , فلا بدّ أن تُقبَل حسب سنن اللهِ سبحانه وتعالى , لأنّه وَعَدَ بِقَبُولِ التَّوبة : ﴿ .. ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ [التّوبة :9\118] .

وَلَكِنَّ هُناك شَرْطٌ مُهِمٌّ للتَّوْبَة :

التَّوبَة إذَا كانت بين الإنسانِ وربِّه , فالأمر فيها هيِّنٌ , ويقبلها اللهُ ولا شكَّ , ولكن المشكلة تنشأ إذا كان بينك وبين العباد حقوقٌ , وبخاصّة الحقوق الماليّة كالدّيون للنّاس عليك .

إذا كانت إغتصبت منهم مالا , أو سرقت , أو ارتشبت , أو غششتهم في تجارة , أو فعلت شيئاً من ذلك , أو أكلت وديعة أو أمانة عندك , فعليك أن تردَّها , بل قال العلماءُ : عليك أن تردَّها وتردَّ ربحها .

مثلا , إذا كان عندك مائة مليون نيرة , وبقيت عندك عشر سنين وربحت منها , فالمفروض أن تردّها وتردَّ ربحها إلى صاحبها , لأنَّها لو كانت عنده لنمت . 

جاء في الحديث الصّحيح : “يُغْفَرُ للشّهِيدِ كُلُّ ذَنبٍ إِلَّا الدَّيْن ” (رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : 1/398,   الحديث   731)

الشّهيد في سبيل الله تُغفَرُ ذُنُوبه كلّها , صغائرها وكَبائرها , إلّا الدّين . . إلّا حُقوق العباد .

فمن تاب توبة نصوحا : عليه أن يردَّ الحقوق إلى أهلها , فإن كانُوا قد ماتُوا يردُّها إلى ورثتهم , فإن كان الورثة ماتُوا , ردّ إلى ورثة الورثة .

﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)  ﴾ [الحشر:59\10]

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبُوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم .

الخطبة الثّانيّة :

إنَّ الحمدَ لله نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله، فلا مُضلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحْدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه وسلّم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين .

أمّا بعد , 

فعباد الله , قد فتحنا منذ الأسبوع الماضي باب مناقشة وبيان مفهوم أهل السّنّة والجماعة ووعدنا أنّنا سنأتي بالبيان شيئاً فشيئا تدريجيّاً , أسبوعيّاً . فنتقدّم اليوم بما يلي :

ألقاب أهل السنة والجماعة :

عرف أهل السنة والجماعة بألقاب هي علامات على صفاتهم، وهي في مجملها مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن تلك الألقاب:

1- الفرقة الناجية: وهذا الوصف مأخوذ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليأتيَنَّ على أُمَّتي ما أتى على بني إسرائيلَ حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إن كان منهُم مَن أتى أُمَّه علانية؛ لكان في أُمَّتي مَن يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملَّة، وتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار؛ إلا ملة واحدة. قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ) رواه الترمذي وحسنه الألباني . ووجه الدلالة أنه وصف الفرق كلها بالهلاك إلا واحدة حازت صفة النجاة واستبدت بها، وهي الجماعة التي اتصفت باتباع منهج السلف في الأقوال والأعمال والاعتقادات.

2- الطائفة المنصورة : وهذا الاسم مأخوذ من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) وفي رواية : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمون بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) رواه مسلم في صحيحه، ووجه الدلالة أن هذه الطائفة وإن مرت بها مراحل استضعاف إلا أن مآلها إلى النصر والتمكين إن شاء الله، وهي تمتاز بثبات عجيب في وجه المخالفين والمخذلين قائمة بأمر الله لا تأخذها في الله لومة لائم.

3- السلف الصالح : وسموا بذلك لاتباعهم نهج الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة التي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها في الجملة على سائر الأمة، فقال عليه الصلاة والتسليم : ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري .

الدّعاء:

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ . 

وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً. 

Leave a Reply