23rd J / Thanni 1442

(5th February,2021)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخُطْبَةُ الرّابعة لِشَهْرِ جُمَادَى الآخرة بتأريخ 23/6/1442هـــ- 5/2/2021م

حول: ظاهِرَة التَّرَفِ: أسبابٌ وآثارٌ وعلاجٌ

الحمد لله ربِّ الْعَالَمِينَ, الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: (ِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمّد:47/12], نحمده سبحانه وتعالى مَنَّ على مَنْ شاء مِنْ عِباده بهدايتهم للإيمان، وكره إليهم الكُفْرَ والفُسوقَ والعصيان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال والجلال والعظمة والسلطان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوثَ إلى كافة الإنس والجان، فبلَّغ رسالةَ ربِّه وبين غاية البيان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا العدل والأمن والإيمان وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد,

فعباد الله, أوصِيكُم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله, طبقا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا اتَّقُوْا الْلَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الْلَّهَ إِنَّ الْلَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ، وَلا تَكُوْنُوْا كَالَّذِينَ نَسُوْا الْلَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُوْنَ) [الحشر:59/18-19].

إِخوَةَ الإِيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرّابِعُ فِي شَهْرِ جُمَادَى الآخرةسَادِسِ الشُّهُورِ الإِسْلامِيّة , وَمَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَتَرَكَّزُ عَلَى : ظَاهِرَةِ التَّرَفِ : أَسْبَابٌ وَآثَارٌ وعلاجٌ

أيّهَا الْمُسْلمُون الْكِرَامُ, بين أهل الجنة وأهل النار بون شاسع , فهؤلاء ربطوا قلوبهم وأعمالهم في الدنيا بالله لنيل كرامته في الآخرة فأعطاهم من فضله ما لا بؤس بعده ولا شقاء أبداً. وأولئك أعرضوا عن الله فنهلوا من دنياهم بكل نهم وشره وقد ولوا لأوامر الله ورسالته ظهورهم , فلا فرق بينهم وبين الأنعام في النهم ونيل الملذات , ثم مآلهم العذاب المقيم الذي ينسي صاحبه أي لذة مع أول غمسة في النار. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد 12

إخوة الإسلام, يؤلم المسلمين ما يشاهدونه ويلمسونه من سلوكيات وظواهر اجتماعية، تنتشر بشكل كبير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتنافي توجيهات الدين الإسلامي وتخالفها، ومن بين تلك الظواهر السلبية حالات الترف في الإنفاق والصرف على وجوه مختلفة من متع الحياة وزينتها من قبل بعض المسلمين، فترى البعض منهم على سبيل المثال يَبني القصور ويُشيّد العمران الذي يناطح فيه السحاب وهو لا يحتاج إلى كل هذا في حياته بل يكون الهدف من ذلك التفاخر والتباهي بين الناس ترى بعض الأشخاص يُسرفون في الطعام والشراب فيُعدّ أحدهم في مناسبة من المناسبات موائد يضع عليها آلاف الأصناف من الطعام والشراب تكفي المئات وهو لا يدعو سوى العشرات من الناس إليها، وتراه يجلب الخدم وينفق على الزينة الكثير الكثير مما لا فائدة لها ولا طائل سوى الترف المحرم والبذخ الباطل، ولا شك بأن هذه المظاهر الاجتماعية السيئة تؤثر تأثيراً كبيراً على الفرد المترف نفسه، كما تؤثر على المجتمع الذي يعيش فيه.

منْ مَظَاهِر التّرف: أيّها الإخوة المسلمون, للتّرف مظاهر كثيرة, منها:

1- الإفراط في تناول الطعام والشراب

2-إنفاق الأموال الكثيرة في الملابس والاهتمام بالشهير منها

3- صرف الأموال في السيارات الفخمة ومتابعة الموديلات

4- التباهي في بناء المنازل وزخرفتها

5- الإفراط في الكماليات من الفرش والأثاث

6- ملاحقة التحف والأشكال الجمالية

7- بعد الإنسان عن مزاولة حاجاته الخاصة بنفسه والاتكال في ذلك على الخدم والمفاخرة بهم

8- تضييع ا لأوقات في وسائل الخروج والمزاح الزائد عن حدود الشرع ، حتى أصبح الترويح يحتاج إلى راحة.

أسباب الترف: عباد الله الكرام, للترف أسباب عديدة في الوقت الرّاهن, منها:

1- طول الأمل. 2- نسيان الموت

3-الغفلة عن ما أعده الله لعباده الصالحين 4- كثرة المال ووفرة النعم

5- التقليد الأعمى وضغط الواقع 6-الجهل بأضرار الترف وآثاره.

آثار الترف:

1- ضياع الأوقات وانتشار البطالة

2-عدم الحرص على الطاعة ، والتواصي عن القيام بما يقرب إلى الله تعالى من نوافل، الصلاة والصيام ، ومن المشاركة في الإصلاح والتربية والتعليم.

3- تتبع أقوال العلماء للأخذ بالأيسر منها

4-التعلق بالتوافه وضعف التفكير وقلة الإدراك ، وغياب . القدرة على النقد البناء ، وانتشار التقليد ، وسهولة التلاعب به واستدراجه إلى ما يراد منه بيسر وسهولة.

5-قسوة القلب وحرمان الفطنة ونسيان العلم بسبب قصر الهم والتفكير في مظاهر الحياة الدنيا .

6- ندرة محاسبة النفس وتقويمها ومراجعتها . مما يؤدي إلى الفتور والتراخي عن كثير من أعمال الخير التي كان يعملها وهو لا يشعر.

7- عدم القدرة على تحمل المصائب ، والصمود أمام الفتن والأحداث.

8-ترهل الأجساد وظهور السمنة مما أثقلها عن الأعمال الصالحة وأدى بها إلى أمراض كثيرة على الرغم من صغر السن.

9- انحراف المترف عن طريق الحق وهو لا يشعر نتيجة التوسع في المباحات

10- العجب بالنفس والتكبر على الآخرين.

علاج الترف:

إخوة الإيمان والتّقوى, لكلِّ داءٍ دواءٌ , فإنّما علاج التّرف ما يلي:

1- الرجوع إلى هدي السلف الصالح بقراءة سيرهم وأحوالهم ، مع دراسة واعية ودائمة لسيرة سيد الأنبياء والمرسلين.

2- تربية النفس على الفطام فلا يحقق لها كل ما تشتهيه وتطلبه

3-النظر إلى ملذات الحياة الدنيا وأنها زائلة إلى الدار الآخرة ، وتذكر ما أعد الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، وأن الترف مما لا يليق بالمسلم.

4-معرفة أن الترف ليس من أسباب السعادة فكم من مترف يتقلب في جميع النعم ومع ذلك تجد أن فيه من الأمراض النفسية ما تكدر عليه لذة تلك النعم ، مثل كثرة الوساوس ، وانشغال البال ، والقلق وغير ذلك.

5- التأمل في تبعات الترف في الآخرة ووقوف المرء بين يدي الله تعالى للمحاسبة

6-مجاهدة النفس على الإكثار من نوافل العبادات.

الْخُطْبة الثَّانية:

الحمد لله ربّ العالمين, نحمده سبحانه وتعالى ونشكُرُهُ ونُؤمن به ونتوكَّل عليه, ونصلّى ونسلّم على خير خلق الله, سيّدِ العرب والعجم, محمّدٍ رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.

أمّا بعد، فيا عباد الله, إنّه من الجدير بالذِّكر في الوقت الرّاهن هو الحديث عن ظاهرةٍ جاهلية منتشرة في مجتمعنا النيجيري عامة وفي بلاد يوربا خاصّةً, ألا وهي العصبية العنصريّة القبليّة الّتي قد حرّمها الإسلامُ تحريماً منذ أمدٍ مديدٍ.والتي أحدثها في هذا الأوان إنعدام الأمن في المجتمع. فعلينا أن نبيّن للأمّة الإسلاميّة موقفَ الإسلامِ منها.

إخوة الإسلام, كان العرب قبل الإسلام في تناحر دائم، وحروب طاحنة لأتفه الأسباب، تحكمهم العصبية القبلية، والنعرات الجاهلية، كما كان بين الأوس والخزرج، إلى أن جاء الإسلام، فأطفأ تلك النار، فألف بينهم على أساس الدين والإيمان ، قال تعالى: (واعْتَصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعا ولا تفرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عليْكُمْ إذْ كُنتُمْ أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) (آل عمران:103

فالعصبية: هي مناصرة من يهمك أمره في حق أو باطل، وقد نهى الإسلام عن التعصب لأي رابطة غير رابطة الدين والعقيدة، واعتبر الحمية والتعصب لغير رابطة الدين دعوة جاهلية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( قد أذهب الله عنكم عصبِّيَّةَ الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب ) الترمذي ، وقوله أيضا : (من قُتِل تحت راية عمِّيَّةٍ يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية ) رواه مسلم

فالإسلام قَّرر حقيقة واحدة يتعامل الناس بها، هي رابطة الدين والأخوة، وأن التفاضل بينهم يكون بالتقوى، لا بالعرق، ولا بالجنس, قال تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (الحجرات:10)، فهذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام، كالعصبية المعروفة بالقومية، وغيرها من الروابط لا يجوز.

الدّعاء: اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأهدنا سبل السلام، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، اللهم ألف بين قلوبنا رعاة ورعية، ووحد كلمتنا وصفوفنا، وأحفظ علينا مودتنا وأخوتنا، وطهر قلوبنا من الحقد والحسد والبغضاء، وجنبنا الخلاف والنزاع والشقاق والخصام، واصرف عنا شر الأشرار وكيد الفجار ياذا الجلال والإكرام.

اللهم آمنا في وطننا ، واجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا، ووفق رئيسنا محمّد بخاري ونائبه ووزرائه ووفقهم لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم كن للمستضعفين ناصرا ومؤيدا، اللهم انصرهم في فلسطين وفي بلاد الشام وفي اليمن وفي كل مكان.. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، ومن احتلال الغاصبين.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *