23rd Shaw’wal 1442.A.H
(4th June,2021 C.E)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الرابعة لشهر شوال بتأريخ 23\10\1442هــ-4\6\2021م
حول :فضل غض النظر عن الحرام
الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالَمِين, نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أمّا بعد، فَعِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرّاً وَجَهْراً إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَكافَة الْمَأْمُوراتِ وَالْمَنْهِيات قَالَ تَعالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 21)
إخوة الإيمان , أنعم الله -سبحانه- على عباده بالعديد من النعم؛ منها نعمة البصر التي قد تؤدي بالعبد إلى طريقين؛ فإمّا نيل رضى الله باستغلالها فيما أمر الله به مع شكره عليها، وإمّا باستحقاق غضبه بالنظر إلى المحرّمات والفواحش، ويُحسن بالمسلم شكر الله -تعالى- على ما أنعم عليه، واستغلال تلك النعم في أداء أمور وشؤون الحياة. فغضّ البصرفى الشريعة الاسلامية يتعلّق بثلاثة أمورٍ؛ وهي:
أولاً: صرف الإنسان لبصره عن النظر في أمرين؛ الأول: النظر فيما يظهر من عورات غيره من الناس،
والثاني: صرف النظر عن المرأة الأجنبية، وما تُظهر من زينتها، وغير ذلك من الشّهوات الواجب غضّ البصر عنها.
ثانيًا: عدم النظر إلى ما في بيوت الناس وعوراتها، فلا يجوز النظر في داخل البيوت إلّا بإذن أصحابها.
ثالثًا: عدم النظر إلى أحوال الناس، وما يملكون من الأموال، وما يوجد عندهم من حاجاتٍ متّعهم الله -تعالى- بها من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وبيتٍ وغيرها، أو إلى ما رزقهم الله -تعالى- من البنون والنساء، فتلك الأمور كلّها أرزاقٌ من الله، قال تعالى:"لا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم وَلا تَحزَن عَلَيهِم وَاخفِض جَناحَكَ لِلمُؤمِنينَ" (الحجر: 88)
ومن الأدلة الواردة على الأمر بغضّ البصر قوله تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ" (سورة النور 30- 31 )
وتُفسّر الآية الكريمة حسب الآتي:
يغضّوا من أبصارهم: أي يصرفوا نظرهم عمّا لا يحلّ لهم من العورات والنساء. ويحفظوا فروجهم: أي يحفظونها ممّا حرّم الله -تعالى-، ومن ارتكاب الفواحش. ذلك أزكى لهم: أي أنّ غضّ البصر أطهر وأنقى للنفوس.
ولا يبدين زينتهنّ: أي أنّ الواجب على النساء ألّا يُظهرن زينتهنّ التي فيها شيءٌ من الفتنة، ولا يُظهرن المواضع التي يُتزيّن بها عادةً. إلّا ما ظهر منها: يستثنى من ذلك ما يظهر لضرورةٍ ما دون قصد وإرداة الإظهار؛ كالثياب التي تظهر عادةً؛ مثل العباءة. وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ: أي يسترن صدورهنّ ونحورهنّ. بعولتهنّ: أي أزواجهنّ.
أو نسائهنّ: أي النساء المسلمات. أو ما ملكت أيمانهنّ: أي ما يُملك من العبيد والجواري.
أو التّابعين غير أولي الإربة: أي الرجال الذين لا غرض لهم في النساء، وأُطلق عليهم التابعين لأنّهم يتبعون أهل البيت للطعام والشراب. أو الطّفل الّذين لم يظهروا على عورات النّساء: أي الأطفال صغار السنّ وليس عندهم ما يدعوهم للنظر إلى النّساء، حيث لا شهوة لديهم.
وقد بيّن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ المواطن التي يتوجّب على الإنسان غضّ البصر فيها كثيرة، وقد وردت في بعض الأحاديث النبوية الشريفة، يُذكر منها:
– ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن الصحابي جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- أنّه قال: "سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن نَظَرِ الفُجَاءَةِ فأمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي" (مسلم)
ما رواه الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-: "إيَّاكُمْ والجُلُوسَ بالطُّرُقاتِ فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما لنا مِن مَجالِسِنا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فيها، فقالَ: إذْ أبَيْتُمْ إلَّا المَجْلِسَ، فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قالوا: وما حَقُّ الطَّرِيقِ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ بالمَعروفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ" (البخاري)
ومن فضائل غض البصر مايأتى :
1 – سلامة القلب وتخليصه من الشوائب والمفاسد التي قد تؤدي بالعبد إلى الوقوع فيما حرّم الله -تعالى-، ومن تلك الشوائب الحسرة التي تتولّد لدى العبد نتيجة النظر على ما يملكه غيره من العباد.
2 – الشعور بالسعادة والفرح والرضا والهناء والرغد في العيش؛ وذلك نتيجة مخالفة هوى النفس والشهوات بعدم النظر إلى ما حرّم الله -تعالى-.
3- طاعة الإنسان لله -تعالى- فيما أمر من ناحية الإبصار.
4 – الحفاظ على العلاقات الأسرية وحمايتها من العوامل التي قد تعمل على تفكّكها، وما يمكن أن يصيبها من أضرارٍ نفسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ.
5 – غفران ذنوب العباد وإبدالها بالحسنات، ودخولهم جنّات النّعيم، والتّمتع فيما أعدّ لهم الله -تعالى- فيها، فقد روى ابن عباس -رضي الله عنه- أن واحداً من الناس كان رديفاً للرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة، وكان الفتى يلاحظ النساء، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ابنَ أخي إنَّ هذا يومٌ من ملك فيه سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفر له)
6 – نيل الأجر والثواب العظيم؛ ومن تلك الأجور الارتقاء إلى أعلى المنازل؛ وهي منزلة المحسنين.
7- إنارة القلب والبصيرة بالإيمان والعمل الصّالح.
8- اقتداءٌ بفعل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ومن سار على نهجه.
9- دليلٌ على استشعار مراقبة الله -تعالى- له، وبالتالي الشعور بالحياء منه.
10- البعد عن الشهوات والفتن، وما تُوصل إليه من الفواحش.
11- الوقاية من دخول النار يوم القيامة.
12- حفظ الأنساب والأعراض
13- الشعور بالرّضا؛ إذ إنّه أدّى ما يُرضي الله تعالى
14- البُعد عن الشيطان وما يوسوس به.
15- تحسين العلاقات الزوجية وتوثيق الصّلات، وتوطيد أواصر المحبة بين الرجل وزوجته، من خلال اكتمال صورة العفاف بينهما، وحسن العشرة.
16- الحفاظ على المرأة وصون كرامتها

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا به، وتوحيدا بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا ، أما بعد:
معيناتٌ على غض البصر: توجد العديد من الأمور التي تعين العبد على غضّ بصره، وفيما يأتي ذكرٌ لبعضٍ من تلك المعينات:
– الانشغال بالأمور المفيدة والأعمال الصالحة؛ فالنفس بحاجةٍ لمن يشغلها بما صحّ من الأعمال، فهي بطبيعتها تميل إلى الإقدام والسعي والمثابرة في العمل، لذلك كلّما ارتقى العبد بها ليشغلها بالحقّ ارتقت معه، وإلّا أخذت به شيئاً فشيئاً نحو الباطل، ويُذكر من الأعمال الصالحة: حفظ القرآن الكريم، وقراءة الكتب ذات المحتوى المفيد.
– الإكثار من الصّوم، حيث حثّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الشّباب على الصيام إن لم يكن الزواج بمقدورهم، ودليل ذلك قوله: (دَخَلْتُ مع عَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ علَى عبدِ اللَّهِ، فَقالَ عبدُ اللَّهِ: كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَبَابًا لا نَجِدُ شيئًا، فَقالَ لَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ فإنَّه له وِجَاءٌ" (البخاري)
– الابتعاد عن كلّ أمرٍ أو مكانٍ فيه نظر السوء، أو فيه مدعاةٌ إلى ذلك، ومن ذلك الابتعاد عن جلساء ورفقاء السوء، والانقطاع عمّا يغضب الله -تعالى
– استشعار مراقبة الله -تعالى- لجميع العباد، واليقين بأنّه مطّلعٌ عليهم، ويعرف كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ عنهم، والشعور بالخوف منه تجاه ذلك، حيث قال -تعالى-: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ" (الغافر: 19)
– استحضار العبد للثواب العظيم والنعيم الذي أعدّه الله -تعالى- له في الجنة مقابل طاعة وعبادة الله والقيام بأوامره والانتهاء ن نواهيه.
– استغلال الأوقات التي يقضيها العبد في الطرق والانتظار بالأمور النافعة المفيدة.
– تذكرّ العبد بأنّ النعم التي يملكها من عند الله -تعالى-، والواجب على العبد تجاهها الشكر والثناء والحمد لمن منحه إياها، وليس استغلالها في المحرّمات.
– استحضار العبد أن جميع أعماله مسجّلة ومحفوظة؛ إذ إنّ الله أوكل تلك المهمة للملائكة.
– التّقرب من الله -تعالى- بأداء النوافل، مع الحفاظ على الفرائض والحرص على أدائها وعدم التفريط فيها؛ فذلك سببٌ من أسباب حفظ الجوارح.
– التفكّر في بعض الآيات الكريمة الدالة على غضّ البصر والأمر به والنهي عن إطلاقه.
– تعويد النفس وتربيتها على غضّ البصر.
– الحرص على صحبة الأخيار؛ حيث إنّهم يعينون على ذلك.
– التوجّه إلى الله -تعالى- بالدعاء وطلب العون منه في غضّ وكفّ البصر، والاستعانة به.
– محاسبة العبد لنفسه بين فترةٍ وأخرى.
– تذكرّ الثمار المترتّبة على غضّ البصر
ومن الجدير بالذكر أنّ الواجب على عباد الله عدم الذهاب إلى الأماكن الّتي يكثُر فيها تبرّج النساء الفاحش، ولكن إن كان لهم عذرٌ واضطروا للذهاب فإن الواجب عليهم أن يغضّوا أبصارهم قدر ما يستطيعون، وألّا ينظرون إلّا إلى الأمور التي أباح الله -تعالى- النظر إليها، وإن وقع النظر إلى محرّمٍ من غير قصدٍ فالواجب صرفه فوراً، وبذلك لا يؤثم، ولكن إن أطال نظره فعليه إثمٌ.
الدعاء : اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجاً, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *