12th Sha’aban 1442 A.H

(26th March 2021 C.E)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الثانية لشهر شعبان بتأريخ 12\8\2144هـ-26\3\2021م

حَوْل: كيف نستعد لشهر رمضان؟

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ الَّذِي جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرَ مَغْفِرَةِ وَهُدَى وَرَحْمَة وَبُشْرَى لِلْمُؤمِنِين الْعَامِلِين بِإِيمَانِهِمْ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: ١٨٣). نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ إنَّهُ مَنْ يهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تعظيماً لشانه ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ؛ الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفَ: " «‌إِذَا ‌دَخَلَ ‌شَهْرُ ‌رَمَضَانَ، ‌فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»" (رواه البخاري). والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَليه وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

أمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, اتقوا الله -عز وجل- وحاسبوا أنفسكم حساباً دقيقاً يدفعكم إلى تلافي التقصير والبعد عن السيئات، كما يدفعكم إلى مضاعفة الجهد، ومواصلة العمل لكسب مزيد من الحسنات، ونيل أعلى الدرجات.

إِخْوَةَ الإِيمَان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثَّاني فِي شَهْرِ شَعْبَانِ وَقَدْ قاربنا النِّصْفَ مِنْ شَعْبَانَ فَنَحْنُ فِي مَسِيسِ الْحَاجَة إِلَى الاسْتِعْدَادِ لِشَهْرِ رَمَضَانِ. إذاً, فَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ هو : كيف نستعد لشهر رمضان؟.

أيها المسلمون الكرام اعلموا أن رمضان موسم غير عادي لأهل التجارة مع الله تعالى، وذلك لعلمهم بفضيلة الشهر وعظيم مكانته، فهو شهر جليل وعظيم ينبغي التعامل معه بخصوصية تامة ففيه من الفضل ما هو معلوم.
وقد تختلف أحوال الناس مع رمضان:

– فمن الناس من يعتبر مجيء هذا الشهر عبئاً ثقيلاً عليه يتمنى زواله فلا يرى فيه إلا الحرمان .. هؤلاء دخل عليهم رمضان ثم خرج دون أن يترك فيهم أثرًا أو يحدث لهم ذكراً.

– ومنهم من استشعر قيمته فَشَمَرَ سواعدَ الجد واجتهد غاية الإجتهاد في الإتيان بأكبر قدر من الطاعات دون الإهتمام بحضور القلب فيها … ولم ينظر إلى الهدف الأسمى الذي يرنو الصيام إلي تحقيقه. ومما لا شك فيه أن هؤلاء يشعرون بأثر طيب في قلوبهم .. هذا الأثر سرعان ما يزول بعد انتهاء رمضان بأيام قلائل.

– وهناك صنف من الناس اعتبر رمضان فرصة نادرة لإحياء القلب وإيقاظه من رقدته وإشعال فتيل التقوى وجذوة الإيمان فيه. وعلم هذا الصنف أن شهر رمضان ما جاء إلا ليقرب الناس من ربهم ويزيد من صلاتهم به، ويقطع عن قلوبهم صلتها بالدنيا فهو يزود القلوب بخير زاد. ومما لا شك فيه أن الصنف الأخير هو الفائز الأكبر من رمضان فلقد أصلح من خلاله قلبه وانطلق به في طريق السائرين إلي الله.

كيف يستعد المسلم لشهر رمضان ؟؟

أولاً : الاستعداد النفسي والعملي لهذا الشهر الفضيل :

• ممارسة الدعاء قبل مجئ رمضان ومن الدعاء الوارد :
أ- ( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَناَ فِي رَجَب وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ ).
ب – ( اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي إِلَى رَمَضَانَ وَسَلِّمْ لِي رَمَضَانَ وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلاً ) .
ملاحظة : لم تخرج الأدعية ضمن المطوية والأول ضعفه الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع ( 4395 ) ولم يحكم عليه في المشكاة والثاني لم نجده في تخريجاته.
• نيات ينبغي استصحابها قبل دخول رمضان : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث القدسي ( إِذَا ‌تَحَدَّثَ ‌عَبْدِي ‌بِأَنْ ‌يَعْمَلَ ‌حَسَنَةً ‌فَأَنَا ‌أَكْتُبُهَا ‌لَهُ ‌حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)
ومن النيات المطلوبة في هذا الشهر :

1. نية ختم القرآن لعدة مرات مع التدبر .
2. نية التوبة الصادقة من جميع الذنوب السالفة .
3. نية أن يكون هذا الشهر بداية انطلاقة للخير والعمل الصالح وإلى الأبد بإذن الله .
4. نية كسب أكبر قدر ممكن من الحسنات في هذا الشهر ففيه تضاعف الأجور والثواب .
5. نية تصحيح السلوك والخلق والمعاملة الحسنة لجميع الناس .
6. نية العمل لهذا الدين ونشره بين الناس مستغلاً روحانية هذا الشهر .
7. نية وضع برنامج ملئ بالعبادة والطاعة والجدية بالإلتزام به .

المطالعة الإيمانية : وهي عبارة عن قراءة بعض كتب الرقائق المختصة بهذا الشهر الكريم لكي تتهيأ النفس لهذا الشهر بعاطفة إيمانية مرتفعة .
إقرأ كتاب لطائف المعارف ( باب وظائف شهر رمضان ) وسوف تجد النتيجة .
• صم شيئاً من شعبان فهو كالتمرين على صيام رمضان وهو الاستعداد العملي لهذا الشهر الفضيل تقول عائشة رضي الله عنها ( وما رأيته صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً منه في شعبان ) .
• استثمر أخي المسلم فضائل رمضان وصيامه : مغفرة ذنوب ،عتق من النار، فيه ليلة مباركة، تستغفر لك الملائكة ، يتضاعف فيه الأجر والثواب ،أوله رحمة وأوسطه مغفرة … الخ . استثمارك لهذه الفضائل يعطيك دافعاً نفسياً للاستعداد له .
• استمع إلى بعض الأشرطة الرمضانية قبل أن يهل هلاله المبارك .
• تخطيط : أ – استمع كل يوم إلى شريط واحد أو شريطين في البيت أو السيارة . ب- استمع إلى شريط ( روحانية صائم ) وسوف تجد النتيجة .
• قراءة تفسير آيات الصيام من كتب التفسير .
( اجْلِسْ بِنَا نَعِشْ رَمضَان ) شعار ما قبل رمضان وهو عبارة عن جلسة أخوية مع من تحب من أهل الفضل والعمل الصالح تتذاكر معهم كيف تعيش رمضان كما ينبغي ( فهذه الجلسة الإيمانية تحدث أثراً طيباً في القلب للتهيئة الرمضانية ) .

ثانياً: الاستعداد المالي والاقتصادي: تخصيص مبلغ مقطوع من راتبك أو مكافأتك الجامعية لهذا الشهر لعمل بعض المشاريع الرمضانية مثل:
1. صدقة رمضان .
2. كتب ورسائل ومطويات للتوزيع الخيري .
3. الاشتراك في مشروع إفطار صائم لشهر كامل .
4. حقيبة الخير وهي عبارة عن مجموعة من الأطعمة توزع على الفقراء في بداية الشهر .
5. الذهاب إلى بيت الله الحرام لتأدية العمرة .

ثالثاً: الاسْتِعْدَادُ الْعِلْمِي:

• تعلم فقه الصيام ( آداب وأحكام ) من خلال الدروس العلمية في المساجد وغيرها .
• حضور بعض المحاضرات والندوات المقامة بمناسبة قرب شهر رمضان .
• تهيئة من في البيت من زوجة وأولاد لهذا الشهر الكريم .( من خلال الحوار والمناقشة في كيفية الاستعداد لهذا الضيف الكريم – ومن حلال المشاركة الأخوية لتوزيع الكتيبات والأشرطة على أهل الحي فإنها وسيلة لزرع الحس الخيري والدعوي في أبناء العائلة )

رَابعًا: الاسْتِعْدَادُ الصِّحِيّ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُومَ بِالكَشْفِ الطِّبِّي حَتَّى يَفْحَصَ عَنْ مَا فِي جَسَدِهِ مِنَ الأمْرَاضِ الّتِي قَدْ يَمْنَعُهُ مِنَ الصِّيَامِ أَوْ مِنْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ ثَلاثِينَ يَوْماً أَوْتِسْع وَعِشْرِينَ يَوْماً. وَإِذَا أَدْرَكَ أَنَّ فِي جَسَدِهِ شَيْئاً مِنَ الأَمْرَاضِ عَالَجَهُ قَبْلَ بِدَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ.

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الآياتِ والبيان، أقول هذا القولَ، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً لِمَن أراد أن يتذكَّر أو أراد شكورا، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد،. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: إن الأصل في أحكام القضاء مشروعية المبادرة به، وتقديمه على النفل والتطوع، ولكن مع هذا يجوز تأخيره حتى يضيق الوقت فلا يبقى من شعبان إلا بقدر ما يتمكن من قضاء الواجب عليه، وعلى العبد أن يحتاط في ذلك، وقد يصعب قضاء يوم واحد إذا تثاقل المسلم، وسوَّف، بل قد يدخل عليه رمضان ولم يقض ذلك اليوم.

وهذه ثمرة من ثمار التسويف والتأجيل في الأعمال كلها، وهذا فيمن قدر على القضاء، وأما من استمر معه العذر، كالمريض الذي يرجى زوال مرضه، لكن استمر معه مرضه ولم يتمكن من القضاء حتى مات، فإنه لا شيء عليه ولا على ورثته.

وأما مَن تمكَّن وقدر على القضاء، لكنه سوَّف وفرَّط في ذلك حتى مات قبل أن يقضي، مع تمكنه وقدرته على القضاء فإنه في الحالة هذه يصوم عنه أولياؤه جميع الأيام التي تمكَّن من قضائها ولم يقضها، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه". والمراد بالولي قريبه، سواء كان ممن يرثه أو لا، فإذا لم يكن له ولي، أو كان له ولي ولكن لم يصُم عن قريبه الذي توفي وعليه صوم، فإنه يطعم عن الميت من تركته، عن كل يوم مسكين، لعدد الأيام التي تمكن من قضائها ولم يقضها.

ومن كانت عليه أيام من رمضان وشكَّ في عددها فعليه أن يحتاط في ذلك ويعمل باليقين، فإن تردد فعليه خمسة أيام أو ستة، فليجعلها ستة؛ عملاً باليقين، واحتياطا، وإبراء للذمة.

أيها الإخوة المسلمون: هذه بعض أحكام القضاء، فعلى كل مسلم ومسلمة وجب عليهم القضاء وقدروا عليه أن يبادر الواحد منهم إلى ذلك، وينتهز بقية هذا الشهر، إذ لم يبق منه إلا القليل، وعلى الأب والزوج والأم تنبيه ما تحت أيديهم من الأبناء والبنات والزوجات على وجوب القضاء، وضرورة المبادرة به.

وكذلك يجب على الأسر تنبيه العاملات لديها من المسلمات على وجوب القضاء، فإن كثيراً من الخادمات المسلمات يجهلن وجوب القضاء؛ ظناً منهن أن الصوم مثل الصلاة، وقد جاء النص مفرِّقاً بين الصوم والصلاة، فأوجب على الحائض قضاء الصوم وأسقط عنها قضاء الصلاة، وكل ذلك رحمة من الله وتخفيفاً؛ لأن الصوم لا يتكرر في العام، بل هو شهر واحد في السنة، بخلاف الصلاة التي تتكرر يومياً فيصعب قضاؤها، خلاف الصوم الذي لا يتكرر فإنه لا يشق قضاؤه.

نسأل الله -عز وجل- أن يبلغنا شهر رمضان، ويسلمه لنا ويسلمنا له، ويجعله لنا ولإخواننا المسلمين شهر توبة نصوح، وشهر تكفير للسيئات، ومضاعفة للحسنات، وشهر انتصارات للإسلام والمسلمين، وجمع كلمتهم على الطاعة والتقوى والشريعة في مشارق الأرض ومغاربها.

هذا وصَلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله- على نبيكم محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *