26th Sha’aban 1442 A.H
(9th April

بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الرابعة لشهر شعبان بتأريخ :26/8/ 1442ه 9/4/ 2021م)
الموضوع: كيف نغتنم شهر رمضان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا. وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهُ الأولين والآخِرين، لا إله إلا هو الرحمنُ الرحيمُ، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَنِ اتبع سنته بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
أما بعدُ:
فاتقوا اللهَ عبادَ الله، اتقوا الله تعالى وتزَّودوا بتقواه، ليومِ لِقاهُ جلَّ في علاهُ؛ فإن التقوى خيرُ ما تزودتم به للقاء اللهِ عز وجل.. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
أظلَّكم – أيها المؤمنون – شهرٌ كريم، ومَوسِم عظيم، فها هو رمضان يطرُق الأبواب، يُرتقَب هلالُه عند أربع أو خمس ليال، فلا إله إلا الله، ما أسرعَ مرَّ الليالي وتعاقُبَ الأيام، وما أعجلَ دورانَ رحى الزمان، فالليالي والأيام تُطوى، والأعمار والأعوامُ تفنى.

أيها المؤمنون.. إن خير ما تُستقبَل به مواسم البر والطاعة، أن يُقبِل فيها العبدُ على الله عز وجل بالتوبة، والمغفرة، والإنابة، وطلب الاستعتاب.
إن خير ما تُستقبل به هذه المواسم المباركة، أن يستقبلها العبد بنفس نقية من الذنوب والخطايا، تائبة إلى الله عز وجل، من كل قصور وتقصير، ولا عَجَبَ فالاستغفار والتوبة عبادةُ الزمان الذي لا يَنقضي أجله، ولا ينتهي أمله إلا بمفارقة الرُّوحِ البدنَ.
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».. فاستغفروه وتوبوا إليه – أيها المؤمنون – لعلكم تفلحون. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ افرحوا بفضل الله ورحمته، وإدراككم مواسم الخير والبر؛ فإنها من خير ما يُفرح به.. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ سورة يونس/٥٨

افرحوا برمضان لما فيه من أسباب الفوز بالجِنان، والنجاة من النيران، هكذا المؤمن يفرح بكل ما يقرِّبه إلى الله، وينجيه من سيئ الأعمال، وسوء الخواتيم والعواقب.. المؤمن يفرح برمضان، يصوم نهاره، ويقوم ليله، ويُقبِل فيه على ربه، يسأله من خير الدنيا والآخرة، يحقق تقواه، ويرغب في الزيادة منه، فيُسَرّ ويَبتهِج.. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة يونس/٦٤
أيها المؤمنون.. إن المؤمن يفرح برمضان؛ لأنه يقبل فيه على القرآن الذي من استمسك به هُدي، ومن أعرض عنه هَلَك، الذي من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفَه ساقه إلى النار، يفرح المؤمن برمضان؛ لأنه يستذكر آيات الله عز وجل، ويتدبر ما فيها من المعاني والعِظات، فينشرح صدره، وتكثر هداياته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستكثر من قراءة القرآن، ويعارض جبريل – أي: يدارسه – القرآنَ كلَّ ليلةٍ.
يفرح المؤمن برمضان؛ لأنه شهر الجود، الذي تجود فيه النفوس بالطاعة، وتجود فيه النفوس بالإقبال على الله، وتجود به الأيدي بالسخاء، وتجود فيه الأبدان بالإعانة والسعي في مصالح الخلق، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة، ذاك أثر القرآن وأثر الصيام، وأثر مدارسة القرآن وتدبره..

أيها المؤمنون.. تقربوا إلى الله، فرصة فُتح لكم فيها باب من أبواب الخير، باب من أبواب الجنة، فرمضان تفتح فيه أبواب الجنان، وتعان فيه بأنواع من الإعانات فيكفّ عنك عدوك، تُصفد الشياطين، فتشجع نفسك إلى كل بر، يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، فاعمروا قلوبكم بالنوايا الراشدة، والعزائم الصادقة، واعمروا هذا الشهر بصالح العمل، وخططوا لشهركم من تلاوة القرآن، وملازمة المساجد، وكثرة الإحسان، والبعد عن سيئ الأعمال، واحذروا أولئك الذين يزينون لكم الشر والفساد، فضلًا عن أولئك الذين يدعونكم إلى مواقعته، والاستكثار منه، فشهر رمضان شهر توبة وأوبة.

لذلك لما قال جبريل «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ»، قال صلى الله عليه وسلم «آمِينَ».
أيها المؤمنون.. عباد الله، شهر رمضان شهر بر وطاعة، يَتقرب فيه الناس بألوان من القربات، فخذ من كل صالحة بنصيب، وحافظ على الصلاة في المساجد في صلاة الفرائض، وأكثِر من تلاوة القرآن، واحرِص على ملازمة المساجد في صلاة التراويح، فمَن صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة، ولو كانت صلاة الإمام قصيرة.
حدد لنفسك جزءًا من القرآن تقرؤه كل يوم؛ لتمر على القرآن في شهرك، واحرص على تدبر الآيات واستماع المواعظ، وجنب نفسك أصحاب السوء، ومجالس السوء، ومرائي السوء، ومسامع السوء، وشبكات التواصل التي ترديك، أو توقعك في المعصية والإساءة.
إنها فترة إصلاح قلب، وإصلاح عمل، وإقبال على الله، وتزوُّد بالخير، فلا تملأ دواوينك بسيئ الأعمال في شهر رمضان، ولا تملأ دواوينك بما يغضب عليك العزيز الغفار.. أعطاك فرصةً وأعانك، فلا تخذُل نفسك، ولا تقعد عن صالح العمل، بل بادر، وعليك بتلاوة القرآن وصالح العمل في هذه الأيام، والقيام بما يرضي الله تعالى به عنك؛ لتفوز بالعطايا والهبات، وفتش نفسك في الفرائض، ثم تقرب إلى ربك بسائر أنواع الصالحات والطاعات من المستحبات، فـ«مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الله أكبر، حتى يحبك الله..
وطريق ذلك في خطوتين: الأولى: القيام بالواجبات؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وحقوق الوالدين، وحقوق الخلق، فتش نفسك في الواجبات والخطوة الثانية: النوافل.. فاستكثر من كل صالح، وأبوابُ الخير مفتوحة، وأنواعه مشرعة، وليس عليك حد في نوع من الأنواع، فما تجد فيه قلبك مقبِلًا، فأقبل واستكثر، ومن استكثر فإنما يستكثر لنفسه، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.
ثم بعد ذلك لا تنس أن تلحَّ على الله بحوائجك، فكم من حاجة تُقضى في هذا الشهر المبارك، فسل الله عز وجل صادقًا مقبلًا على الله عز وجل، بقلبك وقالبك، وعظيم افتقارك له، ويقينك أنه لا معطي لما منع، وأقبل على الله بالدعاء في صيامك، وفي صلاتك، وفي ليلك، وفي نهارك، فما أحوجنا للدعاء، فاسأل الله وادعه جل في علاه، في كل حوائجك الخاصة والعامة، وارغب إليه، فكل خير من قِبله، وكل شر يندفع به سبحانه وبحمده، لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبلغنا وإياكم مرضاته، وأن يرزقنا وإياكم صدق الإقبال عليه، وأن يعيننا على صالح العمل، وأن يوفقنا إلى الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا، وأن يجعل شهر رمضان شهرًا داخلًا علينا بكل مبرة وخير وسعة وسعادة وفرج، وأن يعيذنا وإياكم من نزغات الشياطين، وأن يصرف عنا السوء، إنه عزيز حكيم.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده حق حمده، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَنِ اتبع سُنته، واقتفى أثَره بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واحفظوا زمانكم بطاعة الله والبعد عن معاصيه، تقربوا إليه بكل صالحة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، أمر بالمعروف صدقة، نهي عن المنكر صدقة، تبسمك في وجه أخيك صدقة، واتقِ النار ولو بشِق تمرةٍ. فلا تبخل على نفسك؛ فإنه مَن يبخل فإنما يبخل على نفسه.
واعلموا بارك الله فيكم أن إطعام الطعام من صفات الأبرار، قال الله جل في علاه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ يعني من أحب ما يطعمون، وهذا ينبه إلى أن الذي يخرج ليس هو الرديء أو ما لا تريده أو ما لا تشتهيه قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: رغم محبتهم له ورغبتهم فيه ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ .

والنبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ»، وهو في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو، وهو دال على أن إطعام الطعام، وإفشاء السلام من أفضل الأعمال بعد الفرائض والواجبات. فاجتهدوا في هذا العمل الصالح.
ولا يختص ذلك بتفطير الصائمين، بل في كل الأوقات، وفي رمضان على وجه الخصوص، فهو شهر الجود.
وأما تفطير الصائمين فقد جاء فيه جملة من الأحاديث؛ منها حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ دُونَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» فالأجر موفور للمفطِّر والمفطَّر، وفضل الله واسع.

أسأل الله عز وجل أن يجمعنا وإياكم على طاعته، وأن يصرف عنا وعنكم سيئ الأعمال وفاسدها، وأن يجعلنا من عباد الله المتقين وحزبه المفلحين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأعذنا من نَزَغَات الشيطان، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والرشاد والغنى. اللهم أمِّنا في أوطاننا، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، واصرف عنا السوء والفحشاء، وخذ بنواصينا لما تحب وترضى، وأعنا على الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا. اللهم تقبل توبتنا، واغفر زلتنا، وأقل عثرتنا، وأحسن عاقبتنا، واجعلنا من أوليائك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *