ماذا بعد الحجّ ؟ 1439هــ, 2018م

ماذا بعد الحجّ ؟ 1439هــ, 2018م Download Khutba here

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْخُطْبَةُ الرَّابِعَة لِشَهْرِ ذِي الْحِجَّة 20\12\1439هـ-7\9\2018م

حَوْلَ: مَاذَا بَعْدَ الْحَجَّ؟

اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرامِ سَبَباً فِي ثَبَاتِ الْعَبْدِ عَلَى الدَّوَامِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ،القَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿  ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {الحجِّ:22\27-28} وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له غفرَ لِمَنْ حَجَّ البيتَ فلمْ يرفُثْ ولَمْ يفسُقْ جميعَ الذنوبِ والآثامِ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ خير من حجّ وصام، وداوم على طاعة ربّه واستقام؛الْقَائِل فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلاَ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” {متفق على صحته}، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.

أمّا بعد:

فأُوصِيكم- عبادَ اللهِ- ونفسِيَ بتقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فإنَّها سببُ تفريجِ الكروبِ وغُفْرانِ الذُّنوبِ، وبَسْطِ الأرزاقِ ودخولِ جنَّةِ النعيمِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:65\  2-3). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾{الطَّلاق:65\4}, ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ {الطَّلاق:65\5}.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرّابعُ لِشَهْرِ ذِي الْحِجَّة, شَهْرِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَبَعْدَ عَوْدَةِ الْحُجَّاجِ مِنْ بَيْتِ اللهِ الْمُحَرَّمِ. وَنَرَى أَنْ نُوصِيَ الْحُجَّاجَ وَنُبَيِّنَ لَهُمْ مَسْؤُولِيَاتِهِمْ بَعْدَ مَنَاسِكِهِمْ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّي وَسَائِرِ الأمْكِنَة الْمُقَدَّسَة. وَنَسُوقُ الْحَدِيثَ الْيَوْمَ إِلَى: مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟: وفي الأسبوعين الماضيَيْنِ تَحَدَّثْنَا عَنْ عِيدِ الْأَضْحَى : دُرُوسٌ وعِبَرٌ , والْحَجِّ والْعُمْرة : دُروسٌ وَعِبَرٌ عَلَى التّوالي. ونرَى أنّه مِنَ المُستَحْسَن أن يَعْقِبَ الْمَوْضُوعَيْنَ إرْشَادُ الْحُجَّاجِ الْجُدُد. فقد قال تعالى : ﴿وذَكِّرْ فَإِنّ الذِّكرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذّاريات:51/55].

 مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟ :

أَيُّها الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, فَفِي الأيامِ القليلةِ الخاليةِ من هذا الشهر قضى الحجّاجُ عبادةً من أعظم العبادات، وقربةً من أعظم القربات، وعاش المسلمون أجواء الطاعة في العشر الأول الفاضلات، وضجتْ بالافتقار إلى الله كلُّ الأصواتِ بجميع اللغات، وهملتْ دموع التوبةِ في صعيد عرفاتٍ على الوجنات، وراح الحجّاج يتقلّبون بين هاتيك العرصاتِ، وفي تلك البقاعِ الطّاهرات؛ حتّى أدّوا مناسكَهم، وأتمّوا حجّهم في رحلةٍ هي من أروع الرَحلات، ثمّ عادوا بعدها إلى ديارهم فرحين مسرورين بما نالهم في رحلتهم من الفضلِ والخيراتِ والرّحماتِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58].

غير أنّ هاهنا سؤالاً يطرح نفسه، وهو: ماذا بعد الحج؟! وكيف هي حال العبد بعد فريضة الحجّ؟!

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن الحج ميلاد جديد، وأوّل ما ينبغي أن يُفتتح به هذا الميلاد هو: توبةُ العبدِ لربِّه، وعزمُه على إصلاحِ شأنِه كلِّه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31].

 وإن من الخطأ الكبير أن يظن الإنسان أن مواسم الطاعات فرصة للتخفُّف من الذنوب والسيئات، ثم إذا ذهبت هذه المواسم وقع بعدها في المخالفات، وتنتهي فترة إقباله على الله تعالى بانتهاء تلك المواسم والأيام الفاضلات، والحال أنّه يجب على المسلم أن يجعل مواسم الخير محطّة تحوّل كامل لواقعه وحياته؛ من حياة الغفلة والإعراض عن الله، إلى حياة الاستقامة والإقبال على الله.

وإنّ من إغواء الشيطان وخداع النفوس الأمّارة بالسوء أن ينتكس كثير من الناس بعد الحج على عقبيه، ويعود إلى سالف ذنوبه ومعاصيه، وربنا سبحانه ينادينا بنداء الإيمان أن نستقيم على شرعه، ونستجيب له ولرسوله، ونتقيه حق تقاته، ونعبده حق عبادته في حياتنا إلى مماتنا، قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ (الأنفال:8\  24), ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:3\ 102 ].

وهذا يقتضي منا أن نقف مع أنفسنا بعد رحيل ذاك الموسم العظيم والأيام الفاضلات جملة من الوقفات:

الوقفة الأولى:

نَتَذَكَّرُ فِيهَا عَظِيمَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْنَا، حيث إنه مع كثرة ذنوبنا وعظيم خطايانا وزللنا؛ يكرمنا الرحيم الرحمن بالوقوف بين يديه، وأن نستغفره ونستهديه؛ يكرمنا بأن ييسر لنا الحج ليغفر لنا ذنوبنا وخطايانا؛ فما أكرمه من إله واحد أحد، وما أعظمه من رب غفور رحيم تنزه عن الصاحبة والولد ﴿وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:16\ 53]، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:16\  18].

الوقفة الثانية:

كيف يقابل المؤمن هذه النعمة الإلهية والمنحة الربانية؟!

إنّ ذلك لا يكون إلا بالشكر لربّه، والإنابة إلى خالقه؛  و﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾

[الرحمن:55\ 60 ] ،  وليس الشكر محصوراً في الشكر اللساني كما يظنّ بعض الناس، بل هو عامٌّ يشمل الشكر القلبي؛ بحيث يظل قلبك متعلقًا بخالقك، مستشعرًا نعمته عليك، ويشمل أيضاً الشكر العملي، بحيث تكون بعيدًا عن كل ما يغضبه عليك، قريبًا من كل ما يحبه ويرضاه منك، وقد قال تعالى مبينًا هذا المعنى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:34\ 13].

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ {إبراهيم: 14\7}.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان –كما في الصّحيحين-؛ فيقال له: يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيجيب صلوات ربي وسلامه عليه مُعلِّمًا الأمّةَ حقيقةَ الشكرِ: (أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا).

الوقفة الثالثة:

إن للحج المبرور أمارة، ولقبوله منارة؛ فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما الحج المبرور؟ فقال: (أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة). فينبغي أن يكون حجُّنا باعثًا لنا إلى المزيد من الخيرات وفعل الصالحات، وحاجزًا لنا عن مواقع الهلكات، ومانعًا لنا من الوقوع في الآفات والمخالفات.

وَاعْلَمُواْ أَنَّ الْحَاجَّ الَّذِى اسْتَفَادَ مِنْ حَجِّهِ وَأَسْرَارِهِ وَدُرُوسِهِ وَآثَارِهِ: هُوَ مَنْ عَادَ بَعْدَ حَجِّهِ إِلىَ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ بِالْخُلُقِ اْلأَكْمَلِ وَالْعَقْلِ اْلأرْزَنِ وَالْوَقَارِ اْلأَرْصَنِ وَالْعِرْضِ اْلأصْوَنِ وَالشِّيمِ الْمَرْضِيَّةِ وَالشَّجَايَا الْكَرِيمَةِ, وَعَادَ بِحُسْنِ الْمَعَامَلَةِ, كَرِيمِ الْمَعَاشرَةِ ِلأهْلِهِ وَأَوْلاَدِهِ, طَاهِرِ الْفُؤَادِ, وَكَانَ نَاهِجًا مَنْهَجَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالسَّدَادِ.

وإذا كان الحاج منذ أن يُلبي وحتى ينقضي حجه وينتهي: كلُّ أعمالِ حجِّه ومناسكه تعرِّفه بالله، وتذكِّره بحقوقه جلّ في علاه، وأنه لا يستحق العبادة سواه، ولا تُسلَم النفس إلا إليه سبحانه؛ فكيف يهون على الحاج بعد ذلك أن يصرف حقًا من حقوق الله من الدعاء والاستعانة والذبح والنذر إلى غيره؟! وأيُّ حج لمن عاد بعد حجه يفعل شيئًا من ذلك الشرك الصريح والعمل القبيح؟! وأيُّ أثر للحج فيمن عاد بعد حجِّه مضيعًا للصلاة، مانعًا للزكاة، آكلاً للرِّبا، آخذا للرُّشا، قاطعًا للأرحام، والغًا في الموبقات والآثام؟!

إنّ من لبى في الحج للرّحمن عليه أن يّلبّي له بالطّاعة في كل مكان وزمان؛ فإنّ معنى التّلبية: إجابة لك بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة، ومن امتنع عن محظورات الإحرام أثناء حجّ بيت الله الحرام، فليعلم بأنّ هناك محظورات على الدوام، وطول الدهر والعام؛ فليحذر إتيانها وقربانها؛ يقول جلّ وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾[البقرة:2\ 187].

الوقفة الرابعة: وَصَيَّةٌ لِلْحُجَّاجِ:

التزام التقوى والاستقامة بعد الْحَجِّ؛ فإنّ الله تعالى ذكّر بالتّقوى في سياق آيات الحجّ عند الكلام على الهدي الذي يتقرّب به الحاجّ لربّه؛ مشيراً بذلك إلى أنّ حصول التّقوى من أعظم مقاصد الحج وفوائده؛ حيث قال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:22\ 37 ].

فهذه التقوى التي يتربَّى عليها الحاجّ في حجّه هي التي ينبغي أن يسير عليها في حياتِه متعامِلاً بمقتَضاها مع نواهي الله وأوامِرِه، وكما أنّ الحجَّ لا رفثَ فيه ولا فسوقَ ولا جدال، فإنّه تربِيَةٌ وتهذيبٌ للسّلوك ليصبِحَ ذلك خلُقَ العبد في كل حال، وليكونَ كما وصَفَ النبيّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما رواه التِّرمذي: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ).

فلنحذر كلّ الحذر من العودة إلى الأفعال القبيحة، والخلال المشينة، وعلينا بلزوم الأعمال الطيّبة، والخلال الكريمة؛ فما أحسن الحسنة تتبعها الحسنة، وما أقبح الحسنة تتبعها السيّئة؛

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل:16\ 92].

وأما الاستقامة فإنّها مِن أولى ما يوصَى به المسلم بعد التّقوى؛ كما أوصَى بها النبيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-  سفيانَ بن عبد الله رضي الله عنه حين قال: يا رسولَ الله، قل لي في الإسلامِ قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدَك، قال: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ) رواه مسلم.

ولما كان العبد مَع الاستقامة معرَّضاً للخَطَأ والتّقصير: قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:41\ 6]، وإلى ذلك أشار الحديثُ الصحيح الذي رواه أحمد وابن ماجَه عن ثوبان رضي الله عنه أنّ النبيَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا)؛ أي: لن تستوعبوا جميع العبادات، ولن تقدروا على كلّ الطاعات؛ ولهذا قال النبيّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما في الصحيحَين-: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا).

فالمطلوبُ مِنَ العبد الاستقامةُ؛ وهي السّدادُ والمقاربةُ، فإن لم يحصُل سدادٌ ولا مقارَبَة، فهو مفرِّط مضيِّع بلا موارَبة.

الوقفة الخامسة:

الْخَوْفُ مِنْ رَدِّ الْعَمَلِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ:

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَهْتَمُّونَ بِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدُّ اْلاهْتِمَامِ حَتىَّ يَكُونُواْ فىِ حَالَةِ خَوْفٍ وَإشْقَاقٍ , قَالَ تعالى فىِ وَصْفِ حَالِهِمْ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَاآتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون :23 \ 60 ، 61), وَقَدْ فَسَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ, أُثِرَ عَنْ عَليٍّ رَضِىَ اللهُ عنْهُ أنَّهُ قال: ” كُونُواْ لِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَامًا مِنْكُمْ بِالْعَمَلِ, أَلَمْ تَسْمَعُوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ:﴿إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة:5\  27).

الرَّجَاءُ وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ :

إِنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ لاَ يَكْفِى إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ نَظِيرِهِ وَهُوَ الرَّجَاءُ , ِلأنَّ الْخَوْفَ بِلاَ رَجَاءٍ يُسَبِّبُ الْقنُوطَ وَالْيَأْسَ , وَالرَّجَاءَ بِلاَ خَوْفٍ يُسَبِّبُ اْلأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ, وَكُلُّهَا أُمُورٌ مَذْمُومَةٌ تَقْدَحُ فىِ عَقِيدَةِ اْلإنْسَانِ وَعِبَادَتِهِ, وَرَجَاءُ قَبُولِ الْعَمَلِ مَعَ الْخَوْفِ مِنْ رَدِّهِ يُوْرِثُ اْلإنْسَانَ تَوَاضُعًا وَخُشُوعًا لِلَّهِ تعالى, فَيَزِيد إِيمَانُهُ , وَعِنْدَمَا يَتَحَقَّقُ الرَّجَاءُ فَإنَّ الإنْسَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ سَائِلاً اللهَ قُبُولَ عَمَلِهِ, فَإِنَّهُ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ , وَهَذَا مَا فَعَلَهُ أبُونَا إبْرَاهِيمُ وَابْنُهُ إسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السلامُ بَعْدَ بِنَائِهِمَا الْكَعْبَةَ, قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاإِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (البقرة:2\  127).

فاحملوا إخواني ـ رحمني الله وإياكم ـ همّ القبول من ربكم لكلّ عمل تعملونه صغيرًا كان أو كبيرًا، والزموا الاستغفار؛ فإنّه بالاستغفارِ تُختَم الأعمال الكبار، وقد قال تعالى لحجّاج بيته الأبرار: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة:199]. وطوبى ثّم طوبى لمن وجَدَ في صحيفتِه استغفارًا كثيرًا.

الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ:

الإِكْثَارُ مِنَ اْلأعْمَالِ الصَّالِحَةِ:

عَلَيْكُمْ-أيُّهَا الْحُجّاج- بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى اْلأعْمَالِ الصَّالِحَةِ, وَإيَّاكُمْ , إيَّاكُمْ وَالْعَوْدَةَ إِلىَ الذُّنُوبِ وَاْلآثَامِ بَعْدَ  عَوْدَتِكُمْ مِنَ الْحَجِّ.

إِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ شَجَرةٌ طَيِّبَةٌ تَحْتَاجُ إِلىَ سقَايَةٍ وَرِعَايَةٍ حَتىَّ تَنْمُوَ وَتَثْبُتَ, وَتُؤْتِى ثِمَارَهَا وَإنَّ مِنْ عَلاَمَاتِ قَبُولِ الْحَسَنَةَ: فِعْلَ الْحَسَنَةِ بَعْدَهَا, فَإنَّ الْحَسَنَةَ تَقُولُ: أُخْتِى أُخْتِى, وَهَذَا مِنْ رحْمةِ اللهِ تعالى وَفَضْلِهِ أَنَّهُ يُكْرِمُ عَبْدَهُ إذَا فَعَلَ حَسَنَةً وَأخْلَصَ فِيهَا أَنَّهُ يَفْتَحُ لَهُ بَابًا إِلىَ حَسَنَةٍ أُخْرَى لِيُزِيدَهُ مِنْهُ قُرْبًا.

وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وسلّم تسليماً كثيراً.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الْخُطْبَة الثّانيّة:

الْحمد لله ربِّ الْعالمين الّذين سَنَّ لِأَوليائِهِ وأصْفِيائِهِ سُنّةَ الإِبْتلاءِ في سَبِيلِهِ , الْقَائِلِ فِي فُرْقَانِهِ الْحَكِيمِ : (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْهُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ قُعُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِّنْهُمْ إِلّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) [البروج:85/4-10] , نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى الْجَزَاء.

أَمّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ , وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ فِي الْوَقْتِ الرَّاهِن , خُطْوات حُكُومة الْمملكة العربيّة السّعُوديّة الظّالمة ضِدَّ العُلَمَاء العامِلِين الدّعاة إلى سبيل رَبِّهم بِالْحِكْمَة والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنة . فأخَذَتِ الْحُكُومة السّعودية تُعذِّبُهُمْ الْعُقوبات الأليمة المُتَنَوِّعة من الْقَبْضِ عَلَيْهم والحبس والسجن والاتهامات الكاذبة والتّهديد بالإعدام وغيرها وغيرها . وبعد عام كامل من الاختطاف والتغييب القسري، تم “الإعلان” عن بدء “محاكمة سرية” للمفكر الداعية الشيخ سلمان العودة. وقد جاء في الأخبار التي نشرتها الصحف السعودية مؤخرا، أن النيابة العامة طالبت بتنفيذ حكم الإعدام تعزيرا في حق الشيخ الجليل، بعد أن وجهت له 37 تهمة. وسنتختار 15 تهمة من هذه التُّهَم . والتي اخترنا هي أعجبها وأكرهها لآذان واعية . ألا وهي :

بعض تُهَم الْحُكُومة السّعودية ضِدّ الدّاعية الجليل الشّيخ سلمان العودة :

)1(– 1-إصراره على الاعتدال في الدين وفي كل أموره،

)2(–  2-سماحته المفرطة،

)3(– 3-مخالفته للنهج الذي عليه شيوخ المملكة وخاصة بعض فتاوى هيئة كبار العلماء

)7(– 4- إصراره على الرفق والنهج السلمي، مع أن ذلك قد يكون مؤقتا ومرحليا،

)8(– 5-إصراره على ما يسميه النصيحة لولاة الأمور،

  )9 6-إيمانه بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يمكن اتخاذه معبرا للفوضى والفتنة

7- عدم توقفه عن ذم الفساد والمطالبة بالإصلاح، رغم تحذيره عدة مرات من عواقب ذلك،   (10)

)14(  8-ابتسامته الدائمة، التي يخفي بها سوء طويته

9-علاقته الحسنة مع خصومه، كما مع أصدقائه، حتى لقد ألف كتابا بعنوان (شكرا أيها الأعداء)، وهذا نهج خطير ومثير للشكوك، (15)

)17(  10-محبته واحترامه لأقوام وأشخاص يكرههم ولي الأمر،

)19(  11-تأييده للشعب الفلسطيني ولحركة حماس، ضدا على السياسة الرسمية الجديدة للمملكة،

)20( 12-المجاهرة بكراهية إسرائيل ورفضها، مع علمه بأن ولي الأمر قد غير رأيه في الموضوع،

         26 13-تعلُّمُه في السنوات الأخيرة للغة الإنجليزية، مما يشير إلى سعيه لمزيد من التخابر والتآمر

2714-تردده على قطر وإلقاؤه عدة خطب ومحاضرات في مساجدها،

          )32(  15-علاقته الطيبة بشيخ الإرهابيين العلامة يوسف القرضاوي،

ثانياً , من المستحسن شكر الجميل تشجيعاً لفاعل ترغيباً لغيره , يجدر ذكر فعل أحد الحجاج النيجيريين الجدد من ولاية نيجر , اسمه موسى  Edotsu   الّذي ردَّ أموالاً وجد في المرحاض , مبلغها 400,000 نيرة إلى ولاة الأمر , وقد ردّ أمير الحجّ لولاية نيجر الحاج أبوبكر مغاجي الأموالَ إلى صاحبها بعد الحجّة المِلْكية الواضحة وبطاقات شخصية ومفاتيح في الحقيبة . وستكرم هيئة الحجّ موسى  EDOTSU بماتي دولار 200$ . هل جزاء الإحسان إلا الإحسان !!!

الدُّعَاءُ:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, اللهم أرجع الحجاج إلي أهلهم سالمين مقبولين مغفورين,  اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن

Leave a Reply