مَفْهُوم الْعَوْلَمَة فِي نَظَرِ الْإِسْلامِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الخامسة لشهر ربيع الثّاني بتأريخ 29\4\1438هــ-27\1\2017م

حول : مَفْهُوم الْعَوْلَمَة فِي نَظَرِ الْإِسْلامِ :

2- خصائص الخطاب الإسلامي في عصر العَوْلَمَة

الحمد لله ربِّ العالمين , القائل في فرقانه الكريم : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (الفرقان:25\ 1 ) , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إخْوَةَ الْإِيمَانِ هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الْخَامِسُ وَالأَخِيرُ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الثَّانِي , وَفِي الْخُطْبَةِ الْمَاضِيَة شَرَعْنَا فِي الْخِطَابِ عَنِ الْعَوْلَمَةِ حَيْثُ رَكَّزْنَا حَدِيثَنَا عَلَى مَفْهُومِ الْعَوْلَمَةِ فِي نَظَرِ الْإِسْلامِ . فاليَوْمَ نُوَاصِلُ وَنَتَقَدَّمُ وَنَسُوقُ الْحَدِيثَ إِلَى : خَصَائِص الْخِطَابِ الإِسْلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة .

أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ , إِذَا كَانَ خِطَابُنَا الإسْلاَمِي يَنْبَغِي أنْ يُرَاعِيَ مَكَانَ الْمُخَاطَبِينَ أَوِالْمَدْعُوِّينَ , وَزَمَانِهِمْ وَظُرُوفِهِمْ , وَيُخَاطِبُ كُلَّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ , وَيَجْتَهِدَ فِي إِفْهَامِهِمْ , حَتَّى يَكُونَ بَلاغُهُ (بَلَاغاً مُبِيناً) كَمَا هُوَ شَأْنُ بَلاغِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[النّحل :16\35] .

فمن الْمُهِمِّ أَنْ يُلاحِظَ هَذَا الْخِطَابُ فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة : طَبِيعَةَ التَّقَارُبِ الَّذِي جَعَلَ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَرْيَةً وَاحِدَةً , وَأَصْبَحَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْعَصْرِ سُرْعَةُ انْتِقَالِ الْخِطَابِ إِلَى الْقَارَاتِ فِي سُرْعَةِ الْبَرْقِ , وَأَصْبَحَتْ تَتَكَلَّمُ مِنْ بَلَدٍ صَغِيرٍ مِثْلِ قَطْرٍ , فَبِسَمْعِكَ الْعَالَمُ  ويَرَاكَ , كَأنَّهُ يَجْلِسُ إِلَيْكَ , وَيُنْصِتُ بَيْنَ يَدَيْكَ . لَعَلَّكَ لَوْ كُنْتَ تُحَدِّثُ قَدِيماً فِي جَامِعٍ مِنَ الْجَوَامِعِ , رُبَّمَا لَمْ يَرَكَ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ , وَرُبَّمَا لَمْ يَصِلْ صَوْتُكَ إِلَى بَعْضِهِمْ .

وَيَلْزَمُ أَهْلُ الْخِطَابِ الْإِسْلامِي , أَوِ الدَّعْوَةِ الْإِسلامِيَّة : أَنْ يَتَحَرَّوْا فِي خِطَابِهِمْ , وَيَتَأنَّوْا فِي دَعْوَتِهِمْ , وَلا يُلْقوا الْكَلَامَ  عَلَى عَوَاهِنِهِ , فَقَدْ غَدَا الْعَالَمُ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ , وَيُحَلِّلُ أَحَادِيثَهُ .

يَنْبَغِي أنْ يجمَعَ هَذَا الْخِطَابُ الْإِسْلامِي الْمُعَاصِرُ : عِدَّةَ خَصَائِصَ أَسَاسِيَّة , تَجْعَلُهُ قَادِراً عَلَى الْوُصُولِ إِلَى النَّاسِ , بِحَيْثُ يَقْنَعُ عُقُولُهُمْ بِالْحُجَّة , وَيَسْتَمِيلُ قُلُوبُهُمْ بِالْمَوْعِظَة , وَلا يحيد عَنِ الْحكْمَة , وَلا عَنِ الْحِوَارِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .

مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْخِطَابِ أنَّهُ :

1-يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا يَكْفُرُ بِالإِنْسِ .

2-يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ وَلا يُغِيبُ الْعَقْلَ .

3-يَدْعُو إِلَى الرّوْحَانِيَّة وَلا يُهْمِلُ الْمَادِيّة .

4-يُعْنِي بِالْعِبَادَاتِ الشّعَائِرِيَّة وَلَا يَغْفُلُ الْقِيَمَ الْأَخْلاقِيَّة .

5-يَدْعُو إِلَى الاعْتِزَازِ بِالْعَقِيدَةِ وَإِلَى إِشَاعَةِ التَّسَامُحِ وَالْحُبِّ .

6-يغرِي بِالْمِثَالِ , وَلَا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ .

7-يَدْعُو إِلَى الْجِدِّ وَالاسْتِقَامَة وَلا يَنْسَى اللَّهْوَ وَالتَّرْوِيحَ .

8-يتبنى العالَمِيَّة وَلَا يَغْفُلُ الْمَحْلِيَّة .

9-يَحْرُصُ عَلَى الْمُعَاصِرَة وَيَتَمَسَّكُ بِالأَصَالَة .

10-يَسْتَشْرِفُ الْمُسْتَقْبَلَ , وَلَا يَتَنَكَّر للماضِي .

11-يتبنى التّيْسِيرَ فِي الْفَتْوَى وَالتَّبْشِيرَ فِي الدَّعْوَة .

12-يَدْعُو إِلَى الاجْتِهَادِ وَلا يَتَعدّي الثَّوَابِتَ .

13-يُنْكِرُ الإِرْهَابَ الْمَمْنُوعَ وَيُؤّيِّدُ الْجِهَادَ الْمَشْرُوعَ .

14-يُنْصِفُ الْمَرْأَةَ وَلا يَجُورُ عَلَى الرَّجُلِ .

15-يَصُونُ حُقُوقَ الأَقَلِيَّة وَيحيف عَلَى  الأَكْثَرِيَّة .

إِخْوَةَ الإِسْلامِ, نَأخُذُ هَذِهِ الْخَصَائصَ وَنُبَيِّنُهَا بالاخْتِصَارِ شَيْئاً فَشَيْئاً .

1-يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلاَ يَكْفُرُ بِالإنْسَان :

مِنْ خَصَائِصِ الْخِطَابِ الإٍسْلامِي : أنَّهُ يَدْعُو إلَى الإِيمَانِ بِاللهِ جَلَّ جَلالُهُ , ولكنّهُ لا يَكْفُرُ بِالإِنْسَانِ , وَلا يَزْدَرِي الإنسَانَ , وَلا يغفل شَأنَ الإِنسَانِ .

إِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الإيمَانِ باللهِ الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ لِهَذَا الْكَوْنِ , الّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْئٍ خلقه , وأتْقَنَ كُلَّ شَيْئٍ صَنَعَهُ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك :67\3] , ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النّمل :27\88] , ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السّجدة :32\7] . اللهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ , الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ , وَلا نِد لَهُ , وَلا ضِدَّ لَهُ , وَلا مِثل لَهُ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 112\1-4]

إنَّ الإسْلامَ رَفَعَ الإِنْسَانَ مَكَانَ عَلِيّاً , حِينَ كَلَّفَهُ الْقِيَامَ بِخِلافَةِ اللهِ فِي الأَرْضِ , وَاسْتَعْمَرَهُ فِيهَا , وَحَمَلَهُ أَمَانَةً عَرَضَتْ عَلَى السَّمَاوَات وَالأرضِ والْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا , وَهِيَ أَمَانَةُ الْمَسْؤُولِيَّة وَحَمْلُ التَّكاليف .

لَيْسَ الإِنْسَان (حيواناً ) بل سخَّر اللهُ لَهُ الْحَيَوَنَات , وكُلَّ الكائِنَاتِ الْحَيَّة عَلَى الأَرْضِ فِي اليَابِسَة أَوْ فِي الْمَاءِ . كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ (إلَىهاً) كَبَعْضِ الْفَلسفاتِ الغَربيّة التي (تؤله) الإنسان , وتَرْفَعُهُ فَوْقَ قَدْرِهِ , وَتتَجَاوَزُ بِهِ حَدَّهُ .

وَمَا أَنْجَزَهُ الإِنسَانُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ عِلْمٍ وَتَكْنولوجِيَا , وثورات غيرت وجه البسيطة , ومنحت الإنسان من القدرات والإمكانات ما لم يكن يحلم به , هذا كلّه مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِ , وَبِرِّهِ بِهِ , كَمَا قَالَ تعالَى فِي أوَّلِ وَحْيِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق :96\1-5] .

إنَّ الإسلامَ بتشرِيعاتِهِ الْقَانُونيَّة ووَصَاياهُ الْأَخلاقيَّة –يَرْعَى فِطْرَةَ الإِنسانِ , وَكَرَامَةَ الْإِنسَانِ , وَحَرُمَاتِ الإِنسانِ , وَحُرِّيَة الإِنْسَانِ , وحُقُوقَ الإِنسانِ (راجع الخصائص العامة في الإسلام) للعلامة القرضاوي –(خصيصة الإنسانية) .

2-يُؤمِنُ بِالْوَحْيِ وَلا يُغيبُ الْعَقْلَ :

وَمِنْ خَصَائِصِ خِطَابِنَا الْإسلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة : أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ , وَلا يُغِيبُ الْعقْلَ .

فَهُوَ يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ بِاعْتِبَارِهِ أَسَاس كُلِّ دِينٍ سَمَاوِيّ . فَتَعَاليمُ الدِّين وَأَحْكَامُهُ لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِ النَّبِيِّ –أيَّ نَبِيٍّ – ووَحيٌ فِكْرُهُ ووجدانه , بَلْ أوْحَى اللهُ بِهَا إليْهِ عَن طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْوَحْيِ , كَالإلهامِ , والرُّؤى الصّادقة , ونزول المَلَك بكلام اللهِ إلَيْهِ , والخطاب المباشر من الله تعالى , كَمَا كلَّم مُوسَى عَليه السَّلام .

فالأنبياء هُمْ سفراء اللهُ تعالَى إلَى عِبَادِهِ , بَعَثَهُمْ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ , لئلا يَكُونُ للنَّاسِ علَى الله حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ .

وَمُحمَّدُ صلّى الله عليه وسلّم خَاتَمَ النّبيِّين , أنزل اللهُ عَلَيْهِ وَحْيَهُ وَقُرْآنَهُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ الْجَلِيِّ , بِوَاسِطَة الْمَلَكِ جِبْرِيلِ عَلَيْهِ السَّلام أمِين الْوَحي : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشّعراء : 26\193-195].

وقال تعالى : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النّجم :53\1-6]. شَدِيدُ الْقُوَى هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ .

وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النَّمل :27\6] . فالله تعالى مُنزِلُ الْوَحْيِ , وَجْبْرِيل إنَّما هُوَ حَامله , ومُحَمّد هُوَ مُتَلَقِّيهِ وَمُبَلِّغُهُ عَنْ ربِّهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة :5\67] .

وَنَحْنُ الْمُسْلِمين بَعْدَ أنْ رَضِينَا بِاللهِ رَبّاً , وَبِالإسلام دِيناً , وَبِمُحمّدٍ رَسُولاً , وَبالقُرآنِ إمَاماً : أصبحنا مُلتَزِمِينَ – بِحُكْمِ عَقِيدَتِنَا – بِأحكام الإسلامِ وأوامره ونواهيه : فِي العقيدة والشَّرِيعة والسّلُوكِ والمفاهيم والتّقاليد …

فما دام هناك أمر ملزم من الله ورسوله , أو نهي مُحرَّمٌ من الله ورسُولِهِ , فليس لنا إلا أن نقُولَ : سَمِعْنَا وَأَعْطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإليكَ الْمَصِيرُ . وَفِي هَذَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى :  ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النّور : 24\51].

ويقول : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب : 33\36] .

نقف هنا نظراً لضيق المقام . وسنواصل في الجمعة القادمة إن شاء الله المولى القدير. أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو التَّوّاب الرّحيم .

الْخُطْبَةُ الثَّانِيّة :

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين , الخالق البارئ المصوِّر , العَدْلِ الْحَكَمِ , الْقَائِلِ فِي تَنْزِيلِهِ الْعَزِيزِ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات :49\13] , والقائل : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الرّوم :30\22], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْداً كَثِيراً وَنَشْكُرُهُ شُكْراً جَزِيلاً, وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, ظهر جليا التّمييز العنصوري في خطاب ترامب يوم توليته الرِّئاسة وقبل ذلك اليوم , ولكنّ الله تعالى أسمعه كتابه الحكيم علَى لسان أحد الأئمة في أمريكا عندما طُلب منه الدّعاء يوم تولية ترامب الرِّئاسة قرأ ذلك الإمام الآيتين السّابقتين : [الحجرات :49\13] , و [الرّوم :30\22] , اللّتين في تحريم : التّمييز العنصوري والعصبيّة وتعليماً لترامب لعلّ الله يهديه إلى الحقِّ وإلى صراطٍ مستقيم . وبيّن له أنّ أكرم النّاسِ عند الله أتقاهم وليس أبيضهم ولا أحمرهم ولا أسودهم .

وممّا وضح في خطاب ترامب ذلك اليوم أنّه عدوٌّ للإسلام والمسلمين حيث قال مباشرة : “دقت ساعة العمل”.. وسنحارب الإرهاب الإسلامي .

ولماذا قال الإرهاب الإسلامي . ولو قال سنحارب الإرهاب والإرهابيين لكان أفضل . لماذا لم يقل الإرهاب الإسرائيلي أو الإرهاب اليهودي أوالإرهاب المسيحيّ .

وأوضح ترامب، أنه لا يهم من سيسيطر على الحكومة، الأهم من يتواصل مع الشعب الأمريكي، خاصة وأنه هناك قناعة قديمة بأن الأمة موجودة لخدمة بلدها، يقصد الشعب، لكن من حق المواطنين الأمريكيين لتوفير لهم فرص عمل ونظام آمن لحياتهم، مُشيرًا، أن أمريكا أمة واحدة ونجاحها هو نجاحنا، فالرجل والمرأة هنا لن يتم نسيانهم بعد اليوم.

وتابع ترامب، أن القسم الذي أداه منذ قليل، “اليمين الدستوري”، هو قسم ولاء لكل الأمريكيين في البلاد، ويتعهد من هنا، في الكونجراس، بانه سيدافع عن حدود أمريكا، خاصة بعدما ظلت البلاد تدافع عن حدود بلدان أخرى وترفض الدفاع عن حدودها…

ونتّهز هذه الفرصة الذّهبية لرئيسنا محمّد البخاري الّذي سافر للفحص الطِّبّي ونسأل الله أن يردّه إلينا ردّا جميلا بالعافية التّامّة ويؤيّده بنصره ويهده إلى الحقِّ وإلى صراطٍ مستقيم هو وأعوانه ووزرائه . اللهمّ آمين .

الدّعَاءُ:

اللهم أمِنَّا في أوطاننا وولِّ علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان. اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأُلكَ إيماناً صَادِقاً، وَلِسَاناً ذَاكِرًا، وقَلْباً خَاشِعاً,اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الإسلامِ، وَارْزُقْنَا حَلاَوَةَ الإيمانِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ.

اللهم اغْفِرْ لِلْمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، الدعوات اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا ربَّ العالَمِين. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply