بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الرابعة لشهر رجب بتأريخ:28/7/ 1442ه 12/3/ 2021م)

الموضوع: واجبنا نحو قضية القدس والمسجد الأقصى

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله: (فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون) المائدة\100

أيها الإخوة المؤمنون، إن حديثنا اليوم عن قضية القدس والأقصى، وذلك بمناسبة حديثنا عن الإسراء والمعراج. فإنه لا يمكن أن نتذكر الإسراء والمعراج وننسى أرض الإسراء ومبتدأ المعراج، وننسى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وننسى ربط القرآن بين المسجدين العظيمين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وذلك في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ…) الإسراء\1

عباد الله، ليس هذا الربط عبثا، إنه ربط لحكمة إلهية، إنه يذكّر المسلمين في كل مكان وفي كل زمان: ارتباط كل من المسجدين بالآخر، فمن فرط في المسجد الأقصى أوشك أن يفرط في المسجد الحرام، فكلاهما مسجد معظم مبارك تشد الرحال إليه.

ولقد أصبح المسجد الأقصى أسيرا في يد الصهاينة، وأصبح مفروضا على الأمة -أمة القرآن التي تقرأ سورة الإسراء وتتذكر الإسراء والمعراج- أن تعمل متضامنة متكافلة  متعاونة لتحرير المسجد الأقصى.

عباد الله، اعلموا أنه منذ أن وطئت أقدام يهود النجسة أرض فلسطين المباركة، وعيونهم الخائنة تتطلع إلى المسجد الأقصى، متى يزول عن الأرض، وعن خريطة فلسطين، ومنذ أن اغتصب اليهود أرض فلسطين الإسلامية المباركة، وأيديهم النجسة، تمتد إلى بناء هذا المسجد المبارك، بكلّ وسيلة ممكنة، من أجل هدمه: بالاقتحام، وبالحفريات، وبالأنفاق، وبالتضييق على المصلين، وبالحرق بالنار كما في عام 1969م، وبالتجريف حوله، وبناء المستوطنات مكان بيوت المسلمين، وغير ذلك من الأعمال الإرهابية التي تطالعنا بها وسائل الإعلام ليل نهار.

أيها الإخوة المؤمنون: ويكمن الخطر في موقف اليهود من الأقصى والقدس في تحويلهم وتزويرهم لقضية الأقصى والقدس  والترويج لها على أنها قضية دينية يهودية، لا قضية احتلال وسلب أوطان. إنهم اخترعوا لأجل ذلك كذبة “هيكل سليمان” حيث زعموا أن تحت المسجد الأقصى يوجد الهيكل وهو معبد اليهود، وجعلوا هدم الأقصى واجبا دينيا عليهم، وقد كانت التنقيبات والحفريات جارية تحت المسجد الأقصى وحوله منذ عقود؛ ظنا منهم أنهم سيعثرون على الهيكل المزعوم، ومتخذين ذلك ذريعة لهدم الأقصى. وقد أثبت علماء آثار من اليهود أنفسهم ومن أروبا وأمريكا الذين شاركوا في الحفريات والأنفاق تحت الحرم القدسي: أنه لا أثر للهيكل.

ثم إنهم يسعون جاهدين إلى تحويل قضية الأقصى والقدس من قضية إسلامية عالمية تخصّ المؤمنين بالله في كل العالم إلى قضية فلسطينية ضيقة الحدود والمطالب. كلا! إن قضية القدس والأقصى- بل قضية فلسطين كلها- قضية المسلمين جميعا, ولا يجوز للأمة أن تضع هذه القضية دبر آذانها، أو تغفل عنها، أو تفكر في سواها، إنها قضيتهم الأولى.

والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين، فقد جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قَالَ: (صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ).

والمسجد الأقصى قدر الله له أن يكون مسرى نبينا الكريم -صلوات الله عليه وسلم-، وخلد تلك الحقيقة في القرآن العظيم. إن معنى هذا على أرض الواقع: أن نبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- قد زار المسجد، ودخله ونزل أرضه، وعبد الله فيه بصلاة ركعتين. ونبينا -صلى الله عليه وسلم- قد شرع أحكاما شرعية خاصة بالمسجد الأقصى، فقال صلى الله عليه سلم: (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) رواه البخاري وأحمد.

وهو مسجد تضاعف فيه الصلوات، ولاتضاعف إلا في مسجد ذي فضل، فعن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) أخرج البزار والطبراني.

واجبنا نحو هذه القضية:

عباد الله، إذا كان كل يهودي في العالم يعتبر إسرائيل وقيام إسرائيل وانتصار إسرائيل قضيته الأولى، ويبذل في ذلك ما يبذل، إذا كان هذا شأن اليهود في أنحاء العالم، فما بالنا نحن المسلمين؟ إن المسلم دائما له دور في صناعة الأحداث.. وليس سلبيا. ولذا يجب علينا- نحن المسلمين-أن نحمل عب‏ء قضية القدس والأقصى بإظهار الاهتمام بها والمتابعة لشؤونها ثم القيام بالتّوعية عبر الحديث عنها، ونشر الموقف الصحيح منها..لأن التحرك لا يأتي إلا بعد الفهم.

السعي الدائم لجعل القضية ساخنة ومحور اهتمام دائم: إن أقصى ما يرجوه العدو أن تموت القدس من تفكير المسلمين إيماناً منه أنه في حالة بقائها محور الاهتمام حتما سيأتي من ينتصر لها في يوم من الأيام.

وكذلك استثمار كل ما نملك من قوة لخدمة القضية: فإن كنا من أصحاب الكلمة نستثمرها لنوصل الفكرة إلى كل من يسمعها.وإن كنا من أصحاب الأموال قمنا بتجنيدها في خدمة هذه القضية.

والعمل لتربية جيل النصر المنشود الذي يحرر المقدسات ويطهر الأقصى الأسير من رجس اليهود (على الأقل كما فعل اليهود.. إذ كان أطفالهم يقول بعضهم لبعض: إلى اللقاء في القدس!).

وعلينا رفض التطبيع -الذي يقوم به بعض الدول العربية- بكل قوة وإحباط محاولاته الخائنة، ومقاطعة العدو، ومقاطعة منتجاته الاقتصادية، فقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.. ﴾ الممتحنة:60/1.

وكل ما سبق هو إعداد للساعة القادمة الحاسمة، القادمة حتماً.. وهي قضية المواجهة، فعلى كل مسلم أن يعد نفسه ليكون على أول قائمة المجاهدين الطامعين في أمكنة الشهداء. تحرير القدس كهدف استراتيجي كيف يتحقق؟!

وأقُولُ قَوْلِي هَذَا وأستغفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُم . فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ .

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ، ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

عباد الله، إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ مَوَاسِمَ لِلْخَيْرِ، فِيهَا يَزِيدُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَيَتَقَرَّبُونَ لِخَالِقِهِمْ، تَشْرُفُ الْأَعْمَالُ فِيهَا بِشَرَفِ الزَّمَانِ، ومن هذه المواسم شهر شعبان الذي سوف يظلنا بعد يوم أو يومين. وَهو الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَزِيدُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ…” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ شَعْبَانَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْيِي الْعِبَادَةَ فِيهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ غَفْلَةِ النَّاسِ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا: أَنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فِيهِ؛ فَقَدْ رَوَى الْإمَامُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ

وَإِنَّ الاِجْتِهَادَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ لَهُوَ مِنَ الأُمُورِ الْمُعِينَةِ عَلَى الاِجْتِهَادِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ يَشْتَدُّ عُودُهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْحَصَادِ شَهْرُ رَمَضَانَ حَصَدَ الْمُسْلِمُ مَا كَانَ يَزْرَعُ؛ يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: “إِنَّ صِيَامَ شَعْبَانَ كَالتَّمْرِينِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ لِئَلاَّ يَدْخُلَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَشَقَّةِ وَكُلْفَةٍ، بَلْ قَدْ تَمَرَّنَ عَلَى الصِّيَامِ وَاعْتَادَهُ، وَوَجَدَ بِصِيَامِ شَعْبَانَ قَبْلَهُ حَلاَوَةَ الصِّيَامِ وَلَذَّتَهُ، فَيَدْخُلُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَلَمَّا كَانَ شَعْبَانُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِرَمَضَانَ شُرِعَ فِيهِ مَا يُشْرَعُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الصِّيَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ لِيَحْصُلَ التَّأَهُّبُ لِتَلَقِّي رَمَضَانَ، وَتَرْتَاضُ النُّفُوسُ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ” انْتَهَى كَلاَمُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

هذا، وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم الله، فالصلاة والسلام عليه في يوم الجمعة مرغب فيها وترجى قبولها ومضاعفة أجرها. ثم تضرعوا بالدعاء إلى ربكم أن يملأ وطننا- نيجيريا- بالأمن والأمانأأ، وأن يبعد عنه كل سوء وشر. إنه- تعالى- ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *