وَسَائِلُ الإسلام فِي مُعَالَجَةِ الْفَقْرِ

​بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية لشهر ربيع الثّاني بتأريخ 8\4\1438هــ-6\1\2017م

حول : مشكلة الفقر وكيف عَالَجَهَا الإسلآمُ

(2) وَسَائِلُ الإسلام فِي مُعَالَجَةِ الْفَقْرِ

 الحمد لله ربِّ الْعَالَمِين , الّذي جعل الإٍسْلام دِيناً شَامِلاً يتناوَل جَمِيعَ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّة , القَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام :6\38] , ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل :16\89]ِِ , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: 

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}. 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إخْوَةَ الإيمان , هذا هُوَ اللِّقَاءُ الثّانِي فِي شهر رَبيع الثّاني رابِعِ الشُّهورِ القمريّة الإسلامِيّة , وَفِي الْخُطبَةِ الْمَاضِيّة 

شرَعْنَا فِي مَوْضُوعٍ مُهِمٍّ- مشكلة الفقر وكيف عَالَجَهَا الإسلآمُ- وبينّا أنَّنَا قَسَمْنَاهُ إلَى قِسْمَيْنِ فَعَالَجْنَا الْقِسْمَ الأَوَّلَ فِي الْجُمْعَة ووعَدْنَا أنَّنَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى سَنُعَالِجُ الْقِسْمَ الثَّانِي الْيَوْمَ . فَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْ مَوَاقِفِ النَّاسِ أَمَامَ الْفَقْرِ ونَظْرَةِ الإِسْلامِ إِلَى الْفَقْرِ . فاليَوْمَ نُكْمِلُ الْمَوْضُوعَ بِذِكْرِ وَبيَانِ وَسَائِلِ الإِسْلامِ فِي مُعَالَجَةِ الْفَقْرِ .

أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, هَذِهِ هِيَ وَسَائِلُ الإسلام فِي مُعَالَجَةِ الْفَقْرِ:

1-العمل 2-كفالة الْمُوسِرين مِنَ الْأقاربِ 3-الزّكاة 4-كفالة الخِزانة الإسلاميّة 

5-إيجَابُ حُقُوقِ غَيْر الزَّكاة 6-الصّدقات الإخْتِيارية والإحسان الفردِي 7-التَّوْبَةُ النّصُوح والمداومة على الاستغفار 8-الأَدْعِيّةُ الْمَأثُورَة مِنَ الْكِتَابِ والسُّنَّة. 

ولكثرة هذه الوسائل وحتّى نُبيِّنَ كُلاً تفصيلاً  نبيّن منها في هذا الأسبوع أربعاً وسنواصل ونُكمِلُها في الخُطبة التّالية بقدرة الله عزَّ وجلَّ :

وسائِلُ الإسلامِ فِي مُعَالَجَةِ الْفَقْر:

أعْلَنَ الإسلامُ الْحَربَ عَلَى الْفَقْرِ , وشَدَّد عَلَيْهِ الْحِصَارَ , وقَعَدَ لَهُ كلَّ مرصَدٍ , درءاً للخطر عن العقيدة , وصيانة للمجتمع , وعملاً على استقراره وتماسكه , وسيادة روح الإخاء بين أبنائه.

الوَسِيلَةُ الأولَى: الْعَملُ

إنّ كُلَّ إنسَانٍ فِي مُجْتَمَعِ الإسلامِ مطالبٌ أن يعمل , مأمورٌ أن يمشي في مناكب الأرض , ويأكل من رزق الله , كما قال تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾

[الملك:67\ 15].

والمراد بالعمل : المجهود الواعي الّذي يقوم به الإنسان – وحده أو مع غيره- لإنتاج سلعةٍ أو خدمةٍ.

إنَّ هذا العملَ هُوَ السِّلاحُ الأوَّل في جلب الثَّروة , وهو العنصر الأوّل في عمارة الأرضِ الّتِي استخلف اللهُ فيها الإنسانَ , وأمره أن يَعمَرَهَا , كَمَا قَال تَعَالَى عَلَى لِسَانِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ : ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:11\61], وعن عمر بن الخطّاب : “ما مِنْ حالٍ يأتيني عليها الْمَوْتُ-بعد الْجهادي في سبيل الله-أحبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأتِيَنِي وَأَنَا أَلْتَمِسُ مِنْ فَضْلِ اللهِ” ثمَّ تلا هذه الآية:  ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه﴾ [المزمِّلُ: 73\20].

والعَمَلُ أنْوَاعٌ:

التِّجارة: قال ﷺ في الحثِّ على التِّجارة: “التَّاجِرُ الصّدُوق الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّين والصِّدِّقين والشّهاداء” رواه سعيد بن منصور في سننه.

الزِّراعة: قال ﷺ في الحثِّ على الزِّراعة والغرس : “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَزْرَعُ زَرْعاً , أَوْ يَغْرِسُ غَرْساً , فيأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ , أوْ إِنْسَانٌ , أو بَهِيمَةٌ إلّا كان لَهُ بِهِ صَدَقَة ” (رواه البُخَارأِي).

الصِّنَاعَاتُ والْحِرَفُ: وقال ﷺ فِي الحثِّ عَلى الصِّناعات والحِرَفِ : “مَا أكَلَ أحَدٌ طَعَاماً قطّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَ اللهِ دَاوُودَ كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ” (رواه البخارِي).

“مَنْ بَاتَ كَالاً مِنْ طَلَبِ الْحَلاَلِ بَاتَ مَغْفُوراً لَهُ ” 

 وسُئِلَ إبراهيم النّخعي- أحد أئمّة التّابعين- عن التّاجر الصّدوق: أهو أحبُّ إلَيْكَ أم الْمُتَفَرِّغ للعبادة؟ فقال: التّاجر الصّدوق أحبُّ إلَيَّ , لأنّهُ فِي جِهادٍ : يأتِيه الشَّيطان من طريق المكيال والميزان , ومن قبل الأخذِ والعطاء فيجاهده.

روى البخاري عن الزّبير بن العوام أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: “لَأنْ يَأخُذَ أحدُكُمْ حَبْلَهُ , فيأتِي , بِحِزْمَةِ الْحطَبِ على ظَهْرِهِ , فَيَبِيعُهَا فيكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ , خَيْرٌ مِنْ أَن يَسأل النَّاسَ , أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ” 

الْوَسِيلَةُ الثّانِيّة: كَفَالَةُ الْمُوسِرِينَ مِنَ الأقَارِب

هذا هو أصْلُ الأَصيلِ في شَريعة الإسلام: أن يحارب كلّ امرئ الفقرَ بسلاحِه هُوَ , وسلاحه هو السّعْي والعمل , ولكن ما ذنب العاجزين الّذين لا يستطيعون أن يعمَلُوا !؟ ما ذنب الأراملة اللاتِي مات عنهنّ أزواجهنّ ولا مال لهنّ ؟ ما ذنب الصِّبيان الصِّغار ؟ والشّيوخ الهرَمِين ؟ ما ذنب المرضى والمقعدين . وما ذنب من أصابتهم الكوارث فأقعدتهم عن الكسب , أيتركون لعجلة الحياة تدوسهم , وتسحقهم وتتركهم وراءها هباء تذروه الرِّياح ؟

لا .. إنّ الإسلام قد عمِلَ على إنقاذهِم من مخالب الفقر والحاجة , واغنائهم عن ذلِّ السّؤال , وهو أنّ التّكفّف , وأوّل ما شرعه لذلك , هو تضامن أعضاء الأسرة الواحدة .. لقد جعل الإسلام ذوِي القربى متضامنين متكافلين , يشدّ بعضهم أزر بعض ويحمل قويّهم ضعيفهم , ويكفل غنيّهم فقيرهم , وينهض قادرهم بعاجزهم فإنّ العلائق بينهم أشدّ قوّةً, وبواعث التّعاطف والتّراحم والتّساند أوثق عروة , وذلك لما بينهم من الرّحم الواصلة , والقرابة الجامعة , هذه هي الحقيقة الكونية , وقد أيّدتها الحقيقة الشّرعيّة : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:8\75].

تأكيد الإسلامِ لِحقِّ الْقَرَابَة وَصِلَّة:

أكَّد الإسلامِ حقّ ذِي الْقُربَى , وَحَثَّ في آيات كتابِه وأحاديث رسوله , على برِّهِم وصلَّتهم والإحسان بِهِمْ , وتوعّد من قطع رحِمَهُ أو أساء إلى ذَوِي قُرباهُ بِالعذاب الشّدِيد فمن الآيات قوله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النّحل:16\90], ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النِّساء:4\36]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾  [النّساء:4\1]

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:17\26]

الْوَسِيلَةُ الثَّالِثَة: الزّكاة

 لماذَا فُرِضَتِ الزّكاة ؟ :

أمَرَ الإسلامُ كلَّ قادِرٍ أن يَعمَلَ : ويسعى في طلب الرِّزق ليكفي نفسه , ويغني أسرته , ويسهم بالنّفقة في سبيل الله , فمن لم يستطع وعجز عن الْعمل , ولم يكن لديه من المال الموروث , أو المدّخر ما يسدّ حاجته , كان في كفالة أقاربه الموسرين , ينهضون به ويقومون بشأنه. ولكن ليس لكلِّ فقيرٍ قريبٌ قادرٌ موسرٌ لينفق عليه . فماذا يصنع المسكين الضّعيف الّذي ليس له أقارب أقوياء يحملونه من ذوي عصبته أو ذِي رحمه ؟ 

ماذا يصنع المحتاجون العاجزون أمثال الصّبيّ اليتيم , والمرأة الأرملة , والأمّ العجوز , والشّيخ الهرم ؟ ماذا يصنع المعتوه , والزّمن والأعمى , والمريض , وذوي العاهة ؟ وماذا يصنع القادر الّذي لم يجد عملا يرتزق منه ؟ والعامل الّذِي وجد عملاً لا يقوم دخلُهُ منه بكفايته هو وأسرته ؟ 

أيترك كلّ هؤلاء للفقر القاهر , والحاجة القاسية , تفترسهم افتراساً , والمجتمع ينظر إليهم – وفيه الأغنياء الموسرون ولا يقدِّم لهم عوناً ؟!

إنّ الإسلام لم ينس هؤلاء , لقد فرض الله لهم في أموال الأغنياء حقّاً معلوماً , وفريضاً مقرّرة ثابتة , هي الزّكاة , فالهدف الأوّل من الزّكاة هو : إغناء الفقراء بها .

والفقراء والمساكين هم أوّل من تصرف لهم الزّكاة , حتّى إنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكر في بعض الموافق إلّا هذا المصرف , لأنّ المقصود أوّلاً , كأمره لمعاذ – وقد بعثه إلى اليمن أن يأخذها من أغنيائهم ويردّها في فقرائهم . وحتى ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ الزّكاة لا تصرف إلّا لفقيرٍ.

زكاة الأموال مورِدٌ ضخمٌ لعلاج الفقر:

والزَكاة ليست مورداً هيِّناً أو ضئيلاً. إنَّها العُشر أو نصف العُشر من الحاصلات الزِّراعيّة من الحبوب والثِّمار والفواكه والحضروات –على أرجح الأقوال- أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:2\267]. 

وبعموم قوله تعالى : “فيما سقت السَّماءُ الْعُشْر, وَفِيما سُقِيَ بآلةٍ نصف الْعُشر” 

[الحديث متفق عليه على اختلاف في ألفاظه].

الوسيلَةُ الرّابِعَة: 

كفالةُ الخِزَانَةِ الإسلاميّة بِمُخْتَلِفِ مَوَارِدِهَا:

إذا كُنّا بينّا أنّ الزّكاة هي الموارد المالي الحكومي الأوّل لمعالجة الفقر, وسدّ خلّة الفقراء في الإسلام , فلنضف إلى ذلك أنّ جميع الموارد الرّاتبة لبيت المال “الخزانة الإسلاميّة” فيها قدر مشترك لعلاج هذا الجانب.

ففي أملاك الدّولة الإسلاميّة , والأموال العامّة , التي تديرها وتُشرف عليها , إمّا باستغلالها , أو بإيجارها , أو بالمشاركة عليها , وذلك كالأوقاف العامّة , والمناجم والمعادن التى يوجب الإسلام في أرجح مذاهب ألا يحتحزها الأفراد لأنفسهم , بل تكون في يد الدّولة , ليكون النّاس كافة شركاء في الإنتفاع بها في ربع هذه الأملاك وما تدره من دخل للخزانة الإسلامية , مورد للفقراء والمساكين حين تُضيف حصيلة الزّكاة عن الوفاء بحاجاتهم .

وفي خمس  الغنائم , وفي مال الغنائم , وفي مال الفيء , وفي الخراج , وكلّ أنواع الضّرائب , حقّ للمحتاج والمعوزين. قال تعالى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:8\41]. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:59\7]

نقف هنا في هذا الأسبوع نظراً لضيق المقام وسنواصل في الجمعة القادمة –إن شاء الله المولى القدير.

أقول قولي هذا أستغفر اللهَ الْعَظيمَ لِي ولكم فاستغفروه وتوبو إليه إنّه هو التَّوّاب الرّحيم.

الخُطْبَةُ الثَّانية:

الحمد لله ربِّ العالمين, الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ , غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ , القائل في تنزيله الحكيم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:5\32-34] , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْداً كَثِيراً وَنَشْكُرُهُ شُكْراً جَزِيلاً, وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, ممّا استفدْنَا من الآيات المذكورة السَّابِقَة أنّ نفسَ الإنسانِ مُقَدَّسة في شريعة الإسلام فلا يجوز سفك دمِّه بغير حقٍّ . ولكن في وطننا نيجيريا نفس الإنسان أرخص سلعة في السّوق . فلا يُرَى لها أيّ وزنٍ . هذا عيب وذنب عظيم وإنّه من أكبر الكبائر . فانظُرُوا إلى ما يحدُثُ في جنوب كادُنا حيثُ قُتل حوالي 808 نفسٍ . وعلى الحكومة الفيدرالية وحكومة ولاية كادُنَا أن تبحثا حلولا شافعة لهذه المشكلة . وأكبر المشكلات في تلك الحارة لَمُشكلة دِينِيَّة . و﴿لا إكراهَ فِي الدِّينِ﴾[البقرة:2\256] . وعَلَى الصّحافيّين أن يُخلصوا في وظائفهم الصّحافية وينقلوا الأخبار بالإنصاف , أكبر ما نقرأ ونسمع من الأخبار عن جنوب كادُنا أصوات اتّحاد النّصارى النّيجيري CHRISTIAN ASSOCIATION OF NIGERIA (CAN) ولا نسمع لــمُؤسّسة الشّباب المسلم لجنوب كادُنا(MUSLIM YOUTH FOUNDATION OF SOTHERN KADUNA (MYFOSKA)  ) صَوتاً كأنّهَا لا تُوجَد أو أبْكَم . وأكثر ما نسمع في الأخبار يوميّاً: رُعَاة الأغنام الفُلانِيُون ,FULANI HERDSMAN والمشكلة مشكلة دينية. وعَلى رجالِ الأمن أن يقوموا بواجباتهم نحو قضيَّة أمن ذلك الحيِّ حقَّ القيام. 

ثانيا , ممّا وصلنا من الأخبار أنّ الحكومة الفيدرالية قد أخذت تدفع خمسة ألاف نيرة, (5000 نيرة) شهريّا لأفقر المواطنين . نُثني عليها على هذه الخطوة ولكن ليست هي الحلّ لمشكلة الفقر التي نعانيها في الوقت الرّاهن ؛ على الحكومة أن تبحث عن الحلول الشّافعة لمشكلة الفقر. مشكلاتنا الاقتصادية, الاجتماعية, الأمنية أكبر وأعظم من دفع 5000 نيرة شهريا لبعضٍ مِنَ الفقراء وكيف تعرف الحكومة هؤلاء الفقراء؟,  وكيف الوصول إليهم جميعاً ؟, وكيف التّوزيع ؟. وماذا يفعل هؤلاء الفقراء بهذا المبلغ شهرياً ؟.

الدّعَاءُ:

اللهم أمِنَّا في أوطاننا وولِّ علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان. اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.    

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأُلكَ إيماناً صَادِقاً، وَلِسَاناً ذَاكِرًا، وقَلْباً خَاشِعاً,اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الإسلامِ، وَارْزُقْنَا حَلاَوَةَ الإيمانِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ.

اللهم اغْفِرْ لِلْمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، الدعوات اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا ربَّ العالَمِين. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply