‎الحجّ وَالْعُمْرَة : دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

بسم اللهِ الرّحمن الرّحيم

الْخطبَة الثّالثة لشَهْرِ ذِي الْحجّة بتأريخ 20\12\1439هــ-31\8\2018م

حول : الحجّ وَالْعُمْرَة : دُرُوسٌ وَعِبَرٌ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين, حَمْداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه ، كما يُحِبُّ رَبُّنَا تَعَالَى وَيَرْضَى ، الّذِي جَعَلَ الْحَجَّ إِلَى بَيْتِهِ الْحَرامِ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلامِ وَشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِهِ الْجَلِيلَةِ الْعِظَامِ, فَضَّلَهُ وَشَرَّفَهُ وَأَجْزَلَ الْمَثُوبَةَ فِيهِ, الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ {آل عمران:3\96- 97},  وَأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له غفرَ لِمَنْ حَجَّ البيتَ فلمْ يرفُثْ ولَمْ يفسُقْ جميعَ الذنوبِ والآثامِ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ وصَفْوَةُ رسُلِهِ الكِرامِ،الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف: “الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الَجَنَّةُ” {متفق على صحّته}. صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ إلى يَوْمِ الْحَشْرِ.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِهاَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الإِسْلاَمِ, طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ( البقرة:2\ 197) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة : 2\21].

إخْوة الإِيمان , هَذَا هُوَ اللِّقاءُ الرَّابِعُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّة ولا نَزَالُ عَلَى قَضَايا الْحجِّ حَتَى نستَوْعبَ بَعْضَ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دُرُوسِ مُستفَادَة مِنْ رِحلةِ الْحجِّ والعُمرة فِي حياة الإنسان . وفِي الْأُسبُوعِ الْمَاضِي تَحَدَّثْنا عَن مَاذَا بَعْدَ الْحجّ ؟ . فَمَوْضُوعُنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ : الْحجّ وَالْعُمْرَة : دُرُوسٌ وَعِبَرٌ .

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ , الْمَقْصُودُ من الْحَجِّ هُنَا : الْحَجّ الْمَبْرُور .

ما هو الحجّ المبرور الّذِي وُعِدَ صَاحِبُهُ بِالْمَغْفِرَة وَالْجَنَّة ؟

الْحجّ الْمبرور هُوَ الْحَجّ الْمَقْبُول الّذِي لا يُخالطه مَعْصِيَة بِأن يَأتِي الْحاجّ فيهِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُستَحَبَاتِ ويترك الْمُحَرَّمات وَالْمَكروهَات ويحجّ كَمَا شَرَعَ اللهُ وَكَمَا حجَّ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وأن يَكُونَ مَالُهُ مِنَ الْحَلالِ الْخَالِصِ الّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّهُ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ إذا كَان في المال شُبْهَة  وقال لبيك اللهمّ لبيك ناداه ملك وقال له : لا لبيك ولا سعدَيْكَ مالك حرام وراحلتك حراام فأرجع مأزوراً غَيْرَ مقبُولاً.

أمّا إِذَا كَانَ الْمَالُ مِنَ الْحَلالِ وَقَالَ لبيك اللهمّ لَبَيْكَ قَالَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ : لَبَّيْكَ عَبْدِي مَالُكَ مِنْ حَلالٍ وَرَاحِلَتُكَ مِنْ حَلالٍ وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ .

وَمِنْ عَلامَاتِ الْحجّ الْمَبْرُور أنْ يَمْنَعَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَزِيدٍ مِنَ الْفَضْلِ وَسَعَةِ فِي الرِّزقِ وَيُكْتَبُ لَهُ الْعَوْدَة مَرَّات وَمَرَّات .

فيستفاد من الحج دروس عظيمة تعود آثارها على الفرد والأمة، وإليك أيها القارئ الكريم عرضاً مجملاً لبعض تلك الدروس خلال الأسطر التالية:

1- حصول التقوى :

والتقوى غاية الأمر، وجماع الخير، ووصية الله للأولين والآخرين، والحج فرصة عظمى للتزود من التقوى، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:2\ 197].

وقال عز وجل: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج: 22 \ 37 ].

* فأولو الألباب الذين خصهم الله بالنداء لتقواه ، يأخذون من الحج عبرة للتزود من التقوى، فينظرون إلى أصل التشريع الإلهي، ومكانته المهمة في الدين، ويعلمون أن صدق المحبة والعبودية لله لا يكون إلا بتقديم مراد الله على كل مراد.

* فهذا إبراهيم الخليل – عليه السلام- ابتلاه الله عز وجل بذبح ابنه الوحيد إسماعيل، الذي ليس له سواه، والذي رزقه الله إياه عند كبر سنه؛ والذي هو أحب محبوب من محبوبات الدنيا.

* وهذا الأمر من أعظم البلاء، وبه يتحقق الإيمان وتظهر حقيقة الامتحان؛ فالخليل أعطى المسلمين درساً عظيماً للصدق مع الله، وذلك بتقديم مراد الله على مراد النفس مهما غلا وعظم؛ فإنه عليه السلام – بادر إلى التنفيذ- مع شدة عاطفته، وعظيم رحمته ورقته وشفقته- فأفلح، ونجح، وتجاوز هذا البلاء، فرحمه الله، وشل حركة السكين عن حلق ابنه، بعد أن أهوى بها الخليل؛ ففداه الله بذبح عظيم، وجعلها سنة مؤكدة باقية في المسلمين إلى يوم القيامة؛ ليعاملوا الله – عز وجل- معاملة المحب لحبيبه ومعبوده، فيضحوا بمرادات نفوسهم ومحبوباتها في سبيل مراد الله ومحبوبه.

* فإذا عرف الحجاج هذا المعنى، وأدركوا هذا السر العظيم الذي لأجله شرعت الهدي والأضاحي عادوا يحملون تلك المعاني العظيمة؟، التي تجعلهم لا يتوانون عن تنفيذ شيء من أوامر الله، فلا تمنعهم لذة النوم وشهوة الفراش عن المبادرة إلى القيام إلى صلاة الفجر.

* ولا يمنعهم حب المال، والحرص على جمعه من ترك الغش، والغبن، والربا، والتطفيف، وإنفاق السلع بالأيمان الكاذبة.

* ولا يمنعهم حب الشهوات والميل إلى النساء، والطمع في نيل اللّذة المحرمة من غض البصر، ولزوم العفة، وحفظ الفروج؛ إيثاراً لما يحبه الله على ما تحبه نفوسهم، وتنزع إليه طبائعهم، ورغبة في نيل رضا الله وعوضه في الدنيا والآخرة.

* ولا يمنعهم حب الدنيا عن الإنفاق في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.

وعلى هذه النبذة اليسيرة من أعمال الحج فقس:

* وهكذا يستفيد أولو الألباب من هذا الدرس العظيم في الحج ما يتزودون به على التقوى.

2- اعتياد الذكر: فالذكر مقصود العبادات الأعظم، والذكر يتجلى غاية التجلي في الحج، فما شرع الطواف بالبيع، ولا السعي بين الصفا والمروة، ولا رمي الجمار إلا لإقامة ذكر الله كما قال عليه الصلاة والسلام.

* فإذا أكثر الحاج من الذكر في تلك المواضع أنس بالذكر، واطمأنت نفسه به، وزاد قرباً من ربه، وكان داعياً لاعتياد الذكر، والإكثار منه بعد الحج.

3- اعتياد الدعاء: فرحلة الحج من أولها إلى آخرها فرصة للدعاء والابتهال إلى الله –عز وجل- إذ يجتمع للحاج من دواعي الإجابة ما لا يجتمع لغيره من شرف الزمان، والمكان ولحال الداعي وتلبسه بتلك الشعيرة العظيمة، ولكثرة المواضع التي يشرع فيه الدعاء، وترجى الإجابة؛ فالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، وعند المشعر الحرام، وبعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد رمي الجمرة الوسطى، كل هذه المواضع مواضع دعاء، ومظان للإجابة.

وهذا يبعث المؤمن إلى كثرة الدعاء، وإلى اعتياده في سائر أيامه المستقبلة.

4- التعود على انتظار الفرج : فإذا رأى الحاج جموع الحجيج المزدحمة عند الطواف، والسعي، وفي رمي الجمرات –ظن أن تلك الجموع لن تتفرق، وأنه لن يصل إلى مبتغاه من إكمال الطواف، أو السعي أو رمي الجمار، وربما أدركه الضجر، وبلغت به السآمة مبلغها، وربما أضمر في نفسه أنه لن يحج بعد عامه هذا.

وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تنتقل الجموع، ويتيسر أداء المناسك.

* وهذا درس عظيم، وسر بديع يتعلم منه الحاج عبودية انتظار الفرج، وهي من أجلّ العبوديات، وأفضل القربات؛ فلا ييأس بعد ذلك من روح الله، وقرب فرجه مهما احلولكت الظلمة، ومهما استبد الألم، ومهما عظم المصاب سواء في حاله أو في حال أمته، بل يكون محسناً ظنه بربه، منتظراً فرجه ولطفه، وقرب خيره- عز وجل- فيجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه، وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل.

ولا بعد في خير وفي الله مطمع ولا يأس من روح وفي القلب إيمان

5- اكتساب الأخلاق الجميلة: فالحج ميدان فسيح لمن اراد ذلك؛ فالحاج يتدرب عملياً على الحلم، والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جرّاء ما يلقى الزحام، والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو في غيرها من المناسك، فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك؛ لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن؛ فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله –عز وجل-.

فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج صار ذلك دافعاً لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.

* ثم إن الحاج يتعلم الكرم، والبذل، والإيثار، والبر، والرحمة، وذلك من خلال ما يراه من المواقف النبيلة الرائعة التي تجسّد هذه المعاني؛ فهذا سخيّ يجود بالإنفاق على المساكين، وذاك كريم بخلقه يعفو عمّن أساء إليه، وأخطأ في حقه، وذاك رحيم يعطف على المساكين ويتطلف بهم، وذاك حليم يصبر على ما يلقاه من أذى، وذاك بر بوالده يحمله على عاتقه، وذاك يحوط أمه العجوز بلطفه ورعايته.

* بل ويكتسب الأخلاق الجميلة إذا رأى من لا يدركون معنى الحج، ممن يغضبون لأدنى سبب، وتطيش أحلامهم عند أتفه الأمور.

فإذا رأى العاقل البصير سوء فعال هؤلاء انبعث إلى ترك الغضب، وتجافى عن مرذول الأخلاق.

6- تحقق الأخوة الإسلامية: فالقبلة واحدة والرب واحد، والمشاعر واحدة، واللباس واحد، والمناسك واحدة، والزمان واحد، فكل هذه الأمور تجتمع في الحج، وهي مدعاة للإحساس بوحدة الشعور، وموجبة للتآخي، والتعارف والتعاون على مصالح الدين والدنيا.

7- قيام عبودية المراقبة: فالحاج يطوف بالبيت العتيق سبعاً ويسعى بين الصفا والمروة سبعاً، ويرمي الجمار سبعاً، ويقف في عرفةفي وقت محدد، وينصرف منها في وقت محدد، ويبيت في المزدلفة في وقت محدد، وهكذا.

فلا تراه يزيد في الجمار أو ينقص، ولا تراه يفعل عملاً من أعمال الحج في غير وقته، ولا تراه يأتي محظوراً من محظورات الإحرام عالماً عامداًً.

لماذا؟ لأنه يخشى من فساد حجه، ولأنه يعلم بأن الله مطّلع عليه.

* وهذا درس عظيم يبعث المسلم إلى مراقبة الله –عز وجل- في شتى شؤونه وأعماله؛ فالمطلع على أعمال الحج مطلع على غيرها من الأعمال.

8- التعود على اغتنام الأوقات: فالوقت رأس مال الإنسان، والوقت أجل ما يصان عن الإضاعة والإهمال.

وفي الحج يقوم الحاج بأعمال عظيمة، وفي أماكن مختلفة متباعدة مزدحمة، وفي أيام محدودة قد لا تتجاوز أربعة أيام.

* وفي هذا دليل على أن في الإنسان طاقة هائلة مخزونة، لو استثارها لآتت أكلها ضعفين أو أكثر.

وهذا درس عظيم يبعث المسلم إلى أن يعتاد اغتنام الأوقات، وأن يحرص على ألا يضيع منها شيئا في غير فائدة.

9- انبعاث عبودية الشكر: فالحاج يرى المرضى، والمعاقين، والعميان، ومقطعي الأطراف، وهو يتقلب في أثواب الصحة والعافية؛ فينبعث بذلك إلى شكر الله –عز وجل- على نعمة العافية.

* ويرى ازدحام الحجيج، وافتراشهم الأرض، وربما لا يستطيع الحاج ان يجد مكاناً يجلس فيه، فيتذكر نعمة المساكن الفسيحة التي يسكن فيها، فينبعث إلى شكر الله على ذلك.

* ويرى الفقراء والمعوزين الذين لا يجدون ما يسدون به رمقهم، فينبعث إلى شكر الله على نعمة المال والغنى.

* ويرى نعمة ربه عليه أن يسر له الحج، الذي تتشوق إليه نفوس الكثيرين من المسلمين ولكنهم لا يستطيعون إليه سبيلاً؛ فيشكر الله –عز وجل- أن يسّر له الحج وأعانه على أداء مناسكه.

* بل ويرى نعمة ربه عليه أن جعله من المسلمين، فينبعث إلى شكر نعمة الإسلام، ويعض عليها بالنواجذ، و يثني بالخناصر؛ لأن نعمة الإسلام لا تعدلها نعمة ألبتة.

وهكذا تقوم عبودية الشكر في الحج، فيكون الحاج من الشاكرين، وإذا كان كذلك درت نعمة وقرت؛ فالشكر قيد النعم الموجودة، وصد النعم المفقودة.

10- تذكر الآخرة: فإذا رأى الحاج ازدحام الناس، ورأى بعضهم يموج في بعض، وهم في صعيد واحد، وبلباس واحد، وقد حسروا عن رؤوسهم، وتجردوا من ثيابهم، ولبسوا الأردية والأزر، وتجردوا من ملذات الدنيا، ومتعها- تذكر يوم حشره على ربه؛ فيبعثه ذلك الاستعداد للآخرة، ويقوده إلى استصغار متاع الحياة الدنيا، ويرفعه على الاستغراق فيها، ويكبر بهمته عن جعلها قبلة يولي وجهه شطرها حيثما كان.

11- اعتياد مراغمة الشيطان: فالشيطان عدو للإنسان مبين، ولقد حذرنا الله – تبارك وتعالى- من الشيطان وأمرنا بأن نتخذه عدواً، وبألا نتبع خطواته، فمراغمة الشيطان مرضاة للرب –جل وعلا-.

* وهذا الأمر يتجلى في الحج، وأعظم ما يتجلى في رمي الجمار؛ فالحجاج لا يرمون الشيطان، وليس الشيطان بواقف لهم يرجمونه. وإنما يرجمون المواقف التي وقف فيها الشيطان لأبيهم إبراهيم، فرجمه الخليل –عليه السلام- فهم يرجمونه لا لمجرد التكرار، وإنما للانتفاع والاعتبار؛ فعليهم أن يتأملوا كيف عرف أبوهم إبراهيم الذي وقف له ليصده عن تنفيذ أمر ربه أنه شيطان؛ حيث تمثل له ثلاث مرات؛ ليثنيه عن ذبح ابنه، فرجمه إبراهيم ثلاث مرات كل مرة سبع حصيات، وقال له: ليس لك عندي إلا الرجم، فخنس وخسأ، وخاب ظنه، ونكص على عقبيه.

* فأولو الألباب يعتبرون بهذا الجرم، ويأخذون منه دروساً وعبراً؛ إذ يعاملون كل شيطان من شياطين الجن والإنس ممن يريدون صرفهم عن طاعة ربهم بالرجم المعنوي الذي هو بغض مَنْ صدّ عن سبيل الله، وعصيانه، و مراغمته، والابتعاد عنه، والاستعاذة بالله منه.

فيعرفون أن كل من حاول صدهم عن طاعة ربهم، او فتنتهم في دينهم أنه شيطان مهما لبس من لبوس، ومهما أظهر من مودة وتصنع.

* أيها الحاج الكريم! ما أكثر دروس الحج! وما أعظم بركاته! فليكن لك في ذلك أوفر الحظ والنصيب؛ لتفوز بسعادة الدارين، ولتكون من حزب الله المفلحين، ومن أوليائه المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

أقُولُ قَوْلِي هَذَا أسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

الْخُطْبة الثّانيّة:

الحمد لله ربّ العالمين , القائل في كتابه العزيز:﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِيـنَ وَالصَّادِقَـاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾[الأحزاب:33\35], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه ونصلّي ونسلِّم على خير خلقه سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين .

أمّا بعد ,

فعباد اللهِ , إنّ الأُمم المتّحدة احتفلت بـــــــــيوم مساواة النساء :

WOMEN’S EQUALITY DAY أي المساواة بين الرّجل والمرأة يوم 26, أغسطس, 2018م كعادتها السّنويّة.ونريد أن ننظر في هذه القضيّة في المنظور الإسلامي .فإنّ الدّين الإسلامي دين العدل والعدالة الاجتماعية .

موقف الإسلام من قضية المساواة بين الرجل والمرأة :

فالإسلام أعطى الإنسان الحرية، وقيدها بالفضيلة حتى لا ينحرف، وبالعدل حتى لا يجور، وبالحق حتى لا ينزلق مع الهوى، وبالخير والإيثار، حتى لا تستبد به الأنانية وبالبعد عن الضرر، حتى لا تستشري فيه غرائز الشر [سنن النسائي:للإمام أبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على بن بحر النسائي المتوفى سنة 303 هـ – مطبعة الحلبي بمصر.].

والمرأة في ميزان الإسلام كالرجل، فرض الله عليها القيام بالتكاليف الشرعية وهي تحمد إذا استجابت لأمر الله، وتذم إن تنكبت الصراط السوي، كما قال عز وجل ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب ﴾[غافر:40\40].

وقد كانت المرأة في المجتمع الجاهلي العربي قبل الإسلام محرومة من كثير من حقوقها، وعرضة للظلم والضيم تؤكل حقوقها وتبتز أموالها، وتحرم الإرث، وتعضل بعد الطلاق – أو وفاة الزوج – من أن تنكح زوجاً ترضاه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بالمعروف﴾[البقرة:2\232].

وكانت تورث كما يورث المتاع أو الدابة، فقال الله عز وجل﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ [النساء:4\19].

كما كان كثير من العرب يتشاءمون بميلاد الأنثى، كما حكى الله عنهم في قوله جل شأنه ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فـِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾[النّحل:16\58-59].

فجاء الإسلام ليهدم ذلك كله، ويقرر أن النساء شقائق الرجال، ويقرر المساواة بينهما في أصل الخلق وفي نسبتهما البشرية، فليس لأحدهما من مقومات الإنسانية أكثر مما للآخر، ولا فضل لأحدهما على الآخر بسبب عنصره الإنساني وخلقه الأول، فالناس جميعاً ينحدرون من أب واحد وأم واحدة، قال تعالى ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات:49\13].

أما في جانب المسؤولية عن المجتمع واستقامته، فنجد أن الإسلام قد جعل من المرأة قرينة للرجل، ففي جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطاعة لله ولرسوله، يجعل الإسلام المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة، قال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[التّوبة:9\71].

فقد بني الاختلاف بين نصيب المرأة ونصيب الرجل في الميراث على أساس الاختلاف بين أعباء الرجل المالية في الحياة وأعباء المرأة، فمسؤولية الرجل في الحياة من الناحية المادية أوسع كثيراً من مسؤولية المرأة.

فالرجل رب الأسرة وهو القوّام عليها، والمكلف بالإنفاق على جميع أفرادها، أما المرأة فليست مكلفة حتى بالإنفاق على نفسها، فكان من العدل أن يكون حظ الرجل من الميراث أكبر من حظ المرأة، حتى يكون له في ذلك ما يعينه على القيام بهذه التكاليف المادية التي ألزمه الإسلام بها، وقد أعطى الإسلام المرأة نصف نصيب نظيرها من الرجال في الميراث مع إعفائه إياها من أعباء المعيشة، ولذلك لو لم يكن للوارثين إلا ما يرثونه من أمواتهم، لكانت أموال النساء – دائماً – أكثر من أموال الرجال .

والأمر الثّاني : زيارة رئيسة بريطانيا THERESA MAY لرئيس نيجيريا محمّد بخاري 29, أغسطس, 2018م : وركّزت الرّئيسة THERESA على القطاعات الثلاثة الدفاعية والأمنية والاقتصادية , وأبانت أنّ العلاقة بين بريطانيا وبين نيجيريا وطيدة بالنسبة لهذه القطاعات . وأثنت على حكومة محمد بخاري على الحصول على الأموال المسروقة وقالت إنّهم في بريطانيا لا يريدون التّغلّب على أموال نيجريا ولكنّهم سيسلكون طريقة مشروعية لردّ هذه الأموال إلى نيجيريا. حثّته على أن يستخدم قوته كرئيس ECOWAS على محاربة جريمة الاتّجار بالبشر :HUMAN TRAFFICKING في المنطقة الأفريقية الغربيّة. ووعدت أن حكومتها ستعينه على تلك المسؤولية .

الدُّعَاءُ:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, اللهم أرجع الحجاج إلي أهلهم سالمين مقبولين مغفورين,  اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن.

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply