بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّالثة لشهر جمادى الثّانية بتأريخ 16/6/1442هــ -29/1/2021م

حول: أهمية الأمنِ في البلاد وضرورة المحافظة عليه

____________________________________________________

الحمد لله رب العالمين، مَنَّ على مَنْ شاء مِنْ عِباده بهدايتهم للإيمان، وكره إليهم الكُفْرَ والفُسوقَ والعصيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال والجلال والعظمة والسلطان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوثَ إلى كافة الإنس والجان، فبلَّغ رسالةَ ربِّه وبين غاية البيان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا العدل والأمن والإيمان وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد,

 فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله, طبقا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا اتَّقُوْا الْلَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الْلَّهَ إِنَّ الْلَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ، وَلا تَكُوْنُوْا كَالَّذِينَ نَسُوْا الْلَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُوْنَ) [الحشر:59/18-19].

إخوة الإيمان, إنّ موضوعَ خُطْبِتنَا اليوم يدور حول: أهمية الأمنِ في البلاد وضرورة المحافظة عليه. وسبب اختيار هذا الموضوع في الوقت الرّاهن هو حالة وطننا نيجيريا عامّةً, وخاصّةً بعض بلاد يوربا, جنوب غربي نيجريا, من إنعدام الأمن والاختطاف والعصبية القبليّة وأزمات بينالرّعاة و المزارعين داخل البلاد. ومن أهداف هذه الخطبة الدعوة إلى تحقيق التّوازن بين أصحاب المصلحة ومرتكبي الشّرِّ.

أيّها المسلمون الكرام, قد أوضح علماء الدين، أن الإسلام الحنيف حث على الحفاظ على أمن واستقرار الأوطان، واعتبر ذلك من شروط الإيمان، مؤكدين أن نعمة الأمن لها علاقة وطيدة بنهضة الوطن ورقيه، فإذا عم الأمن البلاد أصبح كل فرد منتجا وفعالا، وفي ظل انعدام الأمن لا تنهض أمة ولا تقوم حضارة.

إخوة الإسلام, اعلموا أن الأمن وا

لأمان من أهم دعائم المجتمعات ووسائل استقرارها‏، ‏فلا استقرار ولا اقتصاد بلا أمن‏، ولا نهضة ولا رقي ولا تقدم ولا ازدهار بلا أمن‏، لذا دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام لمستقر ولده إسماعيل وزوجه هاجر أول ما دعا بالأمن والأمان، فقال عليه السلام كما أخبر النص القرآني على لسانه: (… رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ…)، «سورة البقرة: الآية 126»، فدعا للمكان أن يكون بلداً وأن يكون آمنا وأن يرزق أهله من الثمرات حتى يحقق لهم الأمن الغذائي والنفسي إلى جانب الأمن العام. وقال د. جمعة, وزير الأوقاف المصري: نظراً لأهمية الأمن في حياة الأوطان، أقسم به الحق سبحانه وتعالى فقال: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)، «سورة التين: الآيات 1 – 3»، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، وقد اعتبر الإسلام حرص الإنسان على توفير الأمن للآخرين ووفائه بذلك شرطا من شروط الإيمان. تحقيق العدل ومن وسائل المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار، تحقيق العدل بين جميع أبناء الوطن، فإن الله عز وجل ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الأمة الظالمة ولو كانت مسلمة، والمقصود بالعدل هو:

أ- تحقيق العدل في جميع جوانبه من العدل في الحكم،

ب- العدل في القول، والقسمة،

 ج-وتوزيع الثروات ,

د-والحصول على فرص العمل،

هــ- وتكافؤ الفرص في الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.

كما أن من وسائل المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار، تطبيق القانون بحسم على الصغير والكبير دون تردد أو مجاملة أو محسوبية، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه».

إخوة الإيمان, شرع الإسلام من الأحكام ما يحافظ على النفس والمال والعرض، فشرع القصاص لحفظ النفس، وحد السرقة لحفظ المال، وحد الزنا وحد القذف لحفظ العرض، وحد الحرابة للمفسدين في الأرض، فقال سبحانه: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَ?لِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، «سورة المائدة: الآية 33». وشدد على أهمية نشر قيم التكافل والتراحم بين جميع أبناء الوطن، فوطن لا تراحم فيه لا يمكن أن يكون آمناً، فنحن جميعاً في سفينة واحدة، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً».

مقاصد الشريعة: قد أفادنا د. جمال نصار، الباحث في فلسفة الأخلاق والفلسفة الإسلامية، فقال: بلا شك أن الجميع في حاجة للعيش في كنف الأمن والاستقرار، ومن ثم يحتاج الفرد في حياته إلى الأمن على نفسه ودينه وعرضه وماله، وجعلت الشريعة الإسلامية الحفاظ على هذه الضروريات من أهم مقاصدها، وقدم الإسلام الأمن الاجتماعي على اجتناب الشرك بالله كما حرص على تحقيق الأمن الاقتصادي. قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، «سورة النحل: الآية 12»، فكل البشر يحتاجون إلى أن يعيشوا في سلام وأمان، حتى تزدهر وتتطور البلدان وتتحقق رفاهية العيش لأبنائها.وأضاف د. نصار: ومن آليات تحقيق الأمن، نشر ثقافة الأمن والسلم، فنحن جميعا في حاجة إلى قيم الأمن والسلم والتسامح بكل أبعادها مما يحتم على الجميع نشر هذه القيم في المجتمع والبيت والمدرسة، ولهذا كانت تحية الإسلام «السلام عليكم»، ومن آليات تحقيق الأمن أيضا، الاعتدال والوسطية واجتناب التطرف.

أيّها المسلمون الكرام, نبّه الإسلام المسلمين على أهمية التعاون المجتمعي في كشف المفسدين والمخربين والضرب على أيديهم بيد من حديد، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما، أو مظلوما. فقال رجل يا رسول الله: أنصره مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال الرسول: تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره»، وهنا نؤكد أن الإسلام نهى عن كل ألوان الإفساد في الأرض، فالإفساد والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة أو تعطيل الطرق أو الدعوة إلى تعطيل مسيرة الحياة وكل ما يضر مصالح الوطن مما لا يقره دين ولا خلق ولا عقل سليم، ويجب على المجتمع أن يقف صفاً واحداً في مواجهة هذا الفساد، وأن يقف صفاً واحداً أمام كل وجوه وألوان الفساد والإفساد في الأرض، كل يؤدي دوره من باب قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم.

 

الخطبة الثّانية:

الحمد لله ربّ العالمين, القائل في كتابه العزيز: “يَا أيُّهَا النَّاسُ إنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات:49/13], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونصلِّي ونسلِّم على خير خلقه سيِّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أمّا بعد,

فيا عباد الله, إنّه من المستحسن في هذا الأوان أن ننظر بنظر الإسلام إلى الأزمات التي تقع في ولاية أويو , في منطقة بارابا, حيث قد استقرت قبيلة فلانية منذ أمدٍ مديدٍ تجاوز خمسين سنةً فمن أجل الفساد الذي يجري في تلك المنطقة من اختطاف وأزمات بين الرّعاة الفلانيّين والفلّاحين المزارعين اليورباويِّين , قام بعض أبناء يوريا وذهبوا إلى قرية الفلانييّن الواقعة في تلك المنطقة وأمروهم بترك بلدهم الذي قد كانوا فيه منذ هذه السنوات ووضع لهم الإنذار النّهائي-أسبوعاً واحداً فقط- فصار الأمر فوضى بين الطّرفَيْنِ. وقد تكلّم حاكم ولاية أويو لأنه مسؤول عن كلّ ما يحدث في ولايته.

إخوة الإيمان, إنّ هذه القضية ليست بقضيّة أفرادٍ من النّاس وإنّما هي قضيّة حكومة الولاية والفيدراليّة. وأخوف ما نخاف عليه هو جعلها قضيّة العصبية القبليّة التى حاربها الإسلام بالنصوص القرآنية والأحاديث النّبويّة.

وفي صدر الإسلام كان لروح القبيلة، ومجد الآباء والأجداد تأثير عجيب مما جعل قبيلة قريش وقبائل العرب تقف متجبرة متغطرسة أمام الحق الأبلج.

إن الإسلام حرم نصرة الظالم ففي الحديث الشريف: « انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قيل: يا رسول الله.. فكيف أنصره ظالماً؟ قال – عليه الصلاة والسلام -: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه » [حديث متفق عليه].

وفي الحديث الشريف: « من قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصَبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتلةٌ جاهليةٌ » [صحيح مسلم بشرح النووي: 12 / 238]، والعمية هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه.  وقال – تعالى -: (لا تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ واليَومِ الآخِرِ يُوَادٌّونَ مَن حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبنَاءَهُم أَو إخوَانَهُم أَو عَشِيرَتَهُم) [المجادلة: 22].

الدّعاء:

اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأهدنا سبل السلام، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، اللهم ألف بين قلوبنا رعاة ورعية، ووحد كلمتنا وصفوفنا، وأحفظ علينا مودتنا وأخوتنا، وطهر قلوبنا من الحقد والحسد والبغضاء، وجنبنا الخلاف والنزاع والشقاق والخصام، واصرف عنا شر الأشرار وكيد الفجار ياذا الجلال والإكرام.

اللهم آمنا في وطننا، واجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا، ووفق رئيسنا محمّد بخاري ونائبه ووزرائه وفقهم لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم كن للمستضعفين ناصرا ومؤيدا، اللهم انصرهم في فلسطين وفي بلاد الشام وفي اليمن وفي كل مكان.. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، ومن احتلال الغاصبين.

 وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *