الهجرة النّبويّة وبناء المجتمع: (4) دَوْرُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيّةِ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ

http://Download 1st Khutba in Safar, 1438

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْخطبة الأولى لشهر صفر بتأريخ 4\2\1338هـ- 4\11\2016م

الهجرة النّبويّة وبناء المجتمع: (4) دَوْرُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيّةِ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أرسل رسله بالبينات والهدى، وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ؛ وَخَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ وَأَيَّدَهُ بِالسُّلْطَانِ النَّصِيرِ، الْجَامِعِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَلَمِ لِلْهِدَايَةِ وَالْحُجَّةِ؛ وَمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالسَّيْفِ لِلنُّصْرَةِ وَالتَّعْزِيرِ، القَائِلِ فِي فُرْقَانِهِ الْعَظِيمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:4\ 58 – 59]  وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شهادة خالصة أخلص من الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليماً كثيرا، شهادة يَكُونُ صَاحِبُهَا فِي حِرْزٍ حَرِيزٍ.

 أَمَّا بَعْدُ,

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَإنَّها خيْرَ الزَّادِ لِنَيْلِ الْمَرْغُوبِ فِي الدُّنْيا والآخِرة فَقَدْ قالَ تَعالَى : ﴿…وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾{البقرة :2\197} .

إِخْوَةَ الإِيمَان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الْأَوَّلُ لِشَهْرِ صَفَرِ وَلاَ نَزَالُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الْعَامِ الرَّئِيسِي : الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّة وَبِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ. وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَلَى ثَلاَثَةِ مَوْضُوعَاتٍ الّتِي هِيَ : دَوْرُ الْعَقِيدَةِ الإسلامِيَّة وَأَثَرُهَا فِي بِنَاء الْفَرْدِ والْمُجْتَمَعِ وَالْعِبَادَة وَأَثَرُهَا فِي إصْلاَحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالْأَخْلاق وَأَثَرُهَا فِي إِصْلاَحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَالْيَوْمَ-إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- نَتَحَدَّثُ عَنْ دَوْرِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ نَظَراً فِي الدَّوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ الأُولَى الَّتِي أسَّسَهَا الرَّسُولُ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَة. وفِي هَذَا الوقت الرّاهِنِ نَنْظُرُ فِي خُطْوَاتِ الرَّسُولِ ﷺ فِي تَأسيس المجتَمَعِ الإِسْلامِي الْجَدِيدِ خُطْوَةً تِلْوَ أُخْرَى:

1-بِنَاءُ الْمَسْجِدِ النَّبْوِيِّ:

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, أول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي المدينة المنوَّرَة هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول :

( اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة )

فإن للمساجد أهمية بالغة في حياة المسلمين، فهي الزاد الروحي لمسيرة المسلم الطويلة إلى الله -تعالى-، وهي المدرسة التي يأخذ فيها علومه وآدابه ويعرف ماضيه وحاضره، ويترسم خطى مستقبله، ولقد كانت المساجد في أيام عزتها ومكانتها منطلقَ المسلمين لكثير من شؤون حياتهم، فمن ذلك أنها كانت جامعة لمختلف العلوم، وساحة للتدريب على مشاق الجهاد في سبيل الله، حتى خرجت منها الجيوش إلى أصقاع الأرض مهللة مكبرة ترفع راية الإسلام في كل أنحاء المعمورة.. تلكم هي مكانة المساجد وأهميتها، واليوم لا بد من إعادة تلك الأهمية والمكانة إلى نفوس الناس وواقع حياتهم.

2-الْمُؤَخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)  فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام، إلى حين غزوة بدر، في رمضان من السنة الثانية للهجرة،

فلما أنزل الله عز وجل قوله: (وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) [سورة الأحزاب الآية: 6] رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوّة، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها مسلم، وبعض الأبناء مشرك، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون التوارث بين الإخوة المؤمنين، ولكن بعد حين:

(وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة.

وكانت المؤاخاة في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر.

1. من أغراض المواخاة:

أ‌. ذهاب وحشة الغربة: ب‌. شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض:  ت‌. حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين:  لذلك قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)  [سورة سبأ الآية: 46]

إذا جلست مع أخيك فتحاور حول هذا الدين، حول هذا النبي الكريم، حول سنته حول عظمة الإسلام.

مرة حضر أمام النبي عليه الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن، أخطأ، فقال:

أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل

ث‌. القدوة الصالحة:  شيء آخر، الدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها، والإسلام لا يعيش إلا بالمثل، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب، ينمو بمسلم تراه عينك ، لذلك كما أن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي،ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، ينبغي أن ترى أمانته، وأن ترى صدقه، وأن ترى عفافه، وأن ترى محبته، وأن ترى إنصافه، وأن ترى غناه عما سوى الله.

ج‌. تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي:

تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي في جميع الأحوال والمجالات، فالفرائض الإسلامية من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج نقوم بها جميعاً، والذي يشكل بمجموعه غاية المؤاخاة، الصلاة واحدة، والملك والخفير يصليان جنباً إلى جنب في المسجد، في الحج الخفير يطوف، والملك يطوف، والخفير يسعى، والملك يسعى، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني وفقير.

3-ميثاق التحالف الإسلامي:

وكَمَا قَامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِعَقْدِ هذه الْمُؤاخاة بين المؤمنين، قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة . وفيما يلى بنودها ملخصًا :

هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم :

1ـ إِنَّهُمْ أمَّةٌ واحِدَةٌ من دُونِ النّاس ِ.

2ـ المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

3ـ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل .

4ـ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين .

5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم .

6ـ ولا يَقْتُلُ مُؤمنٌ مؤمناً في كافرٍ .

7ـ ولا يَنْصُر ُكافرًا علَى مُؤمِنٍ .

8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم .

9ـ وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم .

10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله .

12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن .

13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول .

14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه .

15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل .

16 ـ وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمد صلى الله عليه وسلم .

 أَثَرُ الْمَعْنَوِيَاتِ فِي الْمُجْتَمَعِ:

بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمع جديد، كانت صورته الظاهرة بيانا وآثارًا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك الأمجاد بفضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة .

سأله رجل : أي الإسلام خير ؟ قال : ( تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتُقْرِئُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ).

قال عبد الله بن سلام : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئت، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ) وكان يقول : ( لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) ويقول : ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )  ويقول : ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) ويقول : ( الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ ) . ويقول: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِن ِكَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) ويقول: (لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ). ويقول: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَن ْكَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْه ُكُرْبَةً مِن ْكُرباتِ يَوْمِ الْقِيامَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة) ويقول: (ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ). ويقول: (لَيْسَ الْمُؤْمِن بالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَانِبِهِ). ويقول: (سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ). وكان يجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويعدها شعبة من شعب الإيمان . ويقول: (الصَّدَقَة تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ). ويقول: (أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرى كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضَرِ الْجَنَّة، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّة، وَأيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِماً عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرّحِيقِ الْمَخْتُومِ) ويقول: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلْمَةٍ طَيِّبَة).

أقُولُ قَوْلِي هَذَا أسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ.

الْخُطْبَةُ الثّانِيّة:

الحمد لله ربّ العالمين , القائل في تنزيله العزيز: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التّوبة:9\36], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره شكراً كثيراً ونصلّي ونسلِّم على خير خلقه سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

أمّا بعد,

فعباد اللهِ, نَحْنُ الآن في الشّهر الهجري الْجَديد: صَفَر ولكلٍّ من هذه الشّهور وظيفته كما بيّنه صاحب “لطائف المعارف” , الشّيخ العلّامة ابن رجب, وما تتعلّق بشهر صفر أمور عقائدية ينبغي تفصيلها بالبيّان لإخوتنا المسلمين وأخواتنا المسلمات.

وظيفة شهر صفر:

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا عدوى ولا هامة ولا صفر”

أما العدوى: فمعناها أن المرض يتعدى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحاء فيمرض بذلك وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فمن أعدى الأول” ومراده: أن الأول لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: “لا عدوى” مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يورد ممرض على مصح”.

والممرض: صاحب الإبل المريضة والمصح: صاحب الإبل الصحيحة والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: “فر من المجذوم فرارك من الأسد” وقوله صلى الله عليه وسلم في الطاعون: “إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها” ودخول النسخ في هذا كما تخيله بعضهم لا معنى له فإن قوله: “لا عدوى” خبر محض لا يمكن نسخه إلا أن يقال: هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها ولكن يمكن أن يكون ناسخا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها. والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا نسخ في ذلك كله ولكن اختلفوا في معنى قوله: “لا عدوى” وأظهر ما قبل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك ويدل على هذا قوله: “فمن أعدى الأول؟ ” يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “لاهامه” فهو: نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة: وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ: أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها ولكن الذي جاءت بها الشريعة: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وترد من أنهار الجنة إلى أن يردها الله إلى أجسادها وروي أيضا أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “ولاصفر” فاختلف في تفسيره فقال كثير من المتقدمين: الصفر: داء في البطن يقال: إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا يعتقدون أنه يعدي فنفى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال هذا من العلماء: ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: “لا عدوى” وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى وقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:

أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء فكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه وهذا قول مالك.

والثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يستيشمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشئوم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي عمن سمعه يقول ذلك ولعل هذا القول أشبه الأقوال وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهى عنها وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء وقد روي أنه: “يوم نحس مستمر” في حديث لا يصح بل في المسند عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: دعا على الأحزاب يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر قال جابر: فما نزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت ذلك الوقت فدعوت الله فيه الإجابة أو كما قال.

وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة وقد قيل: إن أصله أن طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس فتشائم بذلك أهل الجاهلية وقد ورد الشرع بإبطاله قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال أيضا.

الدّعاء:

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

 

Leave a Reply