صيام رمضان أحكام وآداب

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الثالثة لشهر شعبان بتأريخ 20 /8/ 1440ه ( 26/4/ 2019م)

صيام رمضان أحكام وآداب

الحمد لله الذي جعل شهر رمضان موسمًا للطّاعات وصالح الأعمال ومضاعفة الأجور، وخصّه بجميل المزايا وأبهى الصّفات فأكرم وأنعم فيه بالخيرات والبركات، أهلّه الله علينا باليمن والإيمان والسّلامة والإسلام . أحمده وأشكره وأشهد أن لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له ولا نعبد إلاّ إيّاه ،وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله القائل في حديثه الشريف ” من صام رمضان وعرف حدوده وتحفّظ ممّا ينبغي أن يتحفّظ منه غفر له ما تقدّم من ذنبه” صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرا .

أمّا بعد\ فأيّها الاحبّة في الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله جلّ وعلا وقدّروه حقّ قدره ظاهرا وباطنا وبادروا من جديد بالأعمال الصّالحة يثبكم ويجركم من عذاب أليم “يا أيّها الذين آمنوا إن تتّقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفّر عنكم سيّئاتكم ويغفر لكم ذنوبكم والله ذو الفضل العظيم ” (الأنفال : 29) واعلموا يقينًا أنّه لن تنالوا المثوبة من صيامكم في رمضان إلا بالتّقوى وأداء صيامكم بأحكامه وآدابه، ولذلك يتركّز موضوع خطبتنا اليوم للأسبوع الثّالث من شعبان على أحكام وآداب صيام رمضان .

حكم صيام شهر رمضان
عباد الله، إنّ صيام رمضان فرض من فرائض الإسلام وركن من أركانه وما سواه فإنّه تطوّع : “فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ …”(البقرة : 184) والدّليل على وجوبه وفرضه قوله تعالى : “يا أيّها الذين آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتّقُّونَ ” (البقرة :183) أي فرض عليكم . وقوله صلّى الله عليه وسلّم : “بني الإسلام على خمس …” وذكر منها:”… وصوم رمضان. (رواه البخاري)

والصّيام فريضة كان أو نافلة : هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثّاني إلى غروب الشمس. والذي يلزمه هذا الإمساك هو المكلّف. أمّا غير المكلّف كالمجنون أو الصّغير الذي لم يبلغ سنّ التّكليف فهذا لا صيام عليه وكذلك الكافر الذي طلب منه شرطه وهو الإسلام. فالصّيام إذا يجب على المسلم المكلّف، يعني البالغ العاقل القادر:فلا صيام على المريض أونحوه من المعذورين وإن كان يجب عليه القضاء أو الفدية.

مفطرات الصّيام
أ- إن من أهمّ المفطرات التي تنافي هذا الصّيام هي:

الأكل والشرب، ولكن يعفى في الأكل والشرب عن النّاسي. فإذا فعل شيئا منها عفي عنه لقول النبيّ صلى الله عليه وسلّم كما في الصّحيح : ” إذا نسي فأكل وشرب فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه الله وسقاه “. أمّا إذا أفطر عمدا وبغير عذر فقد وقع في ذنب كبير كما ورد عنه صلّى الله عليه وسلّم : “من افطر يومًا في رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدّهر وإن صامه” ويذهب بعض العلماء إلى كفر من وقع في ذلك .

ب- النّكاح : إذا جامع الرّجل أهله في نهار رمضان فإنّ عليه القضاء مع الكفارة التي هي كفارة الظهار التي ذكرها الله تعالى في أوّل سورة المجادلة\ ٣-٤ وهي: تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا.

ج- القيء: ثبت أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال : “من استقاء عمدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه” فمن تعمّد إخراج القيء فإنّ عليه القضاء لكونه تعمّد إخراج ما يفطر صومه ومن غلبه وخرج قهرًا، فلا قضاء عليه لكونه لم يتسبّب في ذلك. ومثل ذلك الاستمناء.
د- الحجامة : ذهب الإمام أحمد إلى أنّ الحجامة تفطر واستدلّ بحديث الرّسول صلى الله عليه وسلّم : أفطر الحاجم والمحجوم ” وهو حديث متواتر رواه عدد من الصّحابة كما في شرح الزركشي ولو لم يكن منه شيء في الصّحيحين ولكن منه أحاديث ثابتة عن شداد وثوبان وغيرهما. ويلحق بهذه أخذ الدّمّ فيما يسمّى بالتحليل أو التّبرّع لمنحه للمريض إذا كان الدّمّ كثيرا. أمّا إذا كان قليلا بالإبرة وما يؤخذ للتحليل فالصّحيح أنّه لا يفطر .
ه- الحقنة المغذية المقوّية : تفطر هذه الصّيام لقيامها مقام الطّعام والشّراب عبر العروق إذ هي تكسب البدن قوّة. أمّا الإبرة الأخرى التي هي إبر يسيرة للتهدئة أو لتصفية الجسم أو ما أشبه ذلك ولم تتطلّب تناول الطّعال فالأولى والصّحيح أنّها لا بأس بها للحاجة ،ولا تفطر الصّائم .
أمّا الآداب فمنها ما هو واجب يلزم العبد أن يحافظ عليها ويلتزم بها، ومنها ما هو مستحبّ يزداد العبد بفعلها أجرا وثوابًا. .

فمن الآداب الواجبة : أن يقوم الصّائم بما أوجب الله عليه من العبادات القوليّة والفعليّة. ومن أهمّها الصّلاة المفروضة التي هي آكد أركان الإسلام، فيجب على الصّائم المحافظة عليه وأدائها مع جماعة المسلمين وذلك من التّقوى التي من أجلها شرع الصّيام. ومنها أن يجتنب الصّائم جميع ما حرّم الله عليه من الأقوال والأفعال، فيحفظ لسانه عن الكذب والغيبة والنّميمة والسّبّ والشّتم وفحش القول كما يحفظ بصره عن النظر إلى المحرّمات وأذنه عن الاستماع للحرام وبطنه عن كلّ مكسب خبيث محرّم لقوله صلّى الله عليه وسلّم “ليس الصّيام من الأكل والشّرب إنّما الصّيام عن اللّغو والرّفث” وقال جابر رضي الله عنه :”إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك. ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواءً” وأمّا الآداب المستحبّة فمنها : السّحور لقوله صلى الله عليه وسلّم ” تسحّروا فإنّ في السّحور بركة” (متّفق عليه) وتعجيل الفطر وفق قوله صلّى الله عليه وسلّم :”لا يزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطرَ” (متّفق عليه ) وينبغي للصّائم أن يحرص على الدّعاء عند ذلك فإنّ للصّائم عند فطره دعوة لا تردّ. ومنها كثرة قراءة القرآن والذّكر والدّعاء والصّدقة والاستكثار من أنواع الخير والعمل الصّالح.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الأدب معه وأن يتقبّل منّا صيامنا وقيامنا ،إنّه جوّاد كريم .

الخطبة الثّانية

الحمد لله الذي أوحى على عبده أوّل ما يوحى إليه في محكم تنزيله فقال:”اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الّذِي عَلَّمَ بِالَقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ” (العلق :1-5)
فإنّ الآيات الكريمة دليلة صارحة على حقيقة القراءة وأهميّة الكتاب المكتوب للقراءة منذ خمسة عشر قرنا لفجر الرّسالة قبل مجيء فكر الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلّف كأحد الأيام العالمية تقديرا للكتب ومؤلفيها ونشرا لثقافة القراءة ومطالعة المؤلّفات باختيار يوم 23 أبريل من كلّ عامٍ للمناسبة بداية في عام 2017مــ
فالإسلام دين سماوي الوحيد الذي يعترف بالكتاب وأهله وأحلّه مكانته للبشر إذ جعل القراءة مفتاح العلم ويكفينا دليلا على ذلك أنّها أوّل ما أمر به الرسول وأوّل ما أنزل عليه فجعل العلم فرضا وطلبه واجبا. ولكون القراءة من أهم أسباب تحصيله، أصبحت القراءة للكتب النافعة واجبة. لأنّ كلّ ما يتوصّل به إلى إقامة واجب فهو واجب بالإضافة إلى أنّها :- .
1- من أقوى الأسباب لمعرفة الله سبحانه وتعالى وعبادته وطاعته وطاعة رسوله.
2- من أقوى الأسباب لعمارة الأرض والوصول إلى العلوم المؤدّية لذلك.
3- سبب لمعرفة أحوال الأمم الماضية والأجيال الغابرة وتعيش معهم حيثما كانوا وأينما ذهبوا والاستفادة منها (أصحاب الكهف مثلا)
5- تسبّب للإنسان الأجر العظيم والثّواب الكبير، لا سيّما إذا كانت قراءته في كتاب الله أو في الكتاب النافعة التي تدلّه على الخير وتنهاه عن الشرّ.
6- سبب قويّ لمعرفة مكائد أعداء الإسلام والمسلمين من الكفرة والملحدين والفرق الضّالة والحذر منها.
7- سبب للأنس والتـّرويح عن النّفس واستغلال وقت الفراغ بما ينفع.
8- سبب لرفعة الإنسان في هذه الحياة وفي الآخرة لقوله تعالى “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” ( المجادلة: 11)
قال عبد الله بن المعتزّ:
نعم المحدّث والرفيق كتـاب # تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشــــيا للسرّ إن أودعــته # ويـــــــنال منـــــــه حكمة وصــواب (تقييد العلم ص/120)

اللّهمّ انفعنا بما علّمتنا وعلّمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا وفهمًا وأعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدّين واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين يا ربّ العالمين .اللهمّ بارك لنا في شعبان وفي سائر الأشهر وبلّغنا رمضان وارزقنا فيه القوّة وارزقنا من خيراته ومغانمه ما يسّرته لنا وأعنّا على صيامه وقيامه والاحتساب للأعمال الصّالحة فيه اللّهمّ آمين.

Leave a Reply