مكانة السّنّة في التّشريع الإسلامي

Click here to download

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّالثة لشهر شوّال بتأريخ 17\10\1437هـ-22\7\2016م

حول: مكانة السّنّة في التّشريع الإسلامي

الْحمد للهِ ربِّ العالمين, القائل في كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النِّساء:4\59] . نحمده سبحانه وتعالى على هذه النعم التي لا تحصى, وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ  وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ إنَّهُ مَنْ يهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تعظيماً لشانه ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ؛ الداعي إلى رضوانه؛ بَلَّغَ الرِّسالَةَ , وأدّى الأمَانَةَ , وَنَصَحَ لِلأمّة , وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمَّة , وَجاهَدَ فِي سَبيلِ الله حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أتَاهُ الْيَقِينُ, القائِل في حديثه الشّريف: ( الَا إِنِّي اُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ……الخ) (سنن أبي داود بحاشيته عون المعبود 4 /328 ـ 329 , وسنن الترمذي 4/145 , وسنن ابن ماجه 1/6). اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعَلَى وصَحْبِهِ وسلِّم تَسْلِيماً.

أمّا بعد,

فعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا مَقصود العبادات فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾{البقرة:2\21}.وعلى قدرها في القلب يكون قرب العبد أو بعده من الله عزّ وجلّ : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:49\13].

إخْوَةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقاءُ الثّالثُ بعد رمضان في شهر شوّال, وفي اللِّقاء الأوّل والثّاني بعد رمضان, تحدّثْنَا على: ماذا بعد رمضان وصيام التّطَوُّع على التّوالي. واليوم نميل مَيْلاً إلى قضيّة السّاعة في الوقت الرّاهن في مُجتمعنا اليورباوي النّيجيري. وهِيَ قضيّة السّننّة النّبوية المطهّرة. ونسُوقُ الحديث إلى: مكانة السّنّة في التّشريع الإسلامي

تعريف السنة لغة واصطلاحًا:
لا خلاف في أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع والشريعة والفقه.
وفيما يلي معنى السنة في اللغة – معناها في الشرع – العلاقة بين المعنيين:
السنة في اللغة: الطريقة حسنة كانت أم سيئة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة.
ففي المفردات في غريب القرآن: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته, وسنة النبي – ﷺ – طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله تعالى قد تقال: لطريقة حكمته, وطريقة طاعته نحو قوله سبحانه : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ ( (الفتح: 23) 
وقال ابن الأثير: السنة وما تصرف منها: الأصل فيها الطريقة والسيرة .
من هذا يتضح أن هذه التعاريف متفقة على أن السنة معناها اللغوي هو: الطريقة ذميمة أم حسنة.
السنة في الاصطلاح: تعددت تعريفات العلماء للسنة بحسب تعدد اصطلاحاتهم فعرفها كل فريق بما يتفق مع طبيعة ذلك العلم:
فعند الفقهاء لها معان ، منها: أنها اسم للطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. 
وتطلق أيضا عند بعض الفقهاء : على الفعل إذا واظب عليه النبي – ﷺ – ولم يدل دليل على وجوبه.
فالسنة بهذا المعنى حكم تكليفي، ويقابلها الواجب ، والفرض ، والحرام ، والمكروه ، والمباح ، وعرفها بعض الفقهاء ، بأنها ما يستحق الثواب بفعله ولا يعاقب بتركه.
وتطلق السنة أيضا على دليل من أدلة الشرع ولذا عرفها الأصوليون بهذا المعنى : بأنها ما صدر عن النبي- ﷺ – من قول ، أو فعل ، أو تقرير.
وقال الآمدي :« السنة في الشرع: قد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي- ﷺ – وقد تطلق على ما صدر من الرسول – ﷺ – من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز ويدخل في ذلك أقوال النبي – ﷺ – وأفعاله وتقاريره.
و في اصطلاح المحدثين: ما صدر عن رسول الله – ﷺ – من قول، أو فعل، أو تقرير أو صفة أو سيرة.
وتحتل السنة النبوية المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم, كما أنها جزء من الوحي, ويتوقف عليها فهم بعض آيات القرآن, فبدون السنة النبوية لا تفهم أحكام كثيرة في الإسلام؛ وذلك لأن القرآن الكريم جاء بالعموميات والكليات، تاركًا التفصيل إلى سنة النبي محمد – ﷺ – ؛ فهي مصدر للتشريع والشريعة والفقه؛ ولذلك اهتم المسلمون بها ونقلوها إلينا على وجه يحقق الانتفاع بها للفرد والمجتمع.
أنواع السنة النبوية: السنة أنواع ثلاثة: 

السنة القولية: وهي ما ورد عن الرسول – ﷺ – من أقوال يقصد بها التشريع وبيان الأحكام مثل قوله – ﷺ – :« إنما الأعمال بالنيات ».
السنة العملية أو الفعلية: مثل ما صدر عن النبي ﷺ من أفعال مثل: صلاته, وصومه, فإن هذا الفعل أو الأداء بالطريقة التي صدر بها يعد سنة يجب اتباعها سواء بسواء؛ ولذلك قال – ﷺ – :« صلوا كما رأيتموني أصلي ».
السنة التقريرية: وهي ما أقره النبي محمد – ﷺ – مما صدر عن أصحابه من قول، أو فعل بسكوته، أو إظهار الرضا عنه واستحسانه، سواء كان ذلك في حضرته، أم في غيبته ثم بلغه.
ويمكن أن يضاف نوعًا رابعًا وهو السنة الوصفية يعنى أوصاف النبي – ﷺ – الخِلقية والخُلقية. 
حجية السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي:
أولا: حجيتها: أجمع المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله – ﷺ – من قول أو فعل أو تقرير، وكان مقصودًا به التشريع والإقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجّة على المسلمين، ومصدرًا تشريعيًّا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين، وعلى أن الأحكام الواردة في هذه السنن تكون مع الأحكام الواردة في القرآن قانونًا واجب الإتباع.
والأدلة على حجية السنة من القرآن الكريم:
ورد في القرآن الكريم ما يدل على حجية السنة ومن أمثلة ذلك ما يلي:
1- أمر الله تعالى بطاعة رسول الله – ﷺ – في مواضع كثيرة منها: قوله تعالى : ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ( (آل عمران :3\ 32)، وقوله سبحانه : ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ ( (النساء:4\ 80) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7 ]. 
2- أمر الله تعالى المسلمين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله وإلى الرسول، كما في قوله : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ( (النساء:4\ 59) ، وقوله سبحانه : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ( (النساء:4\ 83)
3- لم يجعل الله تعالى للمؤمن خيارًا, إذا قضى الله ورسوله أمرًا،
كما في قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ( (الأحزاب :33\ 36) 

4- نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يطمئن إلى قضاء الرسول – ﷺ – ولم يسلم له، فقال تعالى : ﴿لاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ ( (النساء:4\ 65) وفي هذا كله برهان من الله على أن تشريع الرسول هو تشريع إلهي واجب اتّباعه, فهذه الآيات تدل باجتماعها وتساندها دلالة قاطعة على أن الله يوجب اتباع الرسول فيما شرعه. 
علاقة السنة بالقرآن: 
تتحدد علاقة السنة بالقرآن على النحو التالي:
1- أن تكون موافقة للقرآن، ومؤكدة له، فيأتي الحكم في القرآن والسنة معًا مثل قوله ﷺ:« بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان ». فإنه مطابق لقوله تعالى : ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ (سورة البقرة آية: 43)، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (سورة البقرة آية:2\ 183) وقوله تعالى:  ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران:3\ 97]
2- أن تكون السنة مبينة لمجمله، أومقيدة لمطلقه، أومخصِّصة لعامِّه.
مبينة لمجمله: كما في الأحاديث الواردة في بيان كيفية الصلوات، كما في قوله- ﷺ – : « صلُّوا كما رأيتموني أصلي»
مقيدة لمطلقه: كتقييده ﷺ اليدَ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة:5\ ٣٨) مخصِّصة لعامِّه مثل: تخصيصه- ﷺ – الظلم بالشرك في قوله تعالى:   ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظلمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:6\ 82) حيث كان بعض الصحابة قد فهم العموم، حتى قالوا يارسول الله :« أينا لا يظلم نفسه؟ ». قال- ﷺ -:« ليس ذلك إنما هو الشرك ».
وكذلك ورد بالقرآن الكريم, أحكام الميراث العام, وورد في السنة التخصيص بعدم توريث القاتل.
3- أن تجيء السنة بزيادة حكم لم يرد في القرآن، مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أوخالتها, وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال, فقد ورد عن أبي موسى-رضي الله عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال :« أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها ».
مكانة السنة النبوية في التشريع:

السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي, فلها الصدارة بعد كتاب الله عز وجل، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله عز وجل, بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن دونها فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، وكفر كفراً أكبر وارتدّ عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذّب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلاً عظيماً فرض الله الرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم عليه وكذب به ، وجحده. 
أقُولُ قَوْلِي هذا أستغفر اللهَ الْعظِيمَ لِي ولكُمْ فَاستغفِرُوهُ وَتُوبُو إلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثّانِيّة:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ حجَّ بيته الْحَرَام، وجَعَلَ ذلِكَ أحَدَ أرْكانِ الإِسْلامِ، وجَعَلَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا مَحَطَّاتٍ نَتَزَوَّدُ فِيهاَ بالإيمان والتَّقْوَى ,وَنَمْحُو مَا عَلَّقَ بِقُلُوبِناَ مِنْ آثَارِ الذُّنُوبِ والْغَفلاتِ, الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ {إبراهيم:14\37}. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام،  القائل فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف : ” “إن للهِ فِي أيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا، فَلَعَلَّ أحدكم أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ فَلاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا” (صحيح الجامع) . اللهمَّ صَلِّ وَسَلَّمْ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين .

أمَّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ, نَخُوض فِي شُئُونِ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ قَضِيَّةُ السَّاعَة فِي الْعَالَمِ الإِسْلامِي بَعْدَ انصِرَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْعَظِيمِ الْمُبَارَك. فَنَبْدَأُ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ افْتِتَاحاً لِلْبَابِ وَمُقَدِّمَةً: الحجُّ وملَّةُ أبينا إبراهيمَ -عليهِ السلامُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَام, إِنَّ الناظرَ في شعائرِ الحجِّ يجدُ لها ارتباطاً وثيقاً بنبيِّ اللهِ إبراهيمَ -عليهِ السّلامُ-، وَفي القرآنِ الكريمِ حثٌّ متكررٌ بِاتباعِ ملّةِ إبراهيمَ -عليهِ السلامُ-، إذ قالَ اللهُ سبحانَه ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ {آل عمران:3\95}، وَهذا التلازمُ يشعرُ بِمدى أهميتِها وَضرورةِ الوقوفِ على معانيها، وَعندَما تمعنُ النّظرَ في هذهِ الشّعائرِ تجدُ هذه الصلةَ وثيقةً فمثلا:

أ-إذا بدأتَ بِالكعبةِ المشرفةِ، تجد أنَّ الله تعالي بوّأ لنبيِّهِ إبراهيمَ  مكان البيت, قال تعالي ﴿وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكان البيتأن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي لطائفين والقائمين والركع السجود ﴾{الحج :22\26} . خرج إليه (قاصدا له) من الشام وخرج معه بابنه إساعيل وزوجه هاجر, وإسماعيل طفل رضيع وحملوا علي البراق وجبريل يدله حتي وصل مكة, وسكن به. ذكر الشيخ ابن الضياء المكي الحنفي في كتابه تاريخ مكة : “عن مجاهد أن الله تعالي لما بوأ لإبراهيم مكان البيبت , خرج إليه من الشام وجبريل يدله علي موضع البيت ومعالم الحرم, وجعل إبرهيم –عليه السلام- لا يمر بقرية من القري إلا قال : أبهذا أمرت؟ فيقول له جبريل امض. حتي قدم مكة, والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة, فقال إبراهيم لجبريل : أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ فقال له جربيل : نعم. فعمد بهما إلي موضع الحجر فأنزلهما فيه. وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا, ثم انصرف وهي تسأله آلله أمرك بهذا فأشار برأسه أن نعم دون أن يلتفت, فقالت قولته الخالدة: “إذًا فلن يضيعنا” فلما وصل الثنية حيث لا يراهما ولا يريانه دعا ربه للبيت وأهله قائلا: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من  الثمرات لعلهم يشكرون﴾{إبراهيم:14\37}.

ب-قصة بناء البيت في عهد إبراهيم –عليه السلام-: فلما بلغ إسماعيل مبلغ الرجولة وقد اندثر معالم البيت أمر الله إبراهيم بِرفعِ قواعدِهِا من جديد ومعه ابنه إسماعيل ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {البقرة:2\127}.

ج- ومن آثار إبراهيم في البيت مقامُ إبراهيمَ عندَ الكعبةِ , وهو الموضع (الصخر) الذي قام عليه وهو يرفع القواعد فجعله الله لينا حتر تركت قدماه أثرا باقيا إلي اليوم ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾{آل عمران:3\96}

د- وَالسّعيُ بين الصفا والمروة: كذلك له علاقة تاريخية بآل إبراهيم الأطهار, فاحديث عن السعيُ بينَ الصّفا وَالمروةَ يجعلُنا نستعيدُ مشهداً عظيماً منَ العبوديةِ، وَثقةِ الإيمانِ، وَحسنِ الظنِّ بِاللهِ، إذْ يعيدُنا السّعيُ بينَ الصفا وَالمروةِ إلى مشهدِ ذاكَ النبيُّ الّذي يرزقُ طفلاً بعدَ أنْ بلغَ منَ العمرُ عتيّا، وَبعدَ أنْ قطعَ سِنَّ اليأسِ من الانجابِ، فَإذا بِاللهِ سبحانَهُ يأمرُهُ -وَهو في لهفتِه وَفرحتِه بِابنِهِ-، أنْ يلقيَ ولدَه وَزوجَهُ في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ، في صحراءَ قاحلةٍ، لا ماءَ فيها ولا بشرَ، فَإذا بِخليلِ الرحمانِ يَنزعُ عواطفَهُ جانباً، وَيطيرُ مستجيباً لِربِّهِ، منْ غيرِ إعمالٍ لِفلسفةٍ باردةٍ لِلتحايلِ على أمرِ اللهِ، أوْ بحثٍ عنْ مصلحةٍ معتبرةٍ، أو منفذٍ يفرُّ بهِ منْ هذا التكليفِ، بلْ يرسلُها إلى حيثُ الموتُ المؤكدُ بِحساباتِ النّاسِ، لكنَّ لسانَ حالِهِ ويشاركه في هذه الثقة بالله أهله ليقولُوا جميعا أينَما يكونُ أمرُ اللهِ فَثَمَّ المصلحةُ وَالخيرُ وَلا بدَّ، فَهوَ تجردٌ صادقٌ عجيبٌ للهِ .. وَلكَ تخيّلُ المشهدِ حينَها، أيُّ إيمانٍ وَثقةٍ بِربِّهِ تلكَ التي أمكنتهُ فعلَ ذلكَ ؟

في الحين الذي أنزل فيه إبراهيم أهله جنب البيت وزودهما بكيس من تمر وجراب من ماء, فما لبث أن نفدا, وتعبت المرأة وهي تبحث عن ما تسقي به رضيعها, فسعت بين الصفا والمروة سبع أشواط, وبينهما تقريبا نصف كيلومترا, وهو سعي الناس اليوم بين الصفا والمروة, وقد أصبحَ منْ شعائرِ الإسلامِ، قالَ تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ {البقرة:2\158}.

ه- وَماءُ زمزمَ : معلم آخر من آثار آل إبراهيم المصطفين الأخيار, ففي المرة السابعة من ترداد هذه المرأة الطيبة الكادحة علي ابنها, رزقهما الله ماءاً نبع من تحت أقدام هذا الرضيع, والمرأة تقول يا ماء زم يا ماء زم, فأصبح ماء زمزم المبارك النقي الطاهر,قال الصطفي –عليه السلام- “ماء زمزم لما شرب له”  .

ح- وَرميُ الجمراتِ تذكرُنا بآل إبراهيم وكيف تعاملوا مع البلاء المبين, إذ أمر الله إبراهيم بذح وحيده إسماعيل, وأراد الشيطان أن يصده هو وولده وزوجه, وتلك هي قصة الجمرات الثلاث: الكبري والوسطي والصغري, إذْ رجموا إبليسَ في ذاتِ الموضعِ. فأصبح كذلك من شعائر الحج.

الدّعاء:

اللَّهُمَّ فَشِّلْ مَكْرَ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْدَهُمْ. اللَّهُمَّ أَبْطِلْ تَدْبِيرَهُمْ وَحِيَلَهُمْ. اللَّهُمَّ اطْفَأْ نَارَ شَرِّهِمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلِ الدَّائِرَةَ عَلَى كُلِّ طَاغٍ ظَالِمٍ جَبَّارٍ. وَاجْعَلِ الدِّمَارَ وَالْعَارَ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَخْرِيبَ الدِّيَارِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ دِمَاءَ الْعِبَادِ, وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ. اللَّهُمَّ فُكَّ عَنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسْجُونِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ, وَمِنْ أَيْمَانِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ, وَمِنْ فَوْقِهِمْ, وَأَنْ يُغْتَالُوا مِنْ تَحْتِهِمْ, قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: “وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ” {غافر:40\37} وَقُلْنَا كَمَا قَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَون: ” فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ” {غافر:40\44-45}.يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. اللَّهُمَّ رَبِّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ. اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

 

Leave a Reply