مَاذَا بَعْدَ الْحَجَّ

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْخُطْبَةُ الرَّابِعَة لِشَهْرِ ذِي الْحِجَّة 21\12\1437هـ-23\10\2016م

حَوْلَ: مَاذَا بَعْدَ الْحَجَّ؟

اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرامِ سَبَباً فِي ثَبَاتِ الْعَبْدِ عَلَى الدَّوَامِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ،القَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿  ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ {الحجِّ:22\27-28} وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له غفرَ لِمَنْ حَجَّ البيتَ فلمْ يرفُثْ ولَمْ يفسُقْ جميعَ الذنوبِ والآثامِ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ خير من حجّ وصام، وداوم على طاعة ربّه واستقام؛الْقَائِل فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيف: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلاَ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” {متفق على صحته}، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.

أمّا بعد:

فأُوصِيكم- عبادَ اللهِ- ونفسِيَ بتقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فإنَّها سببُ تفريجِ الكروبِ وغُفْرانِ الذُّنوبِ، وبَسْطِ الأرزاقِ ودخولِ جنَّةِ النعيمِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:65\  2-3). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾{الطَّلاق:65\4}, ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ {الطَّلاق:65\5}.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرَّابِعُ لِشَهْرِ ذِي الْحِجَّة, شَهْرِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَبَعْدَ عَوْدَةِ الْحُجَّاجِ مِنْ بَيْتِ اللهِ الْمُحَرَّمِ. وَنَرَى أَنْ نُوصِيَ الْحُجَّاجَ وَنُبَيِّنَ لَهُمْ مَسْؤُولِيَاتِهِمْ بَعْدَ مَنَاسِكِهِمْ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّي وَسَائِرِ الأمْكِنَة الْمُقَدَّسَة. وَنَسُوقُ الْحَدِيثَ الْيَوْمَ إِلَى: مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟:

أَيُّها الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, فَفِي الأيامِ القليلةِ الخاليةِ من هذا الشهر قضى الحجّاجُ عبادةً من أعظم العبادات، وقربةً من أعظم القربات، وعاش المسلمون أجواء الطاعة في العشر الأول الفاضلات، وضجتْ بالافتقار إلى الله كلُّ الأصواتِ بجميع اللغات، وهملتْ دموع التوبةِ في صعيد عرفاتٍ على الوجنات، وراح الحجّاج يتقلّبون بين هاتيك العرصاتِ، وفي تلك البقاعِ الطّاهرات؛ حتّى أدّوا مناسكَهم، وأتمّوا حجّهم في رحلةٍ هي من أروع الرَحلات، ثمّ عادوا بعدها إلى ديارهم فرحين مسرورين بما نالهم في رحلتهم من الفضلِ والخيراتِ والرّحماتِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58].

غير أنّ هاهنا سؤالاً يطرح نفسه، وهو: ماذا بعد الحج؟! وكيف هي حال العبد بعد فريضة الحجّ؟!

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن الحج ميلاد جديد، وأوّل ما ينبغي أن يُفتتح به هذا الميلاد هو: توبةُ العبدِ لربِّه، وعزمُه على إصلاحِ شأنِه كلِّه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31].

 وإن من الخطأ الكبير أن يظن الإنسان أن مواسم الطاعات فرصة للتخفُّف من الذنوب والسيئات، ثم إذا ذهبت هذه المواسم وقع بعدها في المخالفات، وتنتهي فترة إقباله على الله تعالى بانتهاء تلك المواسم والأيام الفاضلات، والحال أنّه يجب على المسلم أن يجعل مواسم الخير محطّة تحوّل كامل لواقعه وحياته؛ من حياة الغفلة والإعراض عن الله، إلى حياة الاستقامة والإقبال على الله.

وإنّ من إغواء الشيطان وخداع النفوس الأمّارة بالسوء أن ينتكس كثير من الناس بعد الحج على عقبيه، ويعود إلى سالف ذنوبه ومعاصيه، وربنا سبحانه ينادينا بنداء الإيمان أن نستقيم على شرعه، ونستجيب له ولرسوله، ونتقيه حق تقاته، ونعبده حق عبادته في حياتنا إلى مماتنا، قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ (الأنفال:8\  24), ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:3\ 102 ].

وهذا يقتضي منا أن نقف مع أنفسنا بعد رحيل ذاك الموسم العظيم والأيام الفاضلات جملة من الوقفات:

الوقفة الأولى:

نَتَذَكَّرُ فِيهَا عَظِيمَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْنَا، حيث إنه مع كثرة ذنوبنا وعظيم خطايانا وزللنا؛ يكرمنا الرحيم الرحمن بالوقوف بين يديه، وأن نستغفره ونستهديه؛ يكرمنا بأن ييسر لنا الحج ليغفر لنا ذنوبنا وخطايانا؛ فما أكرمه من إله واحد أحد، وما أعظمه من رب غفور رحيم تنزه عن الصاحبة والولد ﴿وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:16\  53]، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:16\  18].

الوقفة الثانية:

كيف يقابل المؤمن هذه النعمة الإلهية والمنحة الربانية؟!

إنّ ذلك لا يكون إلا بالشكر لربّه، والإنابة إلى خالقه؛  و﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾

[الرحمن:55\ 60 ] ،  وليس الشكر محصوراً في الشكر اللساني كما يظنّ بعض الناس، بل هو عامٌّ يشمل الشكر القلبي؛ بحيث يظل قلبك متعلقًا بخالقك، مستشعرًا نعمته عليك، ويشمل أيضاً الشكر العملي، بحيث تكون بعيدًا عن كل ما يغضبه عليك، قريبًا من كل ما يحبه ويرضاه منك، وقد قال تعالى مبينًا هذا المعنى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:34\ 13].

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ {إبراهيم: 14\7}.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان –كما في الصّحيحين-؛ فيقال له: يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيجيب صلوات ربي وسلامه عليه مُعلِّمًا الأمّةَ حقيقةَ الشكرِ: (أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا).

الوقفة الثالثة:

إن للحج المبرور أمارة، ولقبوله منارة؛ فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما الحج المبرور؟ فقال: (أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة). فينبغي أن يكون حجُّنا باعثًا لنا إلى المزيد من الخيرات وفعل الصالحات، وحاجزًا لنا عن مواقع الهلكات، ومانعًا لنا من الوقوع في الآفات والمخالفات.

وَاعْلَمُواْ أَنَّ الْحَاجَّ الَّذِى اسْتَفَادَ مِنْ حَجِّهِ وَأَسْرَارِهِ وَدُرُوسِهِ وَآثَارِهِ: هُوَ مَنْ عَادَ بَعْدَ حَجِّهِ إِلىَ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ بِالْخُلُقِ اْلأَكْمَلِ وَالْعَقْلِ اْلأرْزَنِ وَالْوَقَارِ اْلأَرْصَنِ وَالْعِرْضِ اْلأصْوَنِ وَالشِّيمِ الْمَرْضِيَّةِ وَالشَّجَايَا الْكَرِيمَةِ, وَعَادَ بِحُسْنِ الْمَعَامَلَةِ, كَرِيمِ الْمَعَاشرَةِ ِلأهْلِهِ وَأَوْلاَدِهِ, طَاهِرِ الْفُؤَادِ, وَكَانَ نَاهِجًا مَنْهَجَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالسَّدَادِ.

وإذا كان الحاج منذ أن يُلبي وحتى ينقضي حجه وينتهي: كلُّ أعمالِ حجِّه ومناسكه تعرِّفه بالله، وتذكِّره بحقوقه جلّ في علاه، وأنه لا يستحق العبادة سواه، ولا تُسلَم النفس إلا إليه سبحانه؛ فكيف يهون على الحاج بعد ذلك أن يصرف حقًا من حقوق الله من الدعاء والاستعانة والذبح والنذر إلى غيره؟! وأيُّ حج لمن عاد بعد حجه يفعل شيئًا من ذلك الشرك الصريح والعمل القبيح؟! وأيُّ أثر للحج فيمن عاد بعد حجِّه مضيعًا للصلاة، مانعًا للزكاة، آكلاً للرِّبا، آخذا للرُّشا، قاطعًا للأرحام، والغًا في الموبقات والآثام؟!

إنّ من لبى في الحج للرّحمن عليه أن يّلبّي له بالطّاعة في كل مكان وزمان؛ فإنّ معنى التّلبية: إجابة لك بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة، ومن امتنع عن محظورات الإحرام أثناء حجّ بيت الله الحرام، فليعلم بأنّ هناك محظورات على الدوام، وطول الدهر والعام؛ فليحذر إتيانها وقربانها؛ يقول جلّ وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:2\ 187].

الوقفة الرابعة: وَصَيَّةٌ لِلْحُجَّاجِ:

التزام التقوى والاستقامة بعد الْحَجِّ؛ فإنّ الله تعالى ذكّر بالتّقوى في سياق آيات الحجّ عند الكلام على الهدي الذي يتقرّب به الحاجّ لربّه؛ مشيراً بذلك إلى أنّ حصول التّقوى من أعظم مقاصد الحج وفوائده؛ حيث قال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:22\ 37 ].

فهذه التقوى التي يتربَّى عليها الحاجّ في حجّه هي التي ينبغي أن يسير عليها في حياتِه متعامِلاً بمقتَضاها مع نواهي الله وأوامِرِه، وكما أنّ الحجَّ لا رفثَ فيه ولا فسوقَ ولا جدال، فإنّه تربِيَةٌ وتهذيبٌ للسّلوك ليصبِحَ ذلك خلُقَ العبد في كل حال، وليكونَ كما وصَفَ النبيّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما رواه التِّرمذي: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ).

فلنحذر كلّ الحذر من العودة إلى الأفعال القبيحة، والخلال المشينة، وعلينا بلزوم الأعمال الطيّبة، والخلال الكريمة؛ فما أحسن الحسنة تتبعها الحسنة، وما أقبح الحسنة تتبعها السيّئة؛

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل:16\ 92].

وأما الاستقامة فإنّها مِن أولى ما يوصَى به المسلم بعد التّقوى؛ كما أوصَى بها النبيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-  سفيانَ بن عبد الله رضي الله عنه حين قال: يا رسولَ الله، قل لي في الإسلامِ قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدَك، قال: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ) رواه مسلم.

ولما كان العبد مَع الاستقامة معرَّضاً للخَطَأ والتّقصير: قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:41\ 6]، وإلى ذلك أشار الحديثُ الصحيح الذي رواه أحمد وابن ماجَه عن ثوبان رضي الله عنه أنّ النبيَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا)؛ أي: لن تستوعبوا جميع العبادات، ولن تقدروا على كلّ الطاعات؛ ولهذا قال النبيّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما في الصحيحَين-: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا).

فالمطلوبُ مِنَ العبد الاستقامةُ؛ وهي السّدادُ والمقاربةُ، فإن لم يحصُل سدادٌ ولا مقارَبَة، فهو مفرِّط مضيِّع بلا موارَبة.

الوقفة الخامسة:

الْخَوْفُ مِنْ رَدِّ الْعَمَلِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ:

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَهْتَمُّونَ بِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدُّ اْلاهْتِمَامِ حَتىَّ يَكُونُواْ فىِ حَالَةِ خَوْفٍ وَإشْقَاقٍ , قَالَ تعالى فىِ وَصْفِ حَالِهِمْ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَاآتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون :23 \ 60 ، 61), وَقَدْ فَسَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ, أُثِرَ عَنْ عَليٍّ رَضِىَ اللهُ عنْهُ أنَّهُ قال: ” كُونُواْ لِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَامًا مِنْكُمْ بِالْعَمَلِ, أَلَمْ تَسْمَعُوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة:5\  27).                                  

الرَّجَاءُ وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ :

إِنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ لاَ يَكْفِى إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ نَظِيرِهِ وَهُوَ الرَّجَاءُ , ِلأنَّ الْخَوْفَ بِلاَ رَجَاءٍ يُسَبِّبُ الْقنُوطَ وَالْيَأْسَ , وَالرَّجَاءَ بِلاَ خَوْفٍ يُسَبِّبُ اْلأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ, وَكُلُّهَا أُمُورٌ مَذْمُومَةٌ تَقْدَحُ فىِ عَقِيدَةِ اْلإنْسَانِ وَعِبَادَتِهِ, وَرَجَاءُ قَبُولِ الْعَمَلِ مَعَ الْخَوْفِ مِنْ رَدِّهِ يُوْرِثُ اْلإنْسَانَ تَوَاضُعًا وَخُشُوعًا لِلَّهِ تعالى, فَيَزِيد إِيمَانُهُ , وَعِنْدَمَا يَتَحَقَّقُ الرَّجَاءُ فَإنَّ الإنْسَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ سَائِلاً اللهَ قُبُولَ عَمَلِهِ, فَإِنَّهُ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ , وَهَذَا مَا فَعَلَهُ أبُونَا إبْرَاهِيمُ وَابْنُهُ إسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السلامُ بَعْدَ بِنَائِهِمَا الْكَعْبَةَ, قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاإِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (البقرة:2\  127).

فاحملوا إخواني ـ رحمني الله وإياكم ـ همّ القبول من ربكم لكلّ عمل تعملونه صغيرًا كان أو كبيرًا، والزموا الاستغفار؛ فإنّه بالاستغفارِ تُختَم الأعمال الكبار، وقد قال تعالى لحجّاج بيته الأبرار: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة:199]. وطوبى ثّم طوبى لمن وجَدَ في صحيفتِه استغفارًا كثيرًا.

الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ:

الإِكْثَارُ مِنَ اْلأعْمَالِ الصَّالِحَةِ:

عَلَيْكُمْ-أيُّهَا الْحُجّاج- بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى اْلأعْمَالِ الصَّالِحَةِ, وَإيَّاكُمْ , إيَّاكُمْ وَالْعَوْدَةَ إِلىَ الذُّنُوبِ وَاْلآثَامِ بَعْدَ  عَوْدَتِكُمْ مِنَ الْحَجِّ.

إِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ شَجَرةٌ طَيِّبَةٌ تَحْتَاجُ إِلىَ سقَايَةٍ وَرِعَايَةٍ حَتىَّ تَنْمُوَ وَتَثْبُتَ, وَتُؤْتِى ثِمَارَهَا وَإنَّ مِنْ عَلاَمَاتِ قَبُولِ الْحَسَنَةَ: فِعْلَ الْحَسَنَةِ بَعْدَهَا, فَإنَّ الْحَسَنَةَ تَقُولُ: أُخْتِى أُخْتِى, وَهَذَا مِنْ رحْمةِ اللهِ تعالى وَفَضْلِهِ أَنَّهُ يُكْرِمُ عَبْدَهُ إذَا فَعَلَ حَسَنَةً وَأخْلَصَ فِيهَا أَنَّهُ يَفْتَحُ لَهُ بَابًا إِلىَ حَسَنَةٍ أُخْرَى لِيُزِيدَهُ مِنْهُ قُرْبًا.

وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وسلّم تسليماً كثيراً.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الْخُطْبَة الثّانيّة:

الْحمد لله ربِّ الْعالمين الّذي جَعَلَ الْإِسلامَ دِينَ الأَمن والاستقرار وجَعَلَ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ الْحَرامَ آمِناً مِنْ أمَدٍ مَدِيدٍ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِه﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا…﴾[آل عمران:3\96-97], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمّا بعد,

فَعِبَادَ اللهِ, نَحْنُ فِي مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى تَقْدِيمِ الشُّكْرِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ على إنعامه على حجّاجِ بَيْتِه الحرام في هَذِهِ السَّنّة فلم نسمَعْ مِثْلَ أَحْدَاث السِّنَّة الْمَاضِيَّة التِّي قَضَتْ على نُفوس عَدَدٍ كثيرٍ مِنَ الْحُجَّاجِ: كَكَارِثَةِ سقُوطِ رافعة بالحَرَمِ الْمَكِّي وَ التدافع بين الحُجَّاج الَّذِي أدى إلى وفاة بعض الحجاج فى مشاعر منى. كَمَا نُثْنِي عَلَى حُكُومَةِ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّة السَّعُودِيَّة عَلَى نِظَامِهَا الْمُمْتَازِ واستِعْدَادِهَا لاِسْتِقْبَالِ حُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ فِي هَذَا الْعَامِ وَنَسْأل اللهَ أنْ يُؤَيِّدَ الْمَمْلَكَة بِنَصْرِهِ وَيُجْزِلَ لِخَادِمِ الْحَرَمَيْنِ وَأَعْوَانِهِ الْمَثُوبَةَ وَالْأَجْرَ.

وأضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّنَا نُثْنِي عَلَى قُوَّات الْجَيْشِ والْأَمْنِ النَّيْجِيرِيَة – بَرِّية وبَحْرِيّة وجَوِّيَة- عَلَى إِنْجَازاتهَا الْمُسْتَمِرّة فِي مُحَارَبَةِ جَمَاعَة بوكو حَرَام فِي شمال شرقي نيجيريا. واللهُ الْمسئول أن يُديم لها النّصر والتَّأيِيد والإرشاد. كُلَّ يَومٍ نَسْمَع أخباراً مُفْرحَة عَنْ نَصْرِهَا وَانتصارها على جَمَاعَة هَدَّامَةٍ إبليسية بوكو حرام.

العلّامة القرضاوي: مؤتمر الشيشان (ضرار) شارك فيه (علماء السلطان):

وصف الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مؤتمر “من هم أهل السنة والجماعة؟” الذي انعقد في الشيشان، بـ”مؤتمر الضرار”، ورفض مقرراته، وأعلن عن انزعاجه من أهداف وعنوان المؤتمر.

وشبه رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيان أصدره، المؤتمر بأنه “مؤتمر ضرار”، واستغرب من نفي البيان الختامي “صفة أهل السنة عن أهل الحديث والسلفيين”.

وقال القرضاوي: “قد أزعجني هذا المؤتمر بأهدافه وعنوانه، وطبيعة المدعوين إليه والمشاركين فيه، كما أزعج كل مخلص غيور من علماء الإسلام وأمته، فرأيت أن أصدق ما يوصف به أنه مؤتمر ضرار”.

وأكد أن المؤتمرين “ما تعاونوا على بر أو تقوى، كالذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين”.

وانتقد انعقاد المؤتمر “برعاية رئيس الشيشان التابع لحكومة روسيا، في الوقت الذي تقتل فيه الطائرات والصواريخ الروسية إخواننا السوريين، وتزهق أرواحهم، وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم بدعوى محاربة الإرهاب، الذي هم صانعوه، وهم أحق بهذا الوصف، وهو أليق بهم”.

وأضاف: “جاء البيان الختامي معبرا عن هوة سحيقة يحياها المؤتمرون والرعاة لهذا المؤتمر البائس؛ فبدلا من أن يسعى لتجميع أهل السنة والجماعة صفا واحدا أمام الفرق المنحرفة عن الإسلام، المؤيدة سياسيا من العالم، والمدعومة بالمال والسلاح، إذا به ينفي صفة أهل السنة عن أهل الحديث والسلفيين، وهم مكون رئيسي من مكونات أهل السنة والجماعة؛ وكأنه قد كتب على أمتنا أن تظل في هذه الدائرة التي لا تنتهي، ينفي بعضنا بعضا، في الوقت الذي يتعاون فيه أعداؤنا، ومن هم خارجون عن ملتنا وعقيدتنا، ليوقعوا ببلاد المسلمين بلداً تلو أخرى”.

وأوضح إن “أمة الإسلام- وهم أهل السنة- هم كل من يؤمن بالله وكتابه ورسوله ومن لا يقر ببدعة تكفيرية، ولا يخرج عن القرآن الكريم وعن السنة الصحيحة، وهم كل المسلمين إلا فئات قليلة، صدت عن سبيل الله”.

واستطرد موضحا: “إن أمتنا التي تمددت جراحاتها، وتشعبت آلامها، لم يعد لديها من رفاهية الوقت، لإعادة الخلافات التاريخية القديمة بين مكونات أهل السنة والجماعة، في الوقت الذي تئن فيه مقدساتها، وتستباح حرماتها، وتسيل دماؤها في فلسطين وسوريا واليمن، وغيرها”.

وأوضح: “الخلافات العلمية الفرعية في مسائل العقيدة قد تم تجاوزها، فإذا بهؤلاء الذين يعيشون خارج العصر يريدون إثارتها وتأجيجها من جديد، وشغل الأمة بماضيها عن حاضرها، وبأمسها عن يومها ومستقبلها، وتمزيق الأمة أحزاباً وشيعاً، في الوقت الذي يجتمع عليها أهل الشرق والغرب، وينسق فيه أعداء الأمس، لينقصوا بلادهم من أطرافها”.

وتساءل القرضاوي عن عدم اعتراض أي “ممن نصبوا أنفسهم ممثلين لأهل السنة والجماعة حول ما تقوم به إيران وأذنابها، من مليشيات حزب الله في سوريا، والحوثيين في اليمن من قتل واستباحة وتدمير، وبعث الدعاة في أفريقيا وآسيا لتضليل أهل السنة، ولا كلمة إنكار لما تقوم به روسيا، ومن يدور في فلكها، ولا عجب”.

واعتبر أن المشاركين في المؤتمر “علماء السلطان” و”شيوخ العار سكتوا عن دماء المسلمين المراقة ظلما وعدوانا من روسيا وأذنابها، والذين هللوا للمستبدين في عالمنا العربي، وحرضوهم على سفك الدماء، فأيدوا السيسي في مصر، وبشار في سوريا، وعلي عبد الله صالح والحوثيين في اليمن، وإن جملوا مؤتمرهم للأسف ببعض الطيبين من أهل العلم من هنا وهناك”.

وتساءل: “ماذا بعد تحديد أهل السنة والجماعة؟! هل سنسمع لكم صوتاً ضد الشيعة والنصيرية في سوريا واليمن والعراق؟!”.

الدُّعَاءُ:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, اللهم أرجع الحجاج إلي أهلهم سالمين مقبولين مغفورين,  اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply