CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الأولى لشهر شعبان بتأريخ 6\8\1437هـ-13\5\2016م

حول: فضل ووظائف شعبان

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَإِنْعامِهِ, والشُّكْرُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على توفيقه وامتنانه،الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾{النّحل:16\52-53}. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ  وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ إنَّهُ مَنْ يهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تعظيماً لشانه ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ؛ الداعي إلى رضوانه؛ بَلَّغَ الرِّسالَةَ , وأدّى الأمَانَةَ , وَنَصَحَ الأمّة , وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمَّة , وَجاهَدَ فِي سَبيلِ الله حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أتَاهُ الْيَقِينُ, الّذي قالت عنه أمّ الْمؤمنين في الصحيحين:{ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطٌّ إلا رَمَضانَ وَ مَا رَأَيْتُهِ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ}اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه ..
أما بعد,

فَعِبَادَ اللهِ,  أوصيكم ونفسي بتقوى الله حق التقوى فإنَّ بتقوى الله تتنزل البركات وتعم الرحمات .. مصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تعالى:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ {الطّلاق:65\2-3 },  ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾{الطّلاق:65\4-5}.

إخْوَةَ الإِيمَان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ لِشَهْرٍ جَدِيدٍ مُبَارَك, شَهْرِ شَعْبَانَ الَّذِي يَغفلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَان, فَنَرَى أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحْسَن أنْ نُثِيرَ اهْتِمَامَ الْمُسْلِمِينَ  بِفَضَائِلِهِ وَوَظَائِفهِ. فَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ هُوَ: فَضْلُ وَوَظائِفُ شَعْبانَ.
أَيُّها الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, امتدح الله تعالى في كتابه شهر رمضان بقوله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ﴾{الْبَقرة:2\185} .. وبيَّن أنَّ فيه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر ، فاهتمَّ المسلمون بهذا الشهر العظيم واجتهدوا فيه بالعبادة من صلاة ، وصيام ، وصدقات ، وعمرة إلى بيت الله الحرام وغير ذلك من أعمال البر والصلاح ..
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم انتباه الناس إلى شهر رجب في الجاهلية ، وتعظيمه وتفضيله على بقية أشهر السنة ورأى المسلمين حريصين على تعظيم شهر القرآن أراد أن يبين لهم فضيلة بقية الأشهر والأيام ..

وظائف شهر شعبان و يشتمل على مجالس:

 الْمَسْئلة الأُولَى في صيامه:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم في شعبان ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان ، وهو شهر تُرْفَعُ فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )..
وسؤال أسامة رضي الله عنه يدل على مدى اهتمام الصحابة الكرام وتمسكهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ..
وبالفعل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلاً كما أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها في الحديث المتفق على صحته ..
ولا بدَّ من وجود أمر هام وراء هذا التخصيص من الصيام في مثل هذا الشهر وهذا ما نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله تعالى ).
فإذاً أعمال العباد ترفع في هذا الشهر من كل عام ، وتعرض الأعمال يوم الااثنين والخميس من كل أسبوع فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن ترفع أعماله إلى ربّ العالمين وهو صائم لأنَّ الصيام من الصبر وهو يقول: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
فشهر شعبان شهر عظيم عظَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحري بنا أن نعظمه وأن يكثر من العبادة والاستغفار فيه تماماً كما جاءت وصحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار.

و إنما صيام النبي صلى الله عليه و سلم من أشهر السنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور و في الصحيحين [ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان و ما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ] زاد البخاري في رواية : [ كان يصوم شعبان كله ] و لمسلم في رواية : [ كان يصوم شعبان إلا قليلا ] و في رواية النسائي [ عن عائشة قالت : كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصوم شعبان كان يصله برمضان ] و عنها و عن أم سلمة قالتا : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله ] و عن أم سلمة قالت : [ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان و رمضان ] و قد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك و غيره : أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يستكمل صيام شعبان و إنما كان يصوم أكثره و يشهد له ما في صحيح مسلم [ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما علمته تعني النبي صلى الله عليه و سلم صام شهرا كله إلا رمضان ] و في رواية له أيضا عنها قالت : [ ما رأيته صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان ] و في رواية له أيضا : أنها قالت : [ لا أعلم نبي الله صلى الله عليه و سلم قرأ القرآن كله في ليلة و لا صام شهرا كاملا غير رمضان ].

المَسْئلة الثانيّة في نصف شعبان :

خرج الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه و ابن حبان في صحيحه و الحاكم [ من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان ] و صححه الترمذي و غيره و اختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به : فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي و ابن حبان و الحاكم و الطحاوي و ابن عبد البر و تكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء و أعلم و قالوا : هو حديث منكر منهم عبد الرحمن بن المهدي و الإمام أحمد و أبو زرعة الرازي و الأثرم و قال الإمام أحمد : لم يرو العلاء حديثا أنكر منه و رده بحديث : [ لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ] فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين .
في هذا الشهر ليلة عظيمة أيضاً هي ليلة النصف من شعبان عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم شأنها في قوله : ( يطّلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن )..
فمن دعا غير الله تعالى فقد أشرك ، ومن سأل غير الله فقد أشرك ، ومن زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قضاء الحاجات فقد أشرك ، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومن قرأ المولد عند قبر الحسين أو المرغلي أو سيدتهم زينب أو الشعراني أو ابن العربي أو أبو عبيدة أو إلى غير ذلك من الأضرحة فمن فعل ذلك وسألهم الحاجات فقد كفر وأشرك ، ومن حكَّم غير شرع الله وارتضى ذلك فقد أشرك ..
والمشرك لا يطّلع الله عليه ولا يغفر له الذنوب..
وكذلك من كانت بينهما شحناء وعداوة لا يغفر الله لهما حتى يصطلحا ..
سبحان الله يستصغر الناس مثل هذه الأمور .. لذلك ترى اليوم في مجتمعنا ظهور هذه الصفات الذميمة بين أفراده.. وخصوصاً الذين يعمرون المساجد يبغض بعضهم لمجرد أمر حقير لا يستحق أن يذكر.
وإني لأذكرهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا .. والمطلوب منهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ..
وليكن الذين هم على شحناء وعداوه على علم ودراية بخطورة هذا الأمر وأنَّ الشحناء والبغضاء بين أخوة الإيمان سبب في عدم قبول صلاتهم ، وعدم قبول أعمالهم ، وعدم تطلع ربّ العزة والجلال إليهم في ليلة النصف من شعبان ..
{ يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ، إلاَّ مَن أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلَيمٍ
.. قلب لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا غشاً على أحد من المسلمين ..

الْمَسْئَلَةُ الثالثة في صِيامِ آخِرِ شَعبان :

 ثبت في الصحيحين [ عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لرجل : هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرر هَذَا الشَّهْرِ شَيْئاً ؟ قال : لا قال : فإذا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ ] و في رواية للبخاري أظنه يعني رمضان و في رواية لمسلم و علقها البخاري : [ هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئاً ] و في رواية : [ فإذا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ ] و في رواية : [ يوما أو يومين ] شك شعبة و روي : [ من سرار الشهر ] و قد اختلف في تفسير السرار و المشهور إنه آخر الشهر يقال : سرار الشهر و سراره بكسر السين و فتحها ذكره ابن السكيت و غيره و قيل : إن الفتح أفصح قاله الفراء و سمي آخر الشهر سرارا : لاسترار القمر فيه و ممن فسر السرار بآخر الشهر أبو عبيد و غيره من الأئمة و كذلك بوب عليه البخاري صيام آخر الشهر و أشكل هذا على كثير من العلماء في الصحيحين أيضا [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لَا تُقَدِّمُوا رَمضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلا مَنْ كانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ ] فقال كثير من العلماء كأبي عبيد و من تابعه كالخطابي و أكثر شراح الحديث : أن هذا الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه و سلم كان يعلم أن له عادة بصيامه أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه و قالت طائفة : حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك و آخر شعبان مطلقا سواء وافق عادة أو لم يوافق و إنما ينهى عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا و هذا مذهب مالك و ذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد بن مسلمة من أصحابه : يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده و حكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار و ذكر محمد بن ناصر الحافظ : إن هذا هو مذهب أحمد أيضا و غلط في نقله هذا عن أحمد و لكن يشكل على هذا الحديث [ أبي هريرة رضي الله عنه و قوله : إلا من كان يصوم صوما فليصمه ] و قد ذكر الشافعي في كتاب مختلف الحديث احتمالا في معنى قوله : [ إلا مَنْ كان يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ ] و في رواية : [ إلا أَنْ يُوافِقَ ذَلِكَ صَوْماً كانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ] أن المراد بموافقة العادة صيامه على عادة الناس في التطوع بالصيام دون صيامه بنية الرمضانية للاحتياط.

بعض البدع والأحاديث الواهية عن ليلة النصف من شعبان:
عباد الله, قبل أن نأتي على نهاية الكلام أود عرض بعض البدع والأحاديث الواهية عن ليلة النصف من شعبان:
– أولها : بدعة الصلاة الألفية وهذه من محدثات وبدع ليلة النصف من شعبان وهي مائة ركعة تصلي جماعة يقرأ فيها الإمام في كل ركعة سورة الإخلاص عشر مرات.. وهذه الصلاة لم يأتِ بها خبر وإنما حديثها موضوع مكذوب فلا أصل لهذا فتنبهوا عباد الله من البدع والضلالات ..
– من ذلك أيضاً تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة ونهارها بصيام
لحديث : إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقُومُوا لَيْلَهَا وصُومُوا نَهَارَهَا .. هذا حديث لا أصل له ..فتنبهوا عباد الله.
– من البدع أيضاً صلاة ست ركعات في ليلة النصف من شعبان بنية دفع البلاء ، وطول العمر ، والاستثناء عن الناس ، وقراءة سورة يس والدعاء ..
فذلك من البدع والمحدثات المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام الغزالي في الأحياء : وهذه الصلاة مشهورة في كتب المتأخرين من السادة الصوفية التي لم أرَ لها ولا لدعائها مستنداً صحيحاً من السنة إلاَّ أنه من عمل المبتدعة .
وقد قال أصحابنا أنه يُكره الاجتماع على إحياء ليلة من مثل هذه الليالي في المساجد أوفي غيرها .
قال الإمام النووي رحمه الله : صلاة رجب – صلاة الرغائب – وصلاة شعبان بدعتان منكرتان قبيحتان
وعلى هذا يجب عليك عبد الله أن تعبد الله بما شرع لك في كتابه أو جاء مبينًا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ..
وإياكم عباد الله ومضلات الأمور فإنَّ البدع ضلالات وطامات ولا يستفيد العبد من عملها إلاَّ البعد من الله تبارك وتعالى..
فتفقهوا عباد الله في دينكم ..فيوم الجمعة هو أفضل الأيام ..وشهر رمضان هو أفضل الشهور ..وليلة القدر أفضل الليالي ..والمسجد الحرام أفضل المساجد ..وجبريل أفضل الملائكة ..
ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو سيد الأنبياء والمرسلين بل هو سيد ولد آدم أجمعين ولا فخر
وقد أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز من قائل : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَ سَلِّمُواْ تَسْلِيماً
أقول ما تسمعون, بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه وفي السنة من الهدي والبيان, فاستغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثّانيّة:

إنّ الْحمد للهِ ربّ العالمين الّذي خلق الإنسان مِنْ نفسٍ واحدة وخَلَقَ منها زوجها وبثَّ منْهما رجالاً كَثِيراً ونساءً, والصّلاة والسّلام على خيرِ خلق اللهِ سيِّدِنا ومولانا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.

أمّا بعد,

فَعِبَادَ اللهِ, يحْتَفِلُ الْعَالَمُ بِيَوْمِ الأُسَرِ الْعَالَمي (INTERNATIONAL DAY OF FAMILIES) كُلَّ سَنّةٍ يومَ 15, مايو, وصادف ذلكَ يومَ الأَحد القادِم :15\5\2016م. وللإسلامِ نَظَرٌ فِي الأُسَرِ.

نَتَحَدَّثُ عَنْ نَظَرِ الإسْلاَمِ فِي الأُسْرَة:

مفهوم الأُسرة في الإسلام:

مفهوم الأُسرة في الإسلام يتميَّز عن بقيَّة المفاهيم الأخرى؛ فالأسرة وحدةٌ اجتماعيَّةٌ مُمتدَّةٌ، تتكوَّن منها لبِنَاتُ المُجتمع المُسلم، وهي نواةٌ أُسِّسَت على بِرٍّ وإيمان، والتِزامٍ ووفاءٍ، لَّت عليه آيُ الكتاب وتوجيهاتُ الرسول.
إنها منظومةٌ عُنِي الإسلام بأصلِ تأسيسِها منذ أن حثَّ على الزواجِ ورغَّب في النِّكاح، وحُسن الاختِيار بين الزوجين، وآداب الخِطبة والنِّكاح، وحُسن العِشرة والقِوامة، والوفاء بالحقوق والواجِبات، وطِيب المُعاشَرة، والتوجيه عند الاختِلاف، وأحكام الفُرقة وما بعدَها.
مما يدلُّ على عناية الإسلام بتكوين الأسرة وإحكام بِنائِها، ورعايتِها لتحصيلِ مقصودِها؛ من حُصول الإعفافِ للزوجين، والسَّكَن الفِطريِّ لبعضِهما والمودَّة والرحمة، وإقامة البيت المُسلم، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، وتربية الذرِّيَّة الصالِحة التي تعبُد اللهَ وتُطيعُه.
والأُسرة تمتدُّ لتشملَ وحداتٍ مُترابِطة تضمُّ الأقارِبَ والأرحامَ، وتُراقِبُ ذاتَها في سُلوك أفرادِها، والتِزامِهم المبادِئ والقِيَم، في توريثٍ للخير، ورعايةٍ لنَبتِ الصلاح في أرض الأسرة المُورِقة.
يُذكِي ذلك: التوجيهُ بصِلَة الأرحام، وإيجابُ التربية والرعاية رعايةٌ صحيَّة وجسديَّة، غِذاءٌ وسَكَن، وتوفيرٌ للحبِّ والعَطف والرحمة، والراحة النفسيَّة لكل الأفراد، مهما كان موقِعُهم من الأُسرة.
كما يلتزِمُ الوالِدان بتقديم العُلُوم الضروريَّة والخِبرات الكافية لمن تحت أيديهم، عن دينِهم وتعاليمِه، وكل ما يُؤدِّي بهم لأَن يكونوا أفرادًا صالِحين، وعبيدًا لربِّ العالمين، مع تهيِئَتهم لمعيشةٍ كريمةٍ في هذه الحياة.
وبقَدر ترابُط الأُسَر يقوَى تماسُك المُجتمع ويشتدُّ، ومع أن الزواجَ وتكوينَ الأُسرة ضرورةُ حياة، وجِبِلَّةٌ وفِطرةٌ، إلا أنه أيضًا رِباطٌ يمتدُّ إلى اليوم الآخر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:13\ 23]. وهذا خِتامُ المفاهيم لرابِطة الأُسرة في الإسلام.
أيها المسلمون :الحديثُ عن الزواج وتكوين الأُسَر مع إقبالِ موسمٍ تكثُرُ فيه مُناسباتُه هو حديثٌ ذو شُجون، وأكثرُ ما يُشجِي فيه ويُؤلِم: كثرةُ الفشلِ فيه، وتفشِّي المُشكِلات الزوجيَّة، وارتِفاعُ نِسَب مُعدَّلات الطلاقِ إلى ثُلُث الزِّيجات وأكثر. مما يُكدِّرُ الفرحَ بكثرة الزواجات، ويستدعِي نظرَ أهل العلم والفِكر، وتنبُّه أصحابِ الرأيِ والقرار.
كما أن على رِجالاتِ التربية والتعليم، والمسؤولين عن المناهِج وسِياساتِ التعليم أن يبذُلُوا مزيدَ عنايةٍ في هذا الجانِبِ للبنين والبناتِ، ويتحمَّلُ الإعلامُ واجِبًا كبيرًا ومسؤوليَّةً أخلاقيَّةً تِجاه المُجتمع، بما يعرِضُه سلبًا أو إيجابًا، وليس لأحدٍ أن يدَّعِي العصمةَ أو السلامة من الخطأ؛ فالمُراجَعات من شِيَم النُّبَلاء.
ينبغِي أن يُعاد النظرُ في مدَى تحقيق التعليم والإعلام للأهداف النَّبيلة الراعِيَة للأُسَر تكوينًا وإنشاءً، وتربيةً على القِيَم والمبادِئ والأخلاق الفاضِلَة، وطِيبِ المعشَرِ وحُسن التعامُل، والوفاءِ بالحُقوق، والقِيَام بالواجِبات، وكيفية أدائِها.
لا بُدَّ أن تتكرَّر هذه الفضائلُ حتى تتقرَّر، وتستقِرَّ في العقول والقلوبِ لتُصبِحَ سُلوكًا يُطبَّق، لا مُجرَّد نظريَّاتٍ مهجُورةٍ.
وإن على الأولياء مسؤوليَّةً عظيمةً تِجاه الخاطِب؛ فهي أمانةٌ يُسألُ عنها يوم القيامة.
الزواجُ أمرٌ إلهيٌّ، وحضٌّ نبويٌّ، وسُنَّةٌ للمُرسلين، ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:24\ 32]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:4\ 3].
وفي أمرِ الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكم الباءَة فليتزوَّج .. الحديث»؛ متفق عليه.
وميزانُ النجاح والسعادة في الاختِيار: هو توجيهُ النبي – صلى الله عليه وسلم – بقولِه: «تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحَسَبها، ولجمالِها، ولدِينِها، فاظفَر بذاتِ الدينِ ترِبَت يداك»؛ رواه البخاري ومسلم.
وفي توجيهِ المرأة ووليِّها، قال – صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتاكُم من ترضَون دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلا تفعَلوا تكُن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير»؛ رواه الترمذي وابن ماجه.
وكثيرًا ما تحدُثُ المشاكلُ من جهةِ التفريطِ في تحقيق هذا التوجيه النبويِّ الكريم، وكم من الناسِ لا يُدرِك المعنى العظيم لما سمَّاه الله مِيثاقًا غليظًا، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن أحقَّ الشُّروط أن تُوفُوا به ما استحلَلتُم به الفُرُوج»؛ متفق عليه.

 ومن هنا، كانت رِعايةُ هذه الميثاق والتعامُل بانضِباطٍ مُتقَنٍ بين الزوجَين، وإشاعةُ أجواءِ الأمانِ والعاطِفة من علاماتِ الزواجِ الناجِح، سِيَّما وقد توعَّد الشيطانُ بإغواءِ بني آدم والعمل على التفريقِ بين المرءِ وزوجِه.
ولكي تحصُلُ المودَّةُ والرحمةُ والسَّكَن، وليُحقِّقَ الزواجُ أهدافَه التي شُرِع من أجلِها فلا بُدَّ من تكرار التوجيهاتِ لزواجٍ ناجِحٍ – بإذن الله -.
فيا أيها الزوجان! صِلا ما بينَكما وبين الله يصِلُ الله بينَكما. فكم من معصيةٍ شتَّتَت أُسرًا سعيدةً، وكم ذنبٍ أحالَها حياةً مريرةً، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:42\ 30]
ومن أراد الحياةَ الهانِئة فليقرأ قولَ الحقِّ – سبحانه -: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:16\ 97].
عباد الله: الاحتِرامُ المُتبادَلُ من أقوَى علامات الاستِقرار الأُسريِّ، ومن دعائِم تثبِيتِه؛ يجبُ أن تعرِفَ المرأةُ قدرَ زوجِها وفضلَه، ومكانتَه في البيت، كما يُقدِّرُ الرجلُ وضعَ المرأة، ويُعامِلُها كشريكِ حياةٍ لا كشريكِ تِجارةٍ.
وكلُّ إحسانٍ يُقدِّمُه أحدُ الزوجَين فإنه يصنَعُ به السعادةَ لنفسِه قبلَ شريكِه، وقد قالت الناصِحةُ لابنتِها: “كونِي له أمةً يكُن لكِ عبدًا”.
التغافُلُ وغضُّ الطرفِ عن بعض الهَفَوَات مطلبٌ أساسٌ في استِقرار الأُسرة؛ فالحياةُ الزوجيَّةُ مبنيَّةٌ على التلقَائيَّةِ وعدمِ التكلُّف، والمرءُ يعترِضُه من هُموم الحياة ما يجعلُه يتصرَّفُ في بيتِه بتلقائيَّةٍ وصراحةٍ. فلا بُدَّ من التفهُّم والتقبُّل.
وإن من كَيد الشيطان: ما علِقَ بالناس من لَوثاتِ الأفلام والمُسلسلات، ووسائل التواصُل والقنَوات، والتي أورَثَت رُكامًا هائِلاً من التصوُّرات الخاطِئة عن الحياةِ الزوجيَّة، وأفسَدت أخلاقَ الناس، وقرَّرَت في نفوسِ مُتلقِّيها مبادِئَ مغلُوطة، وقلَبَت المفاهِيم أبوابَ شرٍّ عظيمٍ، فضلاً عن بابِ المُقارَنات والانشِغال بالآخرين.
أما حُطام الدُّنيا؛ فكم من أُسرةٍ تمزَّقَت بسبب المال، وكم من محبَّةٍ قُتِلَت بسبب المال!!
أيها الزوج! إن عليك النفقة والسُّكنَى، وألا تُضيِّع من تعُول، واستحضِر قولَ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -: «دِينارٌ أنفقتَه في سبيلِ الله، ودِينارٌ أنفقتَه في رقبةٍ، ودِينارٌ تصدَّقتَ به على مِسكين، ودِينارٌ أنفقتَه على أهلِك. أعظمُها أجرًا: الذي أنفقتَه على أهلِك»؛ رواه مسلم.
الدُّعَاءُ:

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .

اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُمْ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .

وصَلّى اللهُ على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *