وظائف شهر رمضان

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْخطبة الثّالثة لشهر شعبان بتأريخ 18\8\1439هـ-4\5\2018م
حول: وظائف شهر رمضان
إن الحمد لله، القائل فِي كتابه العزيز : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (آل عمران: 3\133-135) , نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , القائِلِ فِي حديثه الشّريف : ((رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغْفَرَ لَهُ….)) فَمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَانَ فَمَتَى يُغْفَرُ لَهُ؟ … صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فَعِبَادَ اللهِ, أوصيكم ونفسي بتقوى الله حق التقوى فإنَّ بتقوى الله تتنزل البركات وتعم الرحمات .. مصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تعالى:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ {الطّلاق:65\2-3 }, ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾{الطّلاق:65\4-5}.
إخْوَةَ الإِيمَان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثّالث في شهر شَعْبَان , وَقَدْ تَحَدَّثْنَا فِي الْخُطْبَةِ الْمَاضِيَّة عَنْ فضائلِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَك . وَإِنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ : ووَظَائِف شَهْرِ رَمَضَانَ .
فهذا مختصرٌ لطيفٌ في وظائفِ هذا الموسمِ الشريف، يبعثُ الهمَمَ إلى التَّعرُّضِ للنَّفَحَاتِ، ويُثيرُ العزمَ إلى أشرفِ الأوقاتِ.
واللهَ نَسألُ أن يوفِّقَنَا لما يُحبُّ مِنَ الطاعاتِ، وأن يضاعِفَ لنا الحسناتِ ويغفرَ لنا السَّيِّئاتِ، ويستجيبَ لنا الدعواتِ، إِنه جوادٌ كريم.
أيّها المسلمون الْكِرَام, لنستخدم هذه الفرصة الذّهبية لإحسان علاقاتنا مع الله خالقنا سبحانه وتعالى ومع النّاس مخلوقات اللهِ عَزَّ وجلَّ :
وأمّا مع اللهِ جَلَّ شَأْنُهُ:
فَيتيح شهر رمضان للمسلم العديد من الوسائل التي من شأنها أن تحي قلبه، وتحسن صلته بربه.
وأولى هذه الوسائل: الصيام:
وهو وسيله عظيمة لإمتلاك النفس والسيطرة عليها، ولم لا؟
ومع الصيام عن الطعام والشراب علينا كذلك الإقلال من الكلام والضحك قدر المستطاع ولنرفع شعار (( أمسك عليك لسانك )) وليكن كلامنا بعيدا عن اللغو وسائر أفات اللسان.
ثانيا: التعلق بالمساجد:
المسجد له دور كبير في تنوير القلوب … ففي ختام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور:23\ 35) وفى الأيه التي تلتها حدد سبحانه أعظم مكان لتلقى نوره بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ (النور:23\ 36) ففي المسجد تربط القلوب على طاعة الله وتحبس النفس عن معصيته. يقول صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط)).
ثالثاً: القرآن الكريم:
رمضان شهر القرآن وقد كان من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مدارسة القرآن فيه … فهو وسيلة عظيمة لشفاء القلوب وهدايتها وتنويرها، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:10\ 57) وعلى قدر صلة المسلم بالقرآن تكون صلته بالله. قال صلى الله عليه وسلم: ((أبشروا!! فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً)) وهذه الوسيلة العظيمة لن تحقق مقصودها ولن تكون هدى وشفاءً ونوراً إلا إذا تعاملنا معها بالشكل الذي يريده الله عز وجل.. لقد نزل القرآن لنتدبره ونستخرج منه ما ينفعنا لا لنقرأه بألسنتنا فقط، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (ص:38\ 29) قال بعض السلف: لا يجالس أحد القرآن ويقوم سالما إما أن يربح أو يخسر قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء:17\ 82).
رابعا : قيام الليل:
قيام الليل من الوسائل المهمة في إحياء القلب، يقول صلى الله عليه وسلم:
((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد)) إن التعرض لنفحات الليل واقتسام الغنيمة مع المجتهدين لمن أعظم وسائل غرس الإيمان في القلب … ولقد افترض الله قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات الخمس، لأن الإنسان إذا خلا بربه واتصل قلبه به في جنح الليل طهر القلب ونزلت عليه الفوائد.
إن هذه الوسيلة العظيمة التي تجمع بين تدبر القرآن وما فيه من كنوز وبين الركوع والسجود، وما فيها من معاني الذل والخضوع والإنكسار للمولى سبحانه وتعالى لمن أهم وسائل التقرب إلى الله عز وجل. فلا ينبغي أن تفوتنا ليلة دون قيام مهما كانت الظروف، والأفضل بجانب أدائنا لصلاة التراويح أن نستيقظ قبل طلوع الفجر بوقت كاف للتهجد والإستغفار، لتذوق طعم الحياة الحقيقية باستنشاق نسيم الأسحار ونحن نناجى الرحمن.
من فقه قيام الليل :
عندما يمن الله علينا بالإستيقاظ قبل الفجر بوقت كاف، علينا ألا نطيل القيام والقراءة فقط بل نطيل الركوع والسجود أيضا.
فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .. ففي السجود يتم إخراج معاني الذل والإنكسار وإظهار الفقر والمسكنة لمن بيده ملكوت السماوات والأرض.
خامسا: الإستفادة من الأوقات الفاضلة:
ويقول صلى الله عليه وسلم ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا)).
يقول الإمام حسن البنا: أيها الأخ العزيز أمامك كل يوم لحظة بالغداة ولحظة بالعشى ولحظة بالسحر تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ الأعلى، فتظفر بخير الدنيا والأخرة.. وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القروبات التي وجهك إليها كتابك الكريم ورسولك العظيم صلى الله عليه وسلم، فأحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين.. واغتنم الوقت فالوقت كالسيف، ودع التسويف فلا أضر منه.
سادساً: الإعتكاف
الإعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو مستحب في كل وقت في رمضان وغيره وأفضله في العشر الأواخر من رمضان ليتعرض العبد فيها لليله القدر والتي هي خير من ألف شهر.
وهذا الإعتكاف هو الخلوة الشرعية التي لا يترك معها الجمع والجماعات، فعلينا أن نغتنم أي وقت – مهما قصر – في نهار رمضان أو ليله ننوى فيه الإعتكاف ونختلي فيه بالله عز وجل..
يقول ابن رجب: ((فحقيقة الإعتكاف قطع العلائق عن الخلائق للإتصال بخدمة الخالق)).
سابعا : الدعاء :
الدعاء هو العبادة، ولا يرد القدر سواه، ففيه يتمثل فقر العبد وذله وانكساره إلى من بيده ملكوت كل شيء.. وهناك أوقات مخصوصة يفضل فيها الدعاء منها: بين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات، وفي الثلث الأخير من الليل، ويوم الجمعة منذ أن يصعد الإمام المنبر حتى تنتهي الصلاة وكذلك في الساعة الأخيرة من هذا اليوم، وفي ليله القدر.. وعند نزول المطر .. وللصائم دعوة مستجابة، وكذلك المسافر ..
ولنحذر من الدعاء باللسان دون حضور القلب. قال صلى الله عليه وسلم ((واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه)).
ولنكثر من الدعاء لإخواننا المسلمين المضطهدين في كل مكان ولنخص المرابطين في فلسطين بحظ وافر من الدعاء.. ولندع كذلك علي الطغاة الظالمين الذين يحادون الله ورسوله في كل مكان عساه – سبحانه – أن يفرج الكرب ويكشف الغمة وينزل نصره الذي وعد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:30\ 47).
ثامنا: الصدقة :
إن المتأمل لكتاب الله عز وجل يجد الكثير من الآيات التي تحث المسلم على الإنفاق في سبيل الله، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة:9\ 103) فالمستفيد الأول من الصدقة هو صاحبها لأنها تخلصه من الشح وتطهره من الذنوب.
تاسعاً: الفكر والذكر :
ذكر الله عز وجل هو قوت القلوب ومادة حياتها، قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)) ويقول ابن تيميه: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ودور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. فإذا أخذ في الذكر أخذو في البناء.
عاشرا: عاشراً :محاسبة النفس:
بعد مرور عدة أيام من رمضان تصبح النفس سهلة القيادة .. عند ذلك علينا أن نبدأ في محاسبتها علي ما مضى من أعمال. وهناك مجالات كثيرة لمحاسبة النفس تتناول حياة المسلم من جميع جوانبها، على الواحد منا أن يقف أمام كل بند من بنودها ليعرف أين تقع أقدامه بالنسبة إليه. وحبذا لو سجلنا الذنوب وأوجه التقصير ليكون ذلك دافعاً لحسن التوبةت بالحكمة.
وأمّا مع الناس عبادِ الله سُبْحَانَهُ وتعالى:
فَإن السعي بالخير وسط الناس له مردود إيماني كبير في قلب العبد المسلم، فهو يزيد الإيمان ويثبته ويصل بصاحبه إلي أن يكون محبوبا عند الله عز وجل. قال صلى الله عليه وسلم: ((أحب الناس إلي الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلي اللهِ عزَّ وجل سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كتم غيظاً – لو شاء أن يمضيه أمضاه – ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل)) وإليك أخي المسلم بعضاً من أعمال الخير علينا أن نحرص علي القيام بها في رمضان لتصبح بعد ذلك عادة وسجيه من سجايانا، فكما قالوا: تعودوا الخير فإن الخير عادة.
1- الإحسان إلى الزوجة والأولاد: إن الإحسان الحقيقي للزوجة والأولاد إنما يكون بأخذ أيديهم إلي طريق الله والتنافس معهم في السباق نحو الجنان.. ولقد طالبنا الله بذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:66\ 6)
2- الجودُ والكرم:
وهذا باب عظيم من أبواب الخير علينا أن نلجه في رمضان ((ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن فرسول الله صلي الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة)).
3- صلة الرحم:
قبل أن نتحدث عن واجبنا في رمضان تجاه أرحامنا أدعو القارئ إلي التأمل في هذا الحديث النبوي الشريف لنعلم كم نحن مقصرون في حق أنفسنا، زاهدون في خيري الدنيا و الآخرة.
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواب لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنموا أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا)).
فلننتهز مناسبة دخول رمضان لزيارة أرحامنا، أما ما تحول الظروف دون زيارته فعلينا بالإطمئنان عليه من خلال الهاتف والخطابات.
4- إطعام الطعام:
وهذا باب عظيم من أبواب الخير غفل عنه الكثير من الناس. قال صلى الله عليه وسلم: ((إن من الجنة غرفا يري ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها)) قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن أطعم الطعام وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام)) ولقد كان صهيب – رضي الله عنه – يطعم الطعام الكثير، فقال عمر رضي الله عنه: ياصهيب، إنك تطعم الطعام الكثير وذلك صرف في المال، فقال صهيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((خياركم من أطعم الطعام ورد السلام، فذلك الذي يحملني علي أن أطعم الطعام)).
5- الإصلاح بين الناس:
إذا ما نظرنا للأسباب التي من أجلها يتشاحن الناس لوجدناها صغيرة وتافهة نفخ فيها الشيطان حتى أوقع القطيعة بين الأب وإبنه، والجار وجاره، والصديق وصديقه.. في هذا الجو المسمم تكثر الظنون وتقطع الأرحام، وتتوارث العداوات، لذلك كان السعي للإصلاح بين الناس فضل عظيم، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء :4\ 114).
6- قضاء حوائج الناس:
من صور الإحسان العظيمة السعي في قضاء حوائج الناس. ولأن المحسن رجل قد سعى إلى خدمة الآخرين حباً في الله وشفقة علي خلقه كان جزاؤه من جنس عمله. قال صلى الله عليه وسلم: ((أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلي الله عز وجل سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضى عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً،…
أما الساعي علي الأرملة والمسكين فله أجر خاص. قال صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار)).
7- أنقذ غيرك:
لقد نجح إبليس في إغواء الكثير من الناس فصرفهم عن عبادة ربهم وشغلهم بزينة الحياة الدنيا، وسار بهم في طريق يؤدي بهم إلى النار فهل نتركهم وشأنهم أم نحاول إنقاذهم؟!!
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:41\ 33) فلا سبيل لإيقاظ هؤلاء المساكين إلا بدعوتهم إلي الله. ولقد رغب –سبحانه وتعالى– عباده المؤمنين للقيام بهذه المهمة فجعل مقامها: مقام الأنبياء والرسل، أما أجرها فلا حدود له.
فهل لنا يا أخي أن ننال شرف هذه المهمة ونعمل علي إنقاذ من حولنا من النار؟
هيا نردد دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم: ((اللهم اجعلنا هداة مهتدين)).
أقُولُ قَوْلِي هَذَا أستغفر الله العظيم لِي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه . إنَّه هو الغفور الرّحيم .
الْخُطْبَةُ الثّانية :
الحمد للهِ ربِّ الْعَالَمِينَ , الذي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا, قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا, مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا, الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيز: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ {الفتح:43\32}. نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ, اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى النّبي الكريم الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ: ) (أَدُّوا الْعَامِلَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ) “البيهقي في السنن. وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَكُلِّ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أمَّا بَعْدُ ,
فأيُّهَا الإخوة المسلمون، بِمُنَاسَبَةِ الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ للْعُمَّالِ :
(INTERNATIONAL WORKERS’ DAY) الّذي احتفلت به الأمم المتّحدة يوم الثّلثاء الماضي, اليوم الأوّل من شهر مايو (1\5\2018م ) كعادة سنويّة , وَيَتَساءَلُ اْلإنْسَانُ عَنْ عَلاَقَةِ الْعَامِلِ بِصَاحِبِ الْعَمَلِ، وَمَا هُوَ مَوْقِفُ الشَّرِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ؟ مَا مَوْقِفُ الشَّرِيعَةِ مِنْ غَبْنِ الْعَمَلِ وَالْعَامِلِ؟ وَهَلْ هُنَاكَ فيِ الشَّرْعِ تَنْظِيمٌ لِتِلْكَ الْعَلاَقَةِ وَإِعْدَادٍ لَهَا؛ لِتَأْخُذَ مَسَارَهَا الصَّحِيحَ، فَيَرْتَفِعَ الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ عَنِ الْجَمِيعِ، وَتَغْرُسَ اْلأمَانَة فيِ نَفْسِ الْعَامِلِ، وَتَمْنَعَ رَبَّ الْعَمَلِ مَنْ ظُلْمٍ وَطُغْيَانٍ وَتَعَدٍّ؟
ضَوابِطُ شَرِعِيَّةٌ فيِ التَّعَامُلِ مَعَ الْعُمَّالِ:
نَقُولُ: نَعَمْ أيُّهَا الْمُسْلِمُ، شَرِيعَةُ اللهِ جَاءَتْ بِمَا يُحَقِّقُ لِلْبَشَرِيَّةِ السَّعَادَةَ فيِ الدُّنْيَا وَاْلآخِرَةِ، جَاءَتْ بِالتَّوَازُنِ الْحَقِّ وَاْلاعْتِدَالِ الْحَقِّ فيِ كُلِّ اْلأحْوَالِ, فَأَوَّلاً مِنْ حَيْثُ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْعَمَلِ، فَشَرِيعَتُنَا جَاءَتْ بِمَا يُحَقِّقُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةَ لِلطَّرَفَيْنِ مَعًا:
1- الْعَمَلُ فيِ شَرِيعَةِ اْلإسْلاَمِ لَهُ مَنْزِلَتُهُ وَفَضْلُهُ، وَالْكَسْبُ الَّذِي يِنَالُهُ الْعَامِلُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ وَأَجَلِّهَا، يَقُولُ عليه الصلاة والسلام :(خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ عَمَلُهُ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ) “أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي” فَخَيْرُ كَسْبٍ يَنَالُهُ الْعَبْدُ مَا كَانَ هَذَا الْكَسْبُ نَاتِجًا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَعَرَقِ جَبِينِهِ، فَذَاكَ عِزُّهُ وَشَرَفُهُ وفَضْلُهُ، فَهُوَ أَوْلَى لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَيَذِلَّ لَهُمْ، وفي الْحَدِيثِ: (( لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَخَذَ حَبْلَهُ فَأَتَى بِحَطَبٍ فَبَاعَهُ فَأغْنَى بِهِ نَفْسَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ) “متفق عليه من حديث أبى هريرة”.
2- أَمَرَ اللهُ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْعَمَلِ بِالْتِزَامِ الْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة1)، فَرَبُّ الْعَمَلِ يَلْتَزِمُ بِالْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ مَنْ حَيْثُ اْلأجْرَةِ، مِنْ حَيْثُ نَوْعِ الْعَمَلِ، مِنْ حَيْثُ مِقْدَارِ الْعَمَلِ، حَتىَّ يَكُونَ اْلأَمْرُ وَاضِحًا لِلْجَمِيعِ .
3- وَأَمْرٌ آخَر أَنَّ الإسْلاَمَ حَثَّ رَبَّ الْعَمَلِ أَنْ يُوفِيَ الْعَامِلَ أَجْرَهُ، وَيُسَارِعَ فيِ ذَلِكَ، يَقُولُ عليه الصلاة والسلام :(أَدُّوا الْعَامِلَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ) “البيهقي في السنن” . وما يحدث الآن في بعض القطاعات والولايات في نيجيريا حيث لم تسدد رواتب العمال لعدة أشهر مما لا تسمح به الشريعة الإسلامية الغراء التي تسعي لإعطاء كل ذي حق حقه, وفي آجالها دون مماطلة أو تأخير .
4- وأمْرٌ آخَر أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حُقُوقِهِمْ شَيْئًا إذَا أَدَّوْا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، وَفيِ الْحَدِيثِ : ((قَالَ اللهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ))، ذكَرَ مِنْهُمْ:(رَجُلاً بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلاً اسْتَأْجَرَ أُجْرَاءَ فَاسْتَوْفَى مِنْهُمْ حَقَّهَ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ حَقَّهُمْ، وَرَجُلاً عَاهَدَ بِي ثُمَّ غَدَرَ) “أخرجه البخاري في الإجارة” .
مِنْ هَذَا الْمَنْطَلِقِ, نَضُمُ صَوْتَنَا مِنْ هَذَا الْمِنْبَرِ إلي أصَواتِ اْلأَحْرَارِ الَّذِينَ يُطَالِبُونَ بِحُقُوقِهِمْ مِنْ نقَابَةِ الْعُمَّالِ وَ الْمِهَنِيِينَ فيِ شَتىَّ وِلاَيَاتِ نَيْجِيرِيَا خاصة, ودول العالم عامة. وننصح الحكومات وأرباب العمل بتقوي الله والوفاء بهذه الحقوق
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ في القرآن العظيم، وَنَفَعَنِي وَإيَّاكُمْ بِمَا فِيه من الآيات والذكر الْحكيم، أقول قولي هذا، وأسِتغفر اللهَ العظيمَ الْجليلَ لِي ولكم ولسائر الْمسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الدُّعَاءُ:
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ . وصَلّى اللهُ على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Leave a Reply