الخصيصة السّابِعَة من خصائصِ الْخطاب الإسلامِي فِي عصر الْعَوْلَمَة

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْخُطبة الثّانيّة لشهر جُمَادَى الثّانيَّة بتأريخ 11\6\1438هــ-10\3\2017م
حول : مفهوم الْعولمة فِي نظَرِ الْإِسلام
7: الخصيصة السّابِعَة من خصائصِ الْخطاب الإسلامِي فِي عصر الْعَوْلَمَة
7: الخطاب الإسلامي : يدعُو إلَى الْجِدِّ والاسْتِقَامَة وَلا يَنْسَى اللَّهْوَ وَالتَّرْوِيحَ
الْحمد للهِ رَبِّ العالمين , القائلِ في كتابِه العزيزِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصّلت :41\30-32] . نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أما بعد:
فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً , فإنّ اللهَ تعالى قد جعل تقواه مخرجا منَ الكُرب ومُيَسِّراً لكلِّ عصيرٍ وَمُكَفِّراً للسّيِّئَاتِ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق : 2-3], ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطّلاق: 65\4-5].
إِخْوَةَ الْإِيمان , هَذَا هُو اللِّقاء الثَّانِي في شهر جُمادَى الثّانية ونحن على مَوضُوعنا الرّئيسي : مفهوم العولمة في نظَرِ الإسلام . وقد كُنّا نعالج خَصائص الخطاب الإسلامي في عصر العولمة . حيث قد تحدّثنا عن ستِّ خصائص . وهي أنَّ الخطاب الإسلامي : 1-يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا يَكْفُرُ بِالإِنْسِ ,2-يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ وَلا يُغِيبُ الْعَقْلَ .3-يَدْعُو إِلَى الرّوْحَانِيَّة وَلا يُهْمِلُ الْمَادِيّة .4-يُعْنِي بِالْعِبَادَاتِ الشّعَائِرِيَّة وَلَا يُغْفِلُ الْقِيَمَ الْأَخْلاقِيَّة . 5-يَدْعُو إِلَى الاعْتِزَازِ بِالْعَقِيدَةِ وَإِلَى إِشَاعَةِ التَّسَامُحِ وَالْحُبِّ . 6-يُغْرِي بِالْمِثَالِ وَلَا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ .
والْخَصِيصَة السّابعة أنَّ الْخِطَابَ الإِسْلامِي في عصر الْعَوْلَمَة :
7-يَدْعُو إلى الْجِدِّ والاسْتِقَامَة وَلا يَنْسَى اللَّهْوَ والتَّروِيحَ:
أيّهَا المسلمون الْكِرَامُ , ومن خصائص الْخِطَابِ الإسلامِي الْمَنْشُودِ عَصْرِ الْعَوْلَمَة : أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجِدّ والطّهَارَة والاستقامة في الحياة , وفي الوقت نفسه لا ينسى اللّهو والتّرويح عن الأنفس .
أمّا الْجِدّ والطّهَارة والاستقامة على الطّريق القويم , وتربيّة الأمّة عامّة , وشبابها خاصّة , عَلَى حياة العِفّة وَالْفَضِيلَة والإِحْصَان , وتَحَرِّي الحلال ,والْبُعْدُ عَنِ الْحَرَام , وتَجَنُّب حَيَاة التَّرفِ والْميُوعَة-ناهيك بحياة التّحلل والتّسيب- فَهَذَا هُوَ النَّهْجُ الّذِي جأءَ بِهِ الْإِسْىلامُ , لِتَكْوِينِ الإنسَانِ الصّالِحِ , والأُسْرة الصّالِحة , والمجتمع الصّالِح .
إنّ (الطّهَارةَ) ليْسَتْ مُجرَّد شَرْط مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصّلاةِ لِلْإِنسَانِ الْمُسْلِمِ , وَلَكِنَّهَا شِعَارٌ لِحَيَاتِهِ كُلِّهَا : الطَّهَارَةُ فِي الْمَأْكَلِ , وَالطَّهَارَةُ فِي الْمَلْبَسِ , وَالطَّهَارَةُ فِي الْمَسْكَنِ , وَالطَّهَارَة فِي الْقَوْلِ , والطّهَارَةُ فِي السُّلُوكِ , وَالطَّهَارَةُ فِي الْمَالِ , وَالطَّهَارَةُ فِي شُئُونِ الدُّنْيَا والدِّينِ , فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ .
والاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّرِيقِ هِيَ الْمُعَبِّرُ الْعَمَلِي عَنِ الإِيمَانِ , وَلِهَاذَا حِينَ سَألَ أحدُ الصّحَابَة النَّبيَّ –صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-قُل لِّي فِي الإسْلامِ قَوْلاً لا أسأل عَنْهُ أحَداً غَيْرَكَ : قَالَ لَهُ : قُلْ أَمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ” (رواه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثّقفي (38) وهو من أحاديث الأبعين النّوويّة).
وقَدْ اقتبس النَّبِيُّ الكَرِيمُ هَذَا الْجَوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَريمِ , حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصّلت :41\30-32] .
وَمَقْتَضَى هَذِهِ الاسْتِقَامَة : أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُسْلِمُ (الصِّرَاطَ الْمُستَقِيمَ) الّذِي يَدْعُو الله كُلَّ يَوْمٍ أنْ يَهْدِيَهُ إلَيْهِ فِي صَلَوَاتِهِ الْخَمْسِ : سَبْع عَشْرَة مرّة , فَضْلا عَنْ صَلَوَاتِ السًّنن والنَّوَافِل .
وَهَذَا الصِّرَاطُ أوِ الطَّرِيقُ أوِ الْمَنْهَجُ , قَدْ رَسَمَهُ الْقُرْآنُ وَوَضَعَ أُسُسَهُ وَقَوَاعِدَهُ , وَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَفَصَّلتْهُ , فَلَمْ يعد لِأحَدحُجّة أن يَدَّعِيَ أنَّهُ يَجْهَلُهُ , فَقَدْ تَرَكْنَا رَسُولَنَا عَلَى المحجة الْبَيْضَاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لاَ يَزِيغُ عنها إلّا هَاللِكٌ.
فَالْحَلالُ بَيِّنٌ , والْحَرَامُ بَيِّنٌ , وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ مُشْتَبِهَاتٍ يُمْكِنُ أنْ يَسأَلَ عَنْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ لِيُبَيِّنُوهَا , وَمَا بَقِيَ مُشْتَبِهًا عَلَى صَاحِبِهِ , فَالْوَرَعُ تَرَكَهُ “وَمَنِ اتَّقَى الشُّبْهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ , وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَات وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى , يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ . (متفق عليه من حديث النّعمان بن بشير , وهو من أحاديث الأربعين النّووية)
وَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ إِرَادَةً قَوِيَّةً , يُقَاوِمُ بِهَا الشَّهْوَات , ويستعلى بِهَا عَلَى نِدَاءِ الْغَرَائِزِ , وبِمِقْدَارِ انتِصَارِهِ عَلَى هَوَاهُ , تَثْبُتُ حَقِيقَةَ إِيمَانِهِ , وَبالتَّالِي حَقِيقَة إنسانيته .
إنَّ الإِيمانَ هُوَ الَّذِي يقوي إرادة المؤمن أمام وساوس الشَّيطان , ودواعي الهوى , فيجعله يرفض الحرام , وهو متاح له , لا يَحُولُ دُونَهُ حائل إلا خشية الله .
فقَدْ تتاح لِلْمَرْءِ صفقات يكسب فيها الملايين , من المال الْحَرَامِ , مِنَ التِّجَارَةِ فِي أَغْذِيَةِ فَاسِدَة, أَوِ انتَهَى أمد صلاحيتها , أوْ أصَابَهَا الثّلوث أو الإشْعَاع , أوْ من خِلالِ الغِشِّ فِي البُنيَانِ, أَوْ مِنْ خِلال تَوْرِيدِ أَصْنَافِ أقَلّ من الْمُسْتَوَى , أَوْ مِنْ خِلالِ التَّعامُل مَعَ الأَعداءِ , أوْ مِنْ خِلالِ الرشا التِي تَدْفَعُ بِالْمَلايِيينِ باسمِ العمولات أو الْهَدَايا .. ولكنَّ الْمُؤمِنَ يَرْفُضُ هَذَا كُلَّهُ , لأنَّهُ حَرَامٌ , وَهُوَ لاَ يَقْبَلُ أنْ يَدْخُلَ جَيْبَهُ أَوْ خِزَانَتَهُ دِرْهَمٌ مِنْ حَرَامٍ , أوْ يَدْخُلَ فِي بَطْنِهِ-أوْ بَطْنِ أَحَدٍ مِمن يَعُولُهُ-لُقْمَةٌ مِنْ حَرَامٍ , فَكُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّار أولى بِهِ !
وَقَدْ تتاح لِلْإِنسانِ فُرَص لِكَسْبِ جَاهٍ حرامٍ , أوْ مَجْدٍ حَرَامٍ , أو مَنْصِبٍ حَرَامٍ فِي سَبِيلٍ أن يتنزّلَ عَنْ مَثَلِهِ الْعُليا , أو يسير في رُكاب الطُّغَاةِ , أو يَحْنِي رَأسَهُ لِلْغُزَاةِ والسَّادَة, أوْ يَغُضُّ الطَّرف عَمَّا يَفْعَلُهُ الْكِبَارُ مِنْ سَرقات ونهب وعبث بالأموال والحرمات . ولكنَّ الْمُؤمِنَ يرى كلَّ هَذَا كلّه بقدمه , ولا يسيلُ لعابه لِهَذَا العرضُ الزّائِل , وَيَقُولُ لِأَصْحابِهِ السُّلطَانُ ما قاله سحرة فِرعون لفرعون حِينَ آمنوا باللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , رَبِّ مُوسى وَهَارُون : ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه :20\72-73].
والاسْتِقَامَة:
إنّهَا الاستقامة , التي تفرض على صاحبها : أن يُؤَدِّي حَقَّ رَبِّهِ , وَيُؤَدِّي حَقَّ نَفْسِهِ , وَيُؤَدِّي حَقَّ أُسْرَتِهِ , وَيُؤَدِّي حَقَّ مُجْتَمَعِهِ , وَيُؤَدِّي حَقَّ أُمَّتِهِ , فَهُوَ مَعَ اللهِ بِالْعِبَادَة , وَمَعَ نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَة , وَمَعَ أُسْرَتِهِ بِحُسْنِ الرِّعَاية والنَّفَقَة , وَمَعَ الْمُجْتَمَعِ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإيتاء ذِي الْقُرْبَى , وَمَعَ أُمَّتِهِ بِالتَّضَامُنِ مَعَهَا , وَالْحِرصِ عَلَى وَحْدَتِهَا , والدِّفَاعِ عَنْهَا .
وَلا يَنْسَى اللَّهْوَ والتَّروِيحَ :
وَمَعَ هَذَا لا يَنْسَى أنَّهُ بَشَرٌ , لَهُ حَاجَات البشَرِ , ومطالب البشَرِ , ولهذا يَتْعَبُ كَمَا يَتْعَبُ البَشَرُ ,ويملّ كما يمُلّ البشر , وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَرِيحَ إِذَا تَعِبَ , وَأَنْ يُرَوِّحَ نَفْسَهُ إِذَا مَلَّ , وَأن ينوع حياتَهُ بينَ الْجِدِّ وَاللَّهْوِ , حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يُوَاصِلَ السَّيْرَ , وَلاَ يَنْقَطِعُ مِنَ الإِعْيَاء والْجهد في مُنتَصَفِ الطَّرِيقِ فَلا أرضاً قطع , وَلا ظهراً أبقى .
وَلِهَذَا قال النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لحنظلة حين اتهم نفسه بالنِّفاق , لأنّه كان في مجلس رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- على حالٍ من الرّقة والخشوع والسُّموّ الرُّوحي , فلمّا رجع إلى بَيْتِهِ داعب امرأته , ولاعب أولاده , ونسي ما كان عليه , فظنّ ذَلك نفاقاً , ورجع يعدو إلى النَّبِيِّ –صلّى الله عليه وسلّم- يشكُو هذِهِ الازدواجية , وهذا التّناقض , فقال عليه الصّلاة والسّلامُ : “يا حنظلَة لو بقيتم علَى الحالة التِي ـَكُونون فِيهَا عندِي لصافحتْكُمُ الْمَلائِكَة فِي الطُّرُقَات , ولكِنْ يا حنظلة , ساعة وساعة ” (رواه مسلم) , أي كما تقول في المثل : سَاعَةٌ لِقَلْبِكَ وَسَاعَةٌ لِرَبِّكَ .
وَسَاعَةُ الْقَلْبِ هَذِهِ مطلُوبَةٌ لإعانة عَلَى سَاعة الرَّبِّ , فَإِنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّة لا تَصْبِرُ عَلَى الْحَقِّ الْمُرِّ , والجدّ الصّارم باستمرار , ولهذَا قال علي –رضي الله عنه- روَّحُوا القُلُوبَ ساعةً بَعْدَ ساعةٍ , فَإنَّ القلب إذا أُكْرِهَ عَمى ! .
وَيَقُولُ : إِنَّ الْقُلُوبَ تَمُلُّ كَما تَمُلُّ الأَبْدَانُ , فَابتغوا لها طَرَائِفَ الْحِكْمَة .
وَمِنْ هُنَا كَانَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ يَمْزَحُ وَلا يَقُولُ إلا حَقًّا , وَيَرَى أصْحَابَهُ يَتَمَازَحُونَ ولا يُنكِرُ عَلَيهِمْ , وَيَعْرِفُ لِكُلِّ قَوْمٍ طَرِيقَتَهُ وَأَعْرَافَهُمْ , وَيتيح لَهُمْ أَنْ يُمَارِسُوا هَواياتَهُمْ , كَمَا سَمَحَ للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجدهم فِي يَوْمِ الْعِيدِ , وَهُوَ يُشَجّعُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ : (دُونَكُمْ بني أرفدة) , ويتيح لزوجه عائشة أن تنظر إليهم وهم يلعبون حتّى تسأم , ولمّا همَّ عمرُ أن يرميهم بالحصى , لأنَّهُم يرقُصُونَ بحرابهم في المسجد النّبوي قال له الرّسول : دَعْهُمْ يَا عُمَرُ .
وغنَتْ جَاريتان فِي بيْتِ عَائِشَة , والرّسول–صلّى الله عليه وسلّم- عِندهَا , ودخل أبُوبكر , فَوَجَدَهُمَا تغنيان فانتهرهما , وقَال أمزمور الشّيطان في بيت رسول الله ؟ فقال الرّسول: –صلّى الله عليه وسلّم- دَعْهُما يا أبا بكر , فإنّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً , وَهَذ ا عِيدُنَا. حَتّى تعلم يهود أنّ في دِينِنَا فسحة, وإنِّي بُعِثْتُ بحنفية سمحة .
وَأنكَر عَلَى عائشة أن تزف عروسها بغير لهو وغناء , ولا سيّما أنَّ الرُّوح من الأنصار , وقال : هلا كان معهم لَهْوٌ ؟ فإنَّ الأنصار يعجبهم اللّهو .
وقد ذكرنا شُرُوطاً وضوابط للغناء المباح –بآلة أو بغير آلة – من حيث المضمون , وَمن حيث طَرِيقة الأداء ,ومن حيث الكم , ومن حيث سلامته من الاقتران بأشياء محرّمة مثل الخمر أو الخلاعة والرّقص , وغيرها , لا نريد الاطالة بذِكْرِهَا فليراجِعْهَا مَنْ شَاء في ( فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسّنّة للعلّامة القرضاوي) .
ويمكن أن يكون اللّهْو بممارسة بعض الرِّياضات كالسِّباحة والرِّماية وركوب الخيل , والمسابقة بَيْنَهَا , ونحو ذَلكَ مِنْ ألعاب الفروسية .
وللنّاس أن يخترعوا من الألعاب والهوايات ما يشغل فراغهم , ويرفه عنهم (انظر رسالة الإسلام والفنّ للعلامة القرضاوي) , مالم يُسرفوا في ذلك , فإنّ الإسراف في المباحات ممنوع , كما قال تعالى : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف :7\31] .
بل الإسراف في العبادة ممنوع أيضاً , لأنَّه لا يتمُّ إلا على حساب حُقوقٍ أُخَر , وكما قال الحكيم : مَا رأيت إسرافاً إلا بجانبه حقٌّ مضيّع .
مَوْقِف الْخطاب الدِّيني :
إنّ من الخطاب الدِّيني : ما يُريدُ أن يَجْعَلَ الحياة (مَأْتَماً) دائماً , فلا يسمحُ لقلبٍ أن يفرحَ , ولألْسُن أن تضحك , ولا ليد أن تصفق , ولا للسان أن يروى فكاهة أو دعابة , يريد أن يعيش المرء مهموماً حزيناً , وأن يلقى النَّاس عَبُوسَ الْوجه , مقطب الجبين . وهذا ضدّ الفطرة , وضدُّ الشّرع معا.
الخطبة الثّانية :
الحمد للهِ الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى وَقَدَّرَ فَهَدَى , وخلق الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى ,مِنْ نُطْفَةٍ إذَا تُمْنَى , القائل في كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 49\13] . وأشْهد أنْ لاإله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيك لهُ.وأشْهدُ أنَّ مُحَمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ , القائل في حديثه الشّريف: “إنما النساء شقائق الرجال” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم). الّذي لا يَنطِقُ عَنِ الْهوى إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى , صلّى الله عليه وعلى آله وصَحْبِهِ وأولي الْمَناقِب والنُّهَى وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً .
أمَّا بعد,
فَعِبَادَ اللهِ, إنَّ الأمم المتّحدة احتفلت بيوم النّساء العالمي
(INTERNATIONAL WOMEN’S DAY) كعادتها السّنوية يوم 8 , مارس . ونريد أن نسلِّط أضواء عَلى حُقُوق المرأة في الإسلام . ثمّ نقارن بين هذه الحقوق الإسلامية للنّساء وبين ما يفعله الغربيّون الكفّار نحو النِّسَاء .
مكانة المرأة في الإسلام:
تَحْريرُ المَرْأةِ مِنْ ظَلامِ الْجاهِليّة وظُلْمِها :
وفي ظِلِّ الإسلام أُنصِفَتِ الْمَرْأةُ , وأُعْطِيَتْ حُقُوقُها الْعادِلَة , بَعْدَ ما ظَلَمَتْهَا الْجاهِلِيّاتُ كُلُّها , فَحَرَّرها الإسلامُ مِنْ قُيُودِهاَ , وكرَّمَها وأعْلى مِن مَكانَتِها , بِاعْتِبارِها إنْساناً وبِنتاً وأُمَّاً وعُضْواً فِي الأسْرَةِ والْمُجْتَمَعِ :
موقف الإسلام – مبادئ الإسلام في المرأة :
وتتلخص المبادئ الاصلاحية التي أعلنها الاسلام على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالمرأة في المبادئ التالية:
أولاً: إن المرأة كالرجل في الانسانية سواء بسواء، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ [النساء: 01] ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “إنما النساء شقائق الرجال” رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.
ثانياً: دفع عنها اللعنة التي كان يصقلها بها رجال الديانات السابقة، فلم يجعل عقوبة آدم بالخروج من الجنة ناشئاً منها وحدها، بل منهما معاً.
يقول تعالى في قصة آدم: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ [البقرة:2\ 36].
ويقول عن آدم وحواء: ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وُري عنهما من سوآتهما﴾ [الأعراف:7\ 20]
ويقول عن توبتهما ﴿قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: 23]. بل إن القرآن في بعض آياته قد نسب الذنب إلى آدم وحده فقال ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [الأحزاب:33\ 35].
ثم قرر مبدأ آخر يعفي المرأة من مسؤولية أمها حواء وهو يشمل الرجل والمرأة على السواء: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة: 36].
ثالثاً: إنها أهل للتدين والعبادة ودخول الجنة إن أحسنت، ومعاقبتها إن أساءت، كالرجل سواء بسواء، يقول الله تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل:16\ 97].
ويقول تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ [آل عمران: 195].
وانظر كيف يؤكد القرآن هذا المبدأ في الآية الكريمة التالية: ﴿إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ [الأحزاب:33\ 35].
رابعاً: حارب التشاؤم بها والحزن لولادتها كما كان شأن العرب ولا يزال شأن كثير من الأمم ومنهم بعض الغربيين كما تحققت ذلك بنفسي، فقال تعالى منكراً هذه العادة السيئة: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون﴾ [النحل:16\ 59].
خامساً: حرم وأدها وشنع على ذلك أشد تشنيع فقال: ﴿وإذا الموءودة سئلت: بأي ذنب قتلت﴾ [التكوير: 09].
وقال: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم﴾ [الأنعام: 6\100].
سادساً: أمر بإكرامها: بنتاً، وزوجة، وأماً.
أما إكرامها كبنت فقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة:
منها قوله صلى الله عليه وسلم: “أيما رجل كانت عنده وليدة فعلَّمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها الخ … “.
وأما إكرامها كزوجة ففي ذلك آيات وأحاديث كثيرة: منها:
قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم:30\ 21].
وقوله صلى الله عليه وسلم: “خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، إن نظرت اليها سرتك، وإن غبت عنها حفظتك”. (رواه بألفاظ قريبة منه مسلم وابن ماجه).
وأما إكرامها كأم ففي آيات وأحاديث كثيرة:
قال الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً، حملته أمه كرهاً ووضعته كرها﴾ [الأحقاف: 15].
وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من أحق الناس بصحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك! ” (رواه البخاري ومسلم).
وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “أريد الجهاد في سبيل الله، فقال له الرسول: هل أمك حية؟ قال: نعم، قال: الزم رجلها فثم الجنة” (رواه الطبراني).
سابعاً: رغب في تعليمها كالرجل، فقد مر معنا قوله صلى الله عليه وسلم: “أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها الخ … “.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”. (رواه البيهقي).
ثامناً: أعطاها حق الارث: أماً، وزوجة، وبنتاً: كبيرة كانت أو صغيرة أو حملاً في بطن أمها:فقد قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النِّساء:4\7)
تاسعاً: نظم حقوق الزوجين، وجعل لها حقوقاً كحقوق الرجل، مع رئاسة الرجل لشؤون البيت، وهي رئاسة غير مستبدة ولا ظالمة. قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة: 228].
عاشراً: نظم قضية الطلاق بما يمنع من تعسف الرجل فيه واستبداده في أمره فجعل له حداً لا يتجاوزه، وهو الثلاث، وقد كان عند العرب ليس له حد يقف عنده، وجعل لايقاع الطلاق وقتاً، ولأثره عدة تتيح للزوجين العودة الى الصفاء والوئام. وهذا مما سنتعرض له بعض الشيء في بحثنا هذا.
الحادي عشر: حد من تعدد الزوجات فجعله أربعاً وقد كان عند العرب وعند غيرهم من الأمم التي تبيح التعدد غير مقيد بعدد معين.
الثاني عشر: جلعها قبل البلوغ تحت وصاية أوليائها، وجعل ولايتهم عليها ولاية رعاية وتأديب وعناية بشؤونها وتنمية لأموالها، لا ولاية تملك واستبداد. وجعلها بعد البلوغ كاملة الأهلية للالتزامات المالية كالرجل سواء بسواء.
ومن تتبع أحكام الفقه الاسلامي لم يجد فرقاً بين أهلية الرجل والمرأة في شتى أنواع التصرفات المالية كالبيع، والاقالة، والخيارات، والسلم، والصرف، والشفعة، والاجارة، والرهن، والقسمة، والبينات، والاقرار والوكالة، والكفالة، والحوالة، والصلح، والشركة، والمضاربة، والوديعة، والهبة، والوقف، والعتق، وغيرها.
الدّعاء:
اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply