حول : فضائل مَكَّةَ المُكرَّمَة والمدينة المنوَّرة

doc.” فضائل مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة 1438هــ” Download

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الرّابعة لشهر شوَّال بتأريخ 27\10\1438هــ-21\7\2017م

حول : فضائل مَكَّةَ المُكرَّمَة والمدينة المنوَّرة

الْحَمدُ للهِ رَبِّ العالمين الّذِي فضل مَكَّة على سَائِر الْبِلَاد وَأنزل ذكرهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي مَوَاضِع عديدة فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 3\96-97] وَجَعَلَ مَدِيْنَةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم دَارَ هِجرتِهِ وَنُصْرَتِه ، وَمُقَامَ حَرَمِهِ وَأَمْنِه ؛ لاَ يُرَوَّعُ أَهْلُهَا ، َحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, الْقَائِلَ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ: “خير بَلْدَة على وَجه الأَرْض وأحبها الى الله تَعَالَى مَكَّة” وقالَ في شأنِ الْمَدِينَة : (( وَالْمَدِيْنَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون )) متفق عليه . صلي الله عليه وآله الأطهار وأصحابه الأبرار وعلي كل من اقتفي آثارهم واستن بسنتهم واهتدي بهديهم إلي يوم الدين, آمين.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, إِذْ هِيَ مَنْهَجُ الصَّالِحِينَ أُولي الأَلْبَابِ, قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ {البقرة:2\197}.

أيّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَام , هَذَا هُو اللّقَاء الرّابع والأخِيرُ فِي شَهْرِ شَوَّال أول أشهر الْحجِّ الْمَعْلُومَات , وفِي الأُسبُوعِ الْمَاضِي تَحَدَّثْنَا حَوْلَ تَأرِيخ الْحَجِّ وَبِنَاء الْبَيْتِ الْعَتِيقِ . والْيَوْمَ –إنْ شَاءَ الله تَعَالَى-يَدُورُ مَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا حَوْلَ : فضائل مكة المكرمة والمدينة المنورة وَآدَاب التَّعامُلِ مَعَهُمَا.

فضائل مكة المكرمة والمدينة المنورة:

إن الحديث عن المدينتين المقدستين المكرمتين المنورتين يحلو بقدر محبة المتكلم أوالقارئ عنهما لهما , كيف لا وهما بلدتا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ,

فالأولى : مولدُه وخَلْقُه ونشأته , والثانية : مهاجَره ومضجعه , عليه وآله الصلاة والسلام , ولهما من الفضائل مالا يوجد لبلد آخر متفرقا أو ومجتمعا , وهما مهوى أفئدة المؤمنين على مر العصور .

فكلاهما حَرَمٌ , وحرمٌ آمن , وكلاهما بلد صدقٍ حرمهما الله تعالى ولم يحرمهما الناس وأظهر الله تعالى تحريمهما على لسان النبيَّبْن الكريمين والرسولين المبجَّلَين , أب الأنبياء , وخاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام.

*دعوات إبراهيم عليه السلام لمكة , ودعوات النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة :

لقد أكرم الله سبحانه وتعالى هاتين المدينتين الكريمتين , بأن دعا لهما نبيان كريمان ورسولان من أفضل الرسل بل هما من أفضل الرسل عليهم السلام وهذا دال على مكانة هاتين المدينتين .

فقد دعا إبراهيم عليه السلام لمكة وأكرم الله تعالى المدينة النبوية المنورة بأن دعا لها رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وإن كان قد تنوع الدعاء منه صلى الله عليه وسلم للمدينة فكان دعاؤه أضعاف دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة .

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَيْ ما بمكةَ من البركةِ).

*بعض أجزائهما من الجنة :

قد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أجزاء المدينة المنورة أنها من الجنة كما اخبر عن بعض أجزاء مكة المكرمة أنها من الجنة أيضا.

ففي المدينة المنورة:

الروضةُ من الجنة , وقد حددها صلى الله عليه وسلم فيما بين منبره الشريف الذي كان يخطب عليه وبيته الشريف الذي كان يسكن فيه صلى الله عليه وسلم , فعن عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة , ومنبري على حَوضي) .

ويقابل _الروضة _في مكة : الحجر الأسود والمقام فهما من الجنة

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نزل الحجرُ الأسودُ من الجنةِ , وهو أشدُّ بياضاً من اللبَن , ولكن سوَّدَته خطايا بني آدم)

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة , طمس الله نورهما , ولولا ذلك لأضاءتا مابين المشرق والمغرب ).

*المنة على أهل مكة , وطلب العفو عن أهل المدينة :

لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة , واطمأن , قام على باب الكعبة فخطب والناس أمامه , ومما قال صلى الله عليه وسلم : (يا معشر قريش , ما ترون أني فاعل فيكم؟) قالوا :خيراً , أخٌ كريمٌ , وابن أخٍ كريمٍ , قال: (اذهبوا انتم الطلقاء).

فهذا الإحسان إلى أهل مكة قابله صلى الله عليه وسلم بإحسان إلى أهل المدينة لكن من وجه آخر وهو انه صلى الله عليه وسلم طلب من المسلمين جميعا التجاوز عن مسيء الأنصار علماً بأن الإحسان إلى أهل مكة مقابل إساءتهم له صلى الله عليه وسلم والمسلمين , بينما الإحسان إلى الأنصار إنما هو مكافأة لهم على ما بذلوا وقدموا فافترق السبب واتحد الإحسان .

*ماء زمزم شفاء , وتربة المدينة وتمرها شفاء :

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ماء زمزم لما شرب له)

ويقابل ذلك في المدينة :

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه , أو كانت به قرحه أو جرح , قال النبي صلى الله عليه وسلم _ بإصبعه هكذا ( ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها): (باسم الله ,تُربةُ ارضنا , بريقةِ بعضنا , ليُشفى به سقيمُنا , بإذن ربنا)

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه , ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي ).

*أهل المدينة ومكة هم أول من يحشر مع النبي صلى الله عليه وسلم:

ومن فضائل الحرمين الشريفين أن أهلهما أول الناس بعثاً ثم حشرا مع النبي صلى الله عليه وسلم فيكونون في زمرته لأنهم في الدنيا جيرانه وجيران بيت ربه تعالى وفي الآخرة في زمرته وان شاء الله يكونون معه في الجنة بشفاعته صلى الله عليه وسلم.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أول من تنشق عنه الأرض , ثم أبو بكر , ثم عُمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي , ثم انتظر أهل مكة فأحشر بين الحرمين).

ومن مات فيهما بعث من الآمنين:

عن جابر بن عبدا لله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات في أحد الحرمين بُعث آمناً يوم القيامة).

فضل مكَّة :

اعْلَمُوا يَا إخوتي الكرام, أَن الله تَعَالَى فضل مَكَّة على سَائِر الْبِلَاد وَأنزل ذكرهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز فِي مَوَاضِع عديدة فَقَالَ تَعَالَى ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 3\96-97],

وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة:2\126]

وَقَالَ تَعَالَى ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحجّ:22\29]

وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:22\26], وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:2\125] وَقَالَ تَعَالَى

فَهَذِهِ الْآيَات يَا إخوتي الأعزّاء, أنزلهَا الله تَعَالَى كلهَا فِي مَكَّة خَاصَّة وَلم ينزلها لبلد سواهَا

ثمَّ نُفيدكم بعد هَذَا مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَخْبَار فِي فَضَائِل مَكَّة وفضائل أَهلهَا وَمن جاورها.

اعْلَمُوا أيّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ حِين خرج من مَكَّة وقف على الْحَزْوَرَة واستقبل الْكَعْبَة وَقَالَ:”وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك أحب بلد الله إِلَيّ وَأَنَّك أحب أَرض الله الى الله عز وَجل وانك خير بقْعَة على وَجه الأَرْض وأحبها الى الله تَعَالَى وَلَوْلَا أَن أهلك أَخْرجُونِي مِنْك مَا خرجت

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث آخر :“خير بَلْدَة على وَجه الأَرْض وأحبها الى الله تَعَالَى مَكَّة”

وَمَا على وَجه الأَرْض بَلْدَة يرفع الله فِيهَا الْحَسَنَة الْوَاحِدَة غَايَة ألف حَسَنَة إِلَّا مَكَّة وَمن صلى فِيهَا صَلَاة رفعت لَهُ مائَة ألف صَلَاة وَمن صَامَ فِيهَا كتب لَهُ صَوْم مائَة ألف يَوْم وَمن تصدق فِيهَا بدرهم كتب الله لَهُ مائَة ألف دِرْهَم صَدَقَة وَمن ختم فِيهَا الْقُرْآن مرّة وَاحِدَة كتب الله تَعَالَى لَهُ مائَة ألف خَتمة وكل أَعمال الْبر فِيهَا كل وَاحِدَة بِمِائَة ألف.

وَمَا أعلم بَلْدَة يحْشر الله تَعَالَى فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة من الْأَنْبِيَاء والأصفياء والأتقياء والأبرار وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والفقراء والحكماء والزهاد والعباد والنساك والأخيار والأحبار من الرِّجَال وَالنِّسَاء مَا يحْشر الله تَعَالَى من مَكَّة وَإِنَّهُم يحشرون وهم آمنون من عَذَاب الله تَعَالَى

وليوم وَاحِد فِي حرم الله تَعَالَى وأمنه أَرْجَى لَك وَأفضل من صِيَام الدَّهْر كُله وقيامه فِي غَيرهَا من الْبلدَانِ

وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انه قَالَ :”لَا تشد الرّحال إِلَّا الى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى” وَلم يذكر شَيْئا من الْمَسَاجِد غَيرهَا.

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:” صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا بِأَلف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِن الصَّلَاة فِيهِ بِمِائَة الف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَة صَلَاة

* فضائل المدينة النبوية :

– كثرة أسمائها وصفاتها :

لِعَظِيْمِ شَأْنِ الْمَدِيْنَةِ النَّبَوِّيَّةِ كَثُرَتْ أَسْمَاؤُهَا وَصِفَاتُهَا ؛ وَمِنْهَا : الْمَدِيْنَةُ ، وَطَيْبَةُ ، وَطَابَةُ ، وَالدِّرعُ الْحَصِيْنَة ، وَأَرْضُ الْهِجْرَة ، وَالدَّارُ ، وَدَارُ الإِيْمَان ، وَدَارُ الْهِجْرَة ، وَدَارُ السُّنَّة ، وَدَارُ السَّلاَمَة ، وَقُبَّةُ الإِسْلاَم .

وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِيَثْرِب فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم :

(( مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِب ، فَلْيَسْتَغْفِرْ اللهَ عز وجل ، هِيَ طَابَةُ ، هِيَ طَابَة )).

* حب المدينة :

وَلِعَظِيمِ مَرتَبَةِ الْمَدِيْنَةِ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا أَنْ يُحَبِّبَهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ وَلأُمَّتِه ؛ فَقَالَ : (( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدّ )).

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ (أَيْ أَسْرَعَ) وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا .

– المدينة حرم :

جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَماً ، وَجَعَلَ الْمَدِيْنَةَ حَرَماً بِدَعْوَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَمَا جَعَلَ مَكَّةَ حَرَماً بِدَعْوَةِ خَلِيْلِهِ إِبْرَاهِيْمَ عليه السلام.

قَالَ صلى الله عليه وسلم : (( لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَمٌ ، وَحَرَمِي الْمَدِيْنَة اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُهَا بِحُرَمِك ؛ أَنْ لاَ يُؤْوَى فِيهَا مُحْدِث ، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا ، وَلاَ تُؤْخَذُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِد )).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا ؛ أَنْ لاَ يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ ، وَلاَ يُحْمَلَ فِيهَا سِلاَحٌ لِقِتَال ، وَلاَ تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلاَّ لِعَلْف )).

وَعَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه قَالَ : أَهْوَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ :

(( إِنَّهَا حَرَمٌ آمِن )).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُعضَدَ شَجَرُهَا ،أَوْ يُخْبَطَ شَوكُهَا ، أَوْ يُؤْخَذَ طَيْرُهَا .

* حراسة المدينة بالملائكة :

وَمِنْ فَضَائِلِ الْمَدِيْنَةِ : أَنَّ اللهَ عز وجل جَعَلَهَا دِرعاً حَصِيْنَة ، مَحْرُوسَةً بِالْمَلاَئِكَة :

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :

(( لَيْسَ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا )).

وَالنِّقَابُ : الطُّرُقُ وَالْمَدَاخِل .

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو ، مَا لَهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ وَلاَ وَاسِعٌ ؛ فِي سَهْلٍ وَلاَ فِي جَبَلٍ إِلاَّ عَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ بِالسَّيْفِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة )).

وَإِذَا غَزَى جَيْشُ الشَّامِ الْحِجَازَ ، خَسَفَ اللهُ بِهِ فِي بَيْدَاءِ الْمَدِيْنَةِ شَرقَ ذِي الْحُلَيْفَة .

قَالَ صلى الله عليه وسلم :

(( يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْت ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعث فَإِذَا كَانُواْ بِبَيْدَاءَ الْمَدِيْنَةِ خُسِفَ بِهِم )).

* بركة المدينة والصحة فيها :

الْمَدِيْنَةُ بَلَدٌ مُبَارَكَة ، بَارَكَ اللهُ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ فِيْهَا ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم لَهَا بِالْبَرَكَةِ فَقَالَ : (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا  حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّة ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ )).

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي ثِمَارِنَا وَفِي مُدِّنَا وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَة )).

أقول قولي هذا , أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبُو إليه إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيّة:

الحمد للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ القائِلِ فِي كتابِهِ الْعَزِيز:ِ ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾{الأحزاب: 33\72-73},.نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, الْقَائِلَ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ: (( مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً  عَلَي عِصَابَةٍ  وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ  أَرْضَى للهِ  مِنْهُ  ، فَقَدْ خَانَ  اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ  ))  (الحاكم) . صلي الله عليه وآله الأطهار وأصحابه الأبرار وعلي كل من اقتفي آثارهم واستن بسنتهم واهتدي بهديهم إلي يوم الدين, آمين.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, سينعقد الانتخاب البلدي غداً إن شاء الله في الحكومات البلديّة بولاية لاجوس وتستعدَ ولايات أخرى لذلك. فمن المستحسن أن نُبيِّنَ للنَّاخِبِين عامَّة والمسلمين منهم خاصّة مُهِمَّةَ الانتخاب ومكانتَهُ فِي الإِسلام, علماً بأَنَّ الإِسلامَ دِينٌ شامِلٌ يستَوْعِبُ جَمِيعَ جَوَانِب الحياة الإِنسانِيّة :﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾[الأنعام:6\38] ,﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النّحل:16\89]

بعض الأدلة الشرعية على وجوب  المشاركة  في  الانتخابات العامة في البلاد:

القاعدة  الشرعية :

أ- ما لايتم  الواجب  إلا  به  فهو  واجب

ب-الضرر الأشد  يزال  بالأخف

ج-الاحتياط لجلب المصالح  ودفع  المفاسد

د-الأمور  بمقاصدها

هـ-وقوله تعالى:﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ {البقرة:2\283}.

-﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾  {سورة  البقرة:2\  282 }  ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ   {سورة  البقرة:2\  140 }

 مفاهيم مهمَّةٌ عنِ الانتخابات:

ينبغي أن نذكر أنفسنا بأَنّ انتِخَاباتنا:

1-شَّهادة:﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ {الطّلاق:65\2},  ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ {البقرة:2\283}.

2-وتّزكيّة : أنها تزكية من الناخب للمرشح والتزكية في باب القضاء هي تعديل الشهود عند القاضي وقد قرر الفقهاء أن شهود التزكية يتفقون مع شهود الدعوى في أمور منها أنه يشترط في كل منهما العقل الكامل والضبط والولاية والعدالة والبصر والنطق وألا يكون الشاهد محدودا في قذف وعدم القرابة المانعة من قبول الشهادة وألا تجر الشهادة على الشاهد نفعا. قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):”مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً، فأمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَداً محاباة، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً، وَلَا عَدْلاً، حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ”[رواه الحاكم في المستدرك وقال(4/104).

3-والتّوكيل:﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾{القصص:28\ 26}

4-والأمانة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ {الأنفال:8 \27} “إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”.قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:”إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”{رواه البخاري}

الدّعاء:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان.

 اللّهمَّ كُنْ مَعَ حُجَّاجِ بيتِكَ الْمُحرّم فِي مَشَارقِ الأرْضِ وَمَغَارِبِها, اللهم أَرِهِمُ الْحقَّ حَقّاً وَارْزُقْهُمُ اتِّبَاعَهُ وَأَرِهِمُ الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْهُمُ اجْتِنَابَهُ, اللهُمَّ اجْعَلْ حَجَّهُمْ حَجّاً مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً, وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً وَرُدَّهُمْ بَعْدَ إِكْمَالِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِين, مَغْفُورِينَ لَهُمْ كَيَوْمِ وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ.

اللهم أرجع الحجاج إلي أهلهم سالمين مقبولين مغفورين,  اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply