Download Word Document

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخُطْبَةُ الرّابعة لشَهْرِ جُمَادَى الثَّانِيّة بِتأريخ 25\6\1438هــ-24\3\2017م

حَولَ : مفهُومِ الْعَوْلَمَة فِي نظَرِ الإِسْلامِ

9: الْخَصِيصَة التَّاسِعَة مِنْ خَصَائِص الخِطَابِ الْإِسْلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة

9: الخِطَابُ الإِسْلامِي : يَحْرُصُ عَلَى الْمُعَاصِرَة وَيَتَمَسَّكُ بِالْأَصَالَة

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , الّذِي أنْزَلَ كِتَابَهُ الْكَرِيم لِيَكُونَ دُستوراً خَالِداً صَالِحاً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ , الْقَائِل فِي فُرْقَانِهِ الْعَزِيزِ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النّحل : 16\89], ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام :6\38] , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً , فإنّ اللهَ تعالى قد جعل تقواه مخرجا منَ الكُرب ومُيَسِّراً لكلِّ عصيرٍ وَمُكَفِّراً للسّيِّئَاتِ في قَوْلِهِ تَعَالَى:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق : 2-3],﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطّلاق: 65\4-5].

إِخْوَةَ الْإِيمان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرَّابِعُ وَالأَخِيرُ فِي شَهْرِ جُمَادَى الثَّانِيّة سَادِسِ الأَشْهُرِ الْقَمَرِيّة الإِسْلامِيّة وَلا نَزَالُ عَلَى خِطَابِنَا الْإِسْلامِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة . وَنَحْنُ -مُنْذُ أسَابيع مَاضِية- كُنَّا نُعَالِجُ خَصائصَ الْخِطَابِ الإِسْلامِي وَقَدْ فَصَّلْنَا الْحَدِيثَ عَنْ ثَمَاني خَصَائِص : الّتِي هِيَ أَنَّ الْخِطَابَ الْإِسْلامِي: أوّلاً-يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا يَكْفُرُ بِالإِنْسِ ,ثَانيّاً -يُؤْمِنُ بِالْوَحْيِ وَلا يُغِيبُ الْعَقْلَ .ثالثاً -يَدْعُو إِلَى الرّوْحَانِيَّة وَلا يُهْمِلُ الْمَادِيّة .رَابعاً-يُعْنِي بِالْعِبَادَاتِ الشّعَائِرِيَّة وَلَا يُغْفِلُ الْقِيَمَ الْأَخْلاقِيَّة . خامساً-يَدْعُو إِلَى الاعْتِزَازِ بِالْعَقِيدَةِ وَإِلَى إِشَاعَةِ التَّسَامُحِ وَالْحُبِّ . سادساً-يُغْرِي بِالْمِثَالِ وَلَا يَتَجَاهَلُ الْوَاقِعَ .سَابعاً -يَدْعُو إلى الْجِدِّ والاسْتِقَامَة وَلا يَنْسَى اللَّهْوَ والتَّروِيحَ.

ثَامِناً-يتبنى الْعَالَمِيَّة وَلا يُغْفِلُ الْمَحْلِيَّة . واليوم –إن شَاء اللهُ الْمُقدِّر الهادي- نَأخُذُ الْخَصِيصَةَ التَّاسِعَة.

والْخَصِيصَة التّاسعة أنَّ الْخِطَابَ الإِسْلامِي  في عصر الْعَوْلَمَة :

9: الخِطَابُ الإِسْلامِي : يَحْرُصُ عَلَى الْمُعَاصِرَة وَيَتَمَسَّكُ بِالْأَصَالَة

أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ , وَمِنْ خَصَائِصِ خِطَابِنَا الدِّينِي فِي عَصْرِ الْعَوْلَمَة : أنَّهُ يَحْرُصُ عَلَى الْمُعَاصِرَة , وَيَتَشَرَّبُ رُوحَ الْعَصْرِ , وَخُصُوصاً فِي وَسَائِلِهِ وَآلِيَاتِهِ . وَلا يَتَجَاهَلُ فِي دَعْوَتِهِ إِذَا دَعَا , وَلا فِي تَعْلِيمِهِ إِذَا عَلَّمَ , وَلا فِي تَقْوَاهُ إِذَا أَفْتَى : تيَارات الْعَصْرِ , وَمَذَاهِبُهُ الْفَلْسَفِيَّة , وَمَدَارِسُهُ الْفِكْرِيَّة , وَاتِّجَاهَاتُهُ الْأَدَبِيَّة , وَانْحِرَافَاتُهُ السُّلُوكِيَّة , وَمُشْكِلاتُهُ الْوَاقِعِيَّة .

وَلا يَعِيشُ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَحْدَهَا , وَلا يَتَوَاقَعُ عَلَى الْمَاضِي وَحْدَهُ , بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الدُّنْيَا تَغَيَّرَتْ , وَأَنَّ الْحَيَاةَ تَطَوَّرَتْ , فَهُوَ ابْنُ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ وَبِيئَتِهِ . وَفِيمَا أُثِرَ عَنِ السَّلَفِ : رَحِمَ اللهُ امْرَءاً عَرَفَ زَمَانَهُ , وَاسْتَقَامَتْ طَرِيقَتَهُ .

وَفِيمَا يُنْسَبُ إلَى صُحفِ إِبْرَاهيمَ : “يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَىْ يَكُونَ عَارِفاً بِزَمَانِهِ , مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ , حَافِظاً لِلِسَانِهِ” . وَلَقَدْ قَرَّرَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ فُقَهَائِنَا : أَنَّ الْفَتْوَى تَتَغَيَّرُ بِمُوجِبَاتٍ شَتَّى , مِنْهَا : تَغَيُّرُ الزَّمَانِ , وَتَغَيُّرُ الْمَكَانِ , وَتَغَيُّر الْعُرفِ , والْحَالُ وَغَيْرُهَا .

وَهَذَا سِرُّ كَثِيرٍ مِنَ الْخِلافِ بَيْنَ الْإِمَامِ أبِي حَنِيفَة وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحمَّدُ . رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعاً . وَفِي هَذَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّة : “إنَّهُ اخْتِلافُ عَصْر وَزَمَان , وَلَيْسَ اخْتِلاف حُجَّةِ وَبُرْهَان” .

بَلْ هَذَا مِنْ أسْبَابِ اخْتِلافِ رَأْيِ الْفَقِيهِ فِي الْمَسْئَلَةِ الْوَاحِدَة بَيْنَ زَمَنٍ وَآخَر , كَاخْتِلافِ الإِمَامِ الشَّافِعِي فِي مَذْهَبِهِ الْجَدِيدِ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ فِي مِصْرَ , وَمَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهَا , فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ , وَيَقُولُ عَلَمَاءُ الشَّافِعِيّة : قَال الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيمِ , وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد . فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَكَانُ , وَاخْتَلَفَ الزَّمَانُ , فَزَمَانُ النُّضْجِ غَيْرُ زَمَانِ التَّكْوِينِ .

وَلَعَلَّ هَذَا أيْضاً مِنْ أَسْبَابِ اخْتِلافِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ , وَالإِمَامِ أَحْمَدَ , فَرُبَّمَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة فِي زَمَنٍ , فَأَجَابَ فِيهَا بِرَأْيٍ , وَسُئِلَ عَنْهَا فِي زَمَنٍ آخَر , فَأَجَابَ عَنْهَا بِرَأْيٍ مُخَالِفٍ .

وَهَذَا مَا جَعَلَ (مَجَلَّة الأَحْكَام الْعَدلية) الشَّهِيرَة تَقُولُ فِي إِحْدَى مَوَادِهَا , الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة : (لَا يُنْكَرُ تَغَيُّرُ الأَحْكَامِ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ) . وَإِنْ كَانَ لَنَا مُلاحظَة عَلَى إطْلاقِ الصِّيَاغَة بِهَذَا الشَّكْلِ . (انظر تعليق العلامة القرضاوي على ذلك في كتابه (شريعة الإسلام صالحة للتّطبيق في زمان ومكان) .

مِنْ سِماتِ الْمُعَاصِرَة :

وَالْمُعَاصِرَةُ لَهَا سِمَاتٌ مُعَيَّنَة , يَجِبُ أَنْ تُرَاعِيَ فِي وَعْظِ الْوَاعِظِ , وَفِي تَعْلِيمِ الْمُعلِّمِ , وَفِي فَتْوَى الْمُفْتِي , وَفِي قَضَاءِ الْقَاضِي .

الْعَقْلِيَّةُ الْعِلْمِيَّة :                              

مِنْ هَذِهِ السِّمَاتِ : (الْعَقْلِيَّةُ الْعِلْمِيَّة) الّتِي تَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الْعِلْمِ , وَتَزِنُ كُلَّ شَيْءٍ بِالْمَنْطِقِ , وَلاَ تَقْبَلُ أَيَّ دَعْوَى بِلا بُرْهَان , وَتَرْفُضُ التَّسْلِيمَ لِلْأَبَاطِيل , وَقَبُول الْمُبَالِغَات وَالتّهاوِيل , وَلا تَسْتَسلم للدّجّالين والْكَهْنَة وَالْمُتَلاعِبِينَ بِعُقُول الْجَمَاهِير بِاسم الدِّين , فَالدِّين براء مِنْ هؤلاء . وَهُوَ يُعْتَبَرُ تَصْدِيق الْكَهْنَة والعرّافين كُفْراً بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحمَّد – صلَّى اللهُ علَيه وسلّم .

وَفِي الْحَقِيقَة : إنَّ (الْعقليّة الْعلمِيّة) ليْسَت مِنْ اختِرَاعِ الْعَصْرِ , وَلا مِنْ مُسْتَوْردات الغرب , بَلْ هِي الْعقليّة الّتي يُنشِئُها الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِآياتِهِ وَتَعالِيمه , فَهُوَ يَرْفُضُ الظّنَّ فِي مَقَامِ الْيَقِينِ , وَيَذُمُّ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ :﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النّجم :53\28] .

كَمَا يَرفُضُ اتِّبَاعَ الْعَوَاطِف وَالأَهْوَاء فِي الْبَحْثِ عَنِ الْحَقِيقَة : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[القصص:28\50]

وَيُعلِنُ حَمَلَتَهُ عَلَى الْجُمُودِ وَالتَّقْلِيدِ لِلْآبَاء أو للسَّادَة وَالْكِبْرِيَاء , أَوْ لِعَامَّةِ النَّاسِ (فصّل الشّيخ القرضاوي عن ذلك في كتابه (العقل والعلم في القرآن الكريم) . وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْ ذَلِكَ فِي الْخَصِيصَةِ الثَّانِيَة .

التّجدِيدُ :

وَمِنْ سِمَاتِ الْمُعَاصِرَة : (التّجديد) فَلا يَقْبَلُ المُسْلِم الْمُعَاصِر : أنْ يَظَلَّ الْقَدِيمَ عَلَى قِدَمِهِ , وَلا يَقْبَلُ تَجْمِيد الْحَيَاة وَالْفِكْرِ وَالْعِلْمِ وَالاجْتِهَادِ . فَالْمَاءُ إِذَا تَوَقَّفَ أسن , وَالرّيحُ إذَا رَكَدَتْ كَادَ النَّاسُ يَخْتنقون , والْكَونُ كُلُّهُ يَتَحَرَّكُ , الْأَرْضُ تَدُورُ , وَالفلكُ يَسِيرُ , والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ كُلُّهَا فِي حَرَكَةٍ دَائِمَة , فَلا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الْإِنسَانُ أَوْ يَجْمُدَ مَكَانَهُ , والْكَوْنُ كُلُّهُ مِنْ حَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ : ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾[يس:36\40].

لا يَجُوزُ تَجْمِيدُ الْعِلْمِ أَوِ الْفِكْرِ بِدَعْوَى قَوْلِهِمْ : مَا تَرَكَ الأَوَّلُ لِلْآخِرِ شَيْئاً , فَكَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ . وَلا بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أبْدَع مِمَّا كَانَ مِنْ بَدَائِعِ وَرَوائِعِ :﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:14\19-20] , و[فاطر :35\16] .

وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَسُولُ الإِسْلامِ أَنَّ الدِّينَ يَتَجَدَّدُ , حِينَ قَالَ : “إنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ لِهَذِهِ الْأُمَّة : مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” (رَوَاهُ أبو دَاوُدُ فِي الْمَلاحِمِ مِنْ سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة (3540) وصححه عدد من الأئمّة).

وَسَواء كَانَ هَذَا الْمُجَدِّدُ فَرْداً أَمْ جَمَاعَةً وَمَدْرَسَة , كَمَا تُفِيدُهُ كَلْمَة (مَنْ) الّتِي تصلح للفردِ , وَتَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ , فَقَدْ أَفَادَنَا الْحَدِيثُ شَرْعِيَّةَ التَّجْدِيدِ لِلدِّينِ , فَإِذَا كَانَ الدِّينُ – وشَأنُهُ غَالباً الثَّبَاتُ- يَتَجَدَّدُ , فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِ الدِّينِ مِنْ شُئُونِ الْحَيَاةِ , وَأُمُورِ الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ وَالْأَدَبِ وَالثَّقَافَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالْفَنِّ ؟! .

التَّجْدِيدُ لا يَعْنِي التَّنَكُرَ لِلْقَدِيمِ :

وَلَكِنَّ التَّجْدِيدَ الْمَنْشُودَ لا يَعْنِي الانفِصَالَ عَنِ التُّرَاثِ , والتَّنَكُّرَ لِلْقَدِيمِ , فَلَيْسَ كُلّ قَدِيمٍ سَيِّئاً , كَمَا لَيْسَ كُلّ جَدِيد حَسَناً , فَكَمْ مِنْ قَدِيمٍ نَافِعٍ كُلّ النَّفعِ , مُبَارك كلَّ البركة , وكم منْ جديد , لا خير فِيه , بَلْ هُوَ ضَرَرٌ وشَرٌّ أكيد .

عَلَى أَنَّ كُلًّا من القدم والجدّة أمرٌ نَسَبيٌّ , فَقَدِيمُ الْيَوْم كان جديدَ الأَمْسِ , وَجَدِيد اليوم سَيُصبِح قَدِيمَ الْغَدِّ .

وَلَيْسَ مِنَ التَّجْدِيد فِي شَيْءٍ : التَّبرّم بِكُلِّ قَدِيمٍ , وفتح الذِّراعَيْنِ لِكُلِّ جَدِيدٍ , وقَدْ سَخَّر أدِيب العربيّة وَالإسلام مُصْطَفَى صَادق الرّافِعِي من بعض مجدي زمنِهِ , فَقَالَ عَنْهُمْ : إنّهُمْ يُرِيدُونَ أن يُجَدِّدُوا كُلَّ شَيْءٍ , حَتَّى الدين واللّغة والشَّمس والقمر ! .

المرونة والتّطوّر :

ومن سِمات الْمُعَاصِرَة : (الْمرونة وقابلية التّطور) فلا يجوز تَثْبِيت كلِّ شَيْءٍ وَتَجْمِيد كُلِّ شَيْءٍ , فَهَذَا يُؤَادِّي إِلَى الْمَوْتِ والْهَلاك .

لَقَدْ تَطَوَّرَ الْعِلْمُ , وَتَطَوَّرتِ الصِّنَاعَةُ , وَتَطَوَّرَتْ مَعَهُمَا الأَفْكَارُ وَالتَّقَالِيدُ . لَقَدْ تَطَوَّرَتْ وَسَائِلُ النَّقْلِ مِنَ الْحِمَارِ وَالْجَمَالِ إِلَى الطَّائِرة وَالصًّارُوخِ , وَتَطَوَّرَتْ وَسَائِلُ الْكِتَابَة مِنَ الْقَلَمِ فِي الْيَدِّ إِلَى الطَّبْعَة الْمُتَطَوِّرَة , وَتَطَوَّرَتْ وَسَائِلُ الْحَرْبِ مِنَ السَّيْفِ وَالنَّبْلِ إِلَى الْقُنْبُلَة النّووية . فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَظَلَّ الْإِنْسَانُ كَمَا هُوَ , وَكُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ تَغَيُّر , وَلاَ أَنْ يَظَلَّ الْفِكْرُ كَمَا هُوَ , وَالدُّنْيَا كُلُّهَا تَبَدَّلَتْ .

وَلا شَكَّ أَنَّ الدُّنْيَا تَطَوَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ , وَلَكِنْ جَوْهَر الْأَشْيَاء بَقِيَ كَمَا هُوَ , أَزَادَ عُمْرَان الأَرْضِ وَقَامَتْ نَاطِحات السَّحاب , وَلَكِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْجِبَالَ بَقِيَتْ كَمَا هِيَ .

وَتَغَيَّرَ مَا حَوْلَ الْإِنْسَانِ , كَمَا تَغَيَّرَتْ مَعَارِفُ الْإِنْسَانِ , وَتَغَيَّرَتْ إِمْكَانَاتُ الْإِنْسَانِ , وَلكِنْ بَقِيَ جَوْهَرُ الْإِنْسَانِ كَمَا هُوَ بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ , وَفُجُورِهِ وَتَقْوَاهُ :﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾  [الشّمس: 91\7-10] .

ثَبَاتُ الأَهْداف وتَطَوُّر الْوَسَائِل:

وَمِنْ هُنَا نَقُولُ : إِنَّ الْخِطَابَ الدِّينِي يَجِبُ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى (ثَبَاتِ الْأَهْدَاف) إِلَى جِوَارِ (تَطَوُّرِ الْوَسَائِلِ) فَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالْمُرُونَة , فَهُوَ يَجْرِي عَلَى سُنَّةِ الْكَوْنِ  : الْحَرَكَةُ الدَّائِبَة فِي إطَارٍ ثَابِتٍ , وَحَوْلَ محورٍ ثَابِتٍ , كَمَا قَالَ سَيِّدُ قُطب رَحِمَهُ اللهُ (فِي كتابه: (خصائص التّصوَر الإسلامي ومقوّماته) خصيصة (الثّبَات))

فَخِطَابُنَا الدِّينِي الإِسْلامِي : يَلْتَزِمُ الْمُرُونَة فِي الدَّعْوَة وَالْفِقْه وَالتَّعْلِيم وَالْفَتْوَى , وَلَكِنَّهُ حِينَ يَدْعُو أَوْ يُعَلِّمُ أَوْ يُفْتِي أَوْ يَقْضِي أَوْ يَجْتَهِدُ : مُنْضَبِطٌ بِضَوَابِط , ومَحْدُودٌ بِحُدُودٍ , وَمُقَيَّدٌ  بِقَوَاعِد , يَعْمَلُ فِي إِطَارِهَا وَفِي دَائِرَتِهَا . وَهِيَ دَائِرَةٌ وَاسِعَةٌ , وَلَكِنْ لَهَا أسوارهَا التي تحدها .

فَالمُرُونَةُ فِي جانب الْوَسَائِل وَالآليات وَالْجُزئيات : تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البِيئات والأزمان والْأَحْوَال , بل قد تختلف باختلاف الْأشْخَاص .

وَالثَّبَاتُ يَكُونُ فِي الأهداف والْغَايَات وَالْمَبَادِئ وَالمنطلقات التي ترسي الأسس, وَتُحَدِّدُ الْفِكْرَة , وَتَرْسُمُ الطّريقَ (انظر :خصيصة (الجمع بين الثّبات والمرونة ) فِي كتاب العلامة القرضاوي (الخصائص العامّة للإسلام) .

مَوْقِفُ الْخِطَابِ الْدّينيّ :

هَذَا هُوَ التَّوَازُنُ الّذِي نَنشُدُهُ فِي خِطَابِنا الدِّيني الْمعاصر. وَإِن كان مما يوسف لَهُ : أنَّنَا فِي كثيرٍ مِنْ قَضَايانا الْفِكْرِيَّة وَالدَّعْوِيَّة : تَقَعُ ضَحِيَّة الْأفراط والتّفْريط , وَتَفْقد مَوْضِعَ (الْوَسَطِيّة) المتوازن . فَبَعْضُ دُعَاتِنَا وَخُطَبَائِنا الدِّينيِّين يُرِيدُون أن (يجمّدوا) كُلّ شَيْءٍ ,فِي حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسِّياسية .

فَمَنْ حلف على امرأته بالطّلاق الثّلاث في سورة من سُورات الغضب : اقتوا بنطليقها منه , وبانت منه بينونة كُبْرَى , لا تحلُّ لَهُ حتّى تنكح زوجاً غَيْرَهُ , ففَتَحُوا للنَّاس باب البحث عن (محلل) . وضربوا صفحا عن فَتَاوَى ابن تيمية وابن القيّم ومن وافقهما في أنَّ مِثْلَ هَذَا الطّلاق لا يقع , وإنّما فيه كفّارة يمين , وإذا كان الغضب شدِيداً فلا يقع في المرّة . لأنّهُ طلاق في حالة إغلاق .

وَبَعْضُهم يحرّم الانتخابات , لِأنَّها لم نعرف في الإسلام , ويعطي الحاكم من السُّلطات ما يجعله أكبر دكتاتور في العالم , وهو إذا استشار , فَالشُّورى غير ملزمة له . ويرى هؤلاء أنَّ أخذَ بأساليب الدِّيمقراطية وضماناتها لِلْوُقوف في وجه الاستبداد السِّياسي , وتقليم أظفار المستبدين , وتقييد سلطاتهم – كلّ هذا ضِدُّ الدِّينِ لأنّه مقتبسٌ مِنْ أُنظُمَة الْكُفَّارِ , مَعَ أنَّ عُمَرَ الْخطَّاب اقتبس من نظام الخرّاج  عِند الفرس , ونظام الدِّيوان عند الرّومان .

وَفِي مقابل هؤلاء الجامدين المجمِّدين : نجد المنفتحين الْمُتسيبين , الّذِين يُريدون أن ننخلع من تُراثِنا كُلِّهِ , ما كان منه بشريّاً , وأن لا نتقَيّدَ بِنَصٍّ وَلا قَاعِدَة , وَأَنْ يَكُونَ الشَّرعُ بَيْنَ أيْدِينا كالعجين فِي يدِّ الخبّاز , يشكّله كيف يشاء , حتَّى القطعيات أو الثّوابت , ولا حرمة لها عندهم . ومن حقِّهم أن يُفسِّرُوا القُرآن كما يحلو لهم , وأن يأخُذُوا من السُّنّة مَا راق لهُمْ , ويَذَرُوا مِنْهَا مَا لا يُوافِقُ مزاجهم , وأن بشرهوها على هواهم . وبهذا ضاعت الحقيقة بين الغلاة والمفرّطين .

والخير كلّ الخير في البُعْدِ عن هؤلاء وأولائك , والوقوف مع منهج الْوسط , وخير الأمور الوَسَط .

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّهُ هُوَ الغفور الرّحيم .

الْخُطْبَةُ الثّانية :

الحمد لله ربّ الْعالمين , العدل المقسط , العزيز الحكيم , القائل في فرقانه العظيم : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النّحل : 16\90] , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ  وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ,نتّهز هذه الْفُرْصةَ الذَّهْبية , للثّنَاء الحُكومة الفيدرالية على رأسها الرّئيس مُحمّد بُخاري على محاولاته نحو حلول مشكلات نيجيريا وخاصة المشكلة الاقتصادية . ومن المشهور لدى الجميع أنّ معظم ولايات نيجيريا لا تقدر على دفع رواتب العمّال . وقد وزّعت الحكومة الفيدرالية الأموال التي جاءت من قِبَلِ ناد باريس (PARIS CLUB REFUND) لـــ36 ولاية, ومنطقة العاصمة الفيدرالية (FCT) , لِتَدفع كل ولاية ما عليها من رواتب العمّال أو تنفيذ مشروع مهمّ يطوّر حياة المواطنين . وبلغت الأموال 6,9 بليون دولار (6.9bilion$) . ونُوصِي وُلّات هذه الولايات أن يُحسنوا استعمال هَذِه الأموال .

وَثَانيا, نوصي مجلس الشّيوخ النّيجيري , على رأسه , الرّئيس بوكولا سراكي , أن يقوم بالأعمال المفيدة لوطننا الحبيب نيجيريا كي يتطوّر وأن يترك أمراً تافهاً بينه-مجلس الشيوخ- وبين رئيس الجمارك النّيجيرية (حميد علي) أي لُبْس الزّي الرّسمي . نرى ذلك الأمر إضاعة الوقت . فعليهم الإقبال على إصلاح ما فسد بكلِّ نشاطٍ وشجاعة .

الدّعاء:

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .

اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُمْ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .  اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *