محمد هو الإنسان الكامل والْمثال الأسْمى ﷺ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّالثة لشهر ربيع الأوّل بتأريخ 16\3\1438هـ-16\12\2016م

حول : محمد هو الإنسان الكامل والْمثال الأسْمى ﷺ

_____________________________

الحمد لله رب العالَمين ، قيّوم السموات والأرضين ، مدبّر الْخلائق أجْمعين الذى أكرم الإنسانية بأفضل نيى, وأكرم رسول, القائل في كتابه العزيز:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب:33\ 21 ) أحْمَده  تعالى على جَميع نعمه وأسأله الْمزيد من فضله وكرمه, وأشهد أن لا إله إلا الله الرؤوف الرحيم  الكريم الغفار ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وحبيبه سيد ولد بنى آدم وأفضل خلق الله , إن ذُكِر الْمرسلون فهو إمامهم, وإن ذُكِر النبيُّون فهو خاتَمهم, الرحْمة الْمهداة, والسراج الْمنير والنور الباقى الْمبين, القائل في حديثه الشريف:اتـق الله حيـثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحهـا، وخالق الناس بخلق حسـن” (رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي. وقال الترمذي: حسن صحيح) فصلوات الله وسلامه ورحْمته وبركاته عليه وعلى آله وصحبه الْمُتَّبَعين لنهجه، الْمُقْتَدين بسنته، وعلى من سار على نَهجهم واقتفى واقتصر على طريقتهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

 فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل – أيها المسلمون – عملا بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إخوة الإيمان, هذا هوَ اللِّقاء الثّالِث في شَهْرِ مولِد حبيبنا وقُدْوتنا محمّد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وَإنّ موضوع خُطْبَتِنَا اليومَ يتركَّزُ عَلَى محمد هو الإنسان الكامل والْمثال الأسْمى حتّى نزيد استفادةً مِنْ سيرة خير البريّة عليه أفضل الصّلاة والسّلام.

أيُّها المسلمون الكرام, اتِّباع سنة نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة سيرته في كل أمر من أموركم، وفي كل وقت وفي كل زمان من أزمانكم، فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا بذلك، ولَم يُعَيِّن له وقتاً، ولَم يُحدِّد له زمناً، ولَم يُخصِّص له مناسبة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب:21).

مع الْحبيب الْمصطفى :                                                                               

إخوة الإسلام, ما أجْمل أن نعيش هذه اللحظات مع سيد الْخلق وحبيب الْحق, مع الْحبيب الْمصطفى والرسول الْمجتبى, فاعلمو أن الْحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له حلاوة تتذوقها القلوب الْمؤمنة, وتَهفو إليها الأرواح الطاهرة, فهو بستان العارفين ومتنَزه الْمحبيبن يَحنون إلى سيرته العطرة.

لقد كان لبعثته صلى الله عليه وسلم نتائج مبهرة, فقد نقل الناسَ من حال إلى أحسن حال, من الظلام إلى النور, ومن الضلال إلى الْهداية , ومن التخبط والْحِيرة إلى الأمن والاطمئنان.

الْمثال الكامل لِحياة البشر :

أيها الإخوة المسلمون ,إنه من الصعب جدا أن نصل إلى الْحقيقة الكاملة لشخصية محمد  صلى الله عليه وسلم, إننا لَم نستطع الْحصول إلا على لَمحة سريعة منها, فهذا مُحمد النبي ومُحمد القائد ومُحمد الْمُلك حين ملك أمر العرب وأدان لطاعته عظماؤهم  ومُحمد التاجرحين يسير بين الْحجاز والشام,  ومُحمد الواعظ أو البشير ومُحمد الْحكيم ومُحمد رجل الدولة ومُحمد الْخطيب ومُحمد الْمُصْلِح والْمجدد ومُحمد ملاذ اليتامى ومُحمد حامي العبيد ( الرقيق ) والْمُدافِع عنهم, ومُحمد مُحَرِّر النساء , ومُحمد القاضي والْحكم ومُحمد القديس ,ولقد كان مُحمد بطلا في كل هذه الْمهام الْجليلة وفي جَميع مَجالات النشاط الإنساني على حد سواء .

إن حال اليتيم هو منتهى الضعف وانعدام الْحيلة :

عباد الله, وقد بدأ مُحمد  صلى الله عليه وسلم حياته يتيما إذ مات أبوه وأمه حامل به لشهرين فحسب, ولَما أصبج له من العمر ست سنوات ماتت أمه, فذاق فى صغره مرارة الحرمان من عطف الأبوين وحنانهما, {الم يجدك يتيما فئاوى }( الضحى 6)  ,ثُم تَقلَّب حالُه من صبي يتيم إلى لاجئ مُضْطَهد فى شعب بنى الْمطلب , لقد قاوم مِحن الدنيا وخرج منها سالِما ليكون مثالا يُحْتَذى في كل مرحلة من مراحل الْحياة . ولَم تقتصر إنْجازاته على جانب واحد من جوانب الْحياة.

   لو أن العظمة تكمن في تنقية وتطهير أمة مشربة بالْهمجية والتخلف ومنغمسة في ظلام أخلاقي مطلق ، فإن الشخص الْمتميز بالفاعلية والْمُليء بالقُوَّة والنشاط الذي استطاع أن يُحول ويهذِّب وينهض بأُمَّةٍ بأكملها غارقة في الْحضيض – كما كان حال العرب – ويَجعلهم حَملة مشاعل الْحضارة والْمدنية والتعليم ، له كل الْحق في هذه العظمة .

  ولو أن العظمة تكمن في توحيد العناصر الْمتنافرة والْمتضاربة والْمتشاكسة والْمختلفة في الْمجتمع برابطة الأخوة والإحسان ، فإنَّ لِنَبيِّ الصحراء كل الْحق لِهذا الإمتياز .

ولو أن العظمة تكمن في إصلاح هؤلاء الغارقين في أوهام ومعتقدات خرافية منحطة ومُخزية ومُمارسات خبيثة مهلكة متعددة الأنواع ، فإن نبي الإسلام قد بدد الأوهام والْمعتقدات الْخرافية والْمخاوف الْمنافية للعقل والْمنطق من قلوب الْملايين .

  ولو أن العظمة تكمن في نشر الأخلاق السامية ، فإن الأعداء والأصحاب شهدوا لِمحمد بأنه الصادق الأمين .

  ولو أن الفاتح الْمنتصر رجل عظيم ، فها هو إنسان قد بلغ مرتبة مساوية للأكاسرة والقياصرة بعد أن كان مَخلوقا بسيطا يتيما لا حول له ولا قوة . وأسس إمبراطورية عظيمة ظلت كذلك على مدى هذه القرون الأربعة عشرة .

   ولو أن الْحب الشديد الذي يناله القائد هو الْمقياس للعظمة ، فإن مُجرد ذكر اسم هذا النبي له تأثير الرقية الفاتنة – حتى في يومنا هذا – على ملايين الأنفس الْمنتشرة في جَميع أنْحاء العالَم .

النبي الأمِيُّ :

 أيها المسلمون, لَم يدرس مُحمد الفلسفة أو الْحكمة في مدارس أثينا أو روما أو فارس أو الْهند أو الصين . ومع ذلك فقد استطاع أن يكشف للبشرية أسْمى وأعلى الْحقائق الْخالدة القيمة . وبالرغم من كونه أمِيًّا فقد كان يستطيع الكلام بفصاحة وحَماسة تدفع الرجال إلى دموع الفرحة . ومع أنه ولد يتيما وبلا أموال دنيوية فقد كان مَحبوبا من الْجميع . شَملت أيضا جَميع أوضاع البشرية الاجتماعية .

  كما أنه لم يدرس في أية أكاديمية عسكرية ومع ذلك فقد كان يستطيع تنظيم قواته في مواجهة ظروف مروعة وانتصر بواسطة القوات العسكرية ذات الْخلق والدين التي كان ينظم ويرتب صفوفها بنفسه .

  إنه نادرا ما نَجد الرجال الْموهوبين بالقدرة الفائقة على الوعظ والْحديث الْجاد . وقد اعتبر ” ديكارت ” ( Descartes ) الواعظ الماهر ضمن أندر أصناف الرجال في العالَم .

وقد عبر ” هتلر ” عن رأي مشابه في كتابه ” كفاحي ” . حيث يقول : ” من النادر أن يكون واضع النظريات ( theorist ) قائدا عظيما . أما الْمحرك الاجتماعي أو السياسي فامتلاكه لتلك الصفات التي ترشحه للقيادة أرجح إلى حد بعيد, فهو دائما قائدا أفضل . فالقيادة تعني القدرة على تَحريك جُموع البشر . والقدرة على تقديم الأفكار لا علاقة لَها بالقدرة على القيادة ” .

قول ” كارلايل ”  في كتابه ” الأبطال وعبادة الأبطال “ :

والأعجب من ذلك ما يقوله القس ” بوزوورث سميث ” ( Bosworth Smith ) :

” لقد كان رئيسا للدولة ولِجماعة تدين بنفس العقيدة ، لقد كان يَجمع سلطة ومقام قيصر والبابا معا ، ولكنه بابا بدون خيلاء البابا وغروره ، وقيصر بلا فيلق  أو حشوده وبلا جيش عامل ولا حارس شخصي ولا قوة من الشرطة ولا دخل ثابت . لو أن ثَمة رجل كان له الْحق في أن يدعي أنه يَحكم بالْحق الإلَهي فقد كان هذا الرجل هو مُحمد, فقد كانت معه جَميع السلطات من غير أن يكون معه ما يدعمها أو يُحافظ عليها . وقد كانت بساطة حياته الْخاصة متطابقة ومنسجمة مع حياته العامة ” .

محمد الطاهر النقي  الزاهد المتوضع :

الثبات على الْمبدأ حتى الْموت, والأثار الباقية :

لقد تغيرت الظروف الْمحيطة به ولكن نبي الله لَم يتغير . وكانت لِمحمد نفس الشخصية سواء في حال النصر أو الْهزيمة وسواء في حالة القوة أو الْمحنة وسواء في ساعة اليسر أو العسرة . فرسل الله وأنبياؤه لا يتبدلون كما لا تتبدل طرق الله وسننه ونواميسه .

يقول الْمؤرخ الفرنسي لامارتين  في كتابه :” تاريخ تركيا ”   المجلد الثاني ص 276 و277 :

   لو أن عظم الغاية, وصغر الوسائل وقلة الْموارد, والنتائج الْمدهشة ,هي ثلاثة معايير لعبقرية الإنسان ، فمن يَجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الْحديث بِمحمد ؟

   إن أشهر الرجال صنعوا الأسلحة وشرعوا القوانين ووضعوا النظريات وأسسوا الإمبراطوريات فقط . فهم لم يؤسسوا – لو اعتبرنا أنهم أسسوا شيئا يذكر – أكثر من قوى مادية أو سلطات مادية كثيرا ما انْهارت وزالت أمام أعينهم .

أما هذا الرجل ، مُحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يُحرك ويؤثر في الْجيوش والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والأسر الْحاكمة فقط ولكنه حرك وأثَّر في ملايين الرجال ، بل الأكثر من ذلك إنه أزاح الأنصاب  والْمذابح والآلِهة الزائفة وأثر في الأديان وغير الأفكار والاعتقادات والأنفس .

 الرحْمة الْمهداة الْخالدة للعالَم  :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:21\107]

هناك قول مأثور بأن الرجل الأمين هو أفضل خلق الله . وقد كان مُحمد صلى الله عليه وسلم أكثر من أمين, لقد كان إنسانا بكل ما في الكلمة من معان . وكانت سعادة نفسه ورضاها في التعاطف والتواد والْمحبة الإنسانية .

    لقد كان الْهدف من بعثته ورسالته وكل الغاية من حياته ومنتهاها هو أن يَخدم الإنسان وأن يُهذِّب الإنسان وأن يُزكِّي الإنسان وأن يُعَلِّم الإنسان وباختصار أن يَجعل من الإنسان إنسانا متمدنا متحضرا .

لقد كان مصدر إلْهامه الوحيد والقاعدة الْهادية الوحيدة له في أفكاره وأقواله وأفعاله هو الْمصلحة البشرية .

لقد كان محمد غير متباه وغير متفاخر إلى أبعد الْحدود وكان منكرا لذاته إلى أقصى درجة . وما هي الألقاب التي اتَّخذها لنفسه ؟ إنَّهما لقبان فقط : عبد الله ورسوله . عبده أولا ثُم رسوله . رسول نبي مثل كثير من الأنبياء في كل مكان من هذا العالَم بعضهم معروف لنا وكثيرا منهم لا نعرفهم .

الشمائل النقية  :

تظهر السجلات التاريخية أن جميع معاصري محمد الأصدقاء والأعداء اعترفوا بالشمائل النقية والاستقامة الخالصة والفضائل الكريمة والإخلاص المطلق والأمانة المطلقة لرسول الإسلام في جميع نواحي الحياة وفي كل مجال للنشاط الإنساني . حتى أن اليهود وأولئك الذين لم يؤمنوا برسالته قبلوه حكما في نزاعاتهم الشخصية  بسبب ما عرفوه عنه من تحريه عدم التحيز .

وحتى أولئك الذين لم يؤمنوا برسالته اضطروا لأن يقولوا : ” يا محمد إننا لا نكذبك ولكننا نكفر بالذي أعطاك كتابا وأوحى إليك بالرسالة “ يصدق ذلك ما جاء في القرآن من قوله تبارك وتعالى : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ( الأنعام :6\ 33 ).

الْحرب دفاعا عن النفس والدِّين الحنيف بأمر الله سبحانه وتعالى :

بعد أن أخفقت تماما الجهود المتكررة الرامية إلى المصالحة وطرأت ظروف اضطرته إلى ساحة القتال اضطرارا دفاعا عن النفس ، بدل نبي الإسلام فن ( استراتيجية ) القتال بالكامل . إن إجمالي الخسائر في الأنفس في جميع الحروب التي وقعت خلال حياته حين دانت له الجزيرة العربية كلها لا يتعدى بضع مئات . ومما يدل على معرفته فن استراتيجية القتال أنه علَّم المسلمين كيفية أداء الصلاة  لله القدير جماعة لا فرادى فى ساحة القتال ، حتى وسط غبار العواصف والقتال . وكلما حان وقت الصلاة وهو يحين خمس مرات في كل يوم يجب ألا تترك أو تؤجل صلاة الجماعة . فينبغي أن تصلي طائفة فتركع وتسجد بين يدي ربها بينما تشتبك الطائفة الأخرى مع العدو . فإذا قضيت الصلاة فينبغي أن تغير كلتا الطائفتين موقعهما  وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى:﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء:4\ 102)   .

 الخطبة الثانية:                                         

الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من أضاع أمرَه وعصاه، القائل في تنزيله العظيم : ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النّبأ: 78\1-7], وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره ولا رب لنا سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن أقام أمره واجتنب نهيه ودعا بدعوته واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أمّا بعد ,

فيا أمّة محمد, إذا نظرنا إلى واقع الأمة المسلمة اليوم نرى أنَّ الواقع ألِيمٌ لأنَّها تركت منهج نبيها صلى الله عليه وسلم, وقد أحاطتها مكائد أعدائها , وهى تعيش اليوم فى ضعف وذُلٍّ واستسلام, واعلموا أنه لا صلاح ولا حل للأزمات والمشاكل التى تعانى منها أمتنا إلا بالعودة الصادقة إلى الله والسير على منهج رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( النور:24\ 63), ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذاريات:51\ 50).

وثانيّاً, إنّ الأمم المتّحدة –كعادتها السَّنويّة-تحتفل بــيوم الجبال العالمي INTERNATIONAL MOUNTAIN DAY  كلَّ 18, ديسمبر سنويّاً. وللإسلام نظرٌ في الجبال كما أفادنا كتاب الله المنزّل على خير خلق الله محمّد المصطفى ﷺ :

أهمية الجبال في نزول الأمطار

القرآن بين الجبال وبين الماء الذي نشربه، وقد اتضح أخيراً وجود علاقة أساسية بين نزول المطر وبين الجبال العالية، لنقرأ….

قبل أربعة عشر قرناً كان الإنسان ينظر إلى الغيوم والمطر كظاهرة غريبة ترتبط بالآلهة، فكان الناس يلجؤون إلى الطقوس والتوسل بالآلهة لتنزِّل عليهم المطر من السماء، وكان الناس في أوربا ينظرون إلى المطر أنه رزق تسوقه الآلهة لهم!

ولكن عندما جاء الإسلام أنار لنا الطريق وصحح هذه الأفكار والأساطير الخاطئة، وتحدث عن المطر كظاهرة علمية بحتة، ولكن الله تعالى الذي خلق الكون وخلق كل شيء هو الذي قدَر ووضع القوانين الخاصة بنزول المطر، فقال في آيتين عظيمتين مؤكداً وجود قوانين دقيقة تحكم هذه الظاهرة وعبر عن ذلك بكلمة (قدر) أي قانون إلهي وسنة كونية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18]. وقال أيضاً: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: 11].

وهذا يعني أن القرآن أول كتاب يضع أساساً علمياً لظاهرة نزول المطر، ويبعد الخرافات والأساطير عن عقول الناس. ولكن هناك أمر مهم اكتشفه العلماء وهو دور الجبال في تشكل الغيوم ونزول المطر، فالجبال تشكل جزءاً مهماً من البيئة الأرضية لها دور في الكثير من الظواهر وقد يكون أهمها الغيوم والأمطار.

إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعيش في بيئة كهذه، بل كان يعيش في بيئة صحراوية، وفي هذه البيئة الصحراوية لا يمكن للإنسان أن يتنبأ بوجود علاقة بين الجبال وبين الماء أو المطر، وهذا دليل على أن كل كلمة جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام هي من عند الله تعالى.

الجبال والتوازن الأرضي:

هذه هي أهمية الجبال في حفظ التوازن الأرضي….

وأخيراً أثبت العلماء أن الجبال تتحرك حركة بطيئة جداً … هذه الحركة تحدث عنها القرآن الكريم بما يثبت إعجاز هذا الكتاب العظيم….

الجبال أوتاد:

سبحان الله! في كل كلمة من كلمات القرآن نجد معجزة عظيمة، ففي كلمة واحدة لخَّص لنا الله تعالى حقيقة علمية استغرقت مئات السنوات، لنقرأ….. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النّبأ: 78\1-7]

: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً [المرسلات: 27].

وأخيراً, للأمم المتّحدة ما تسمّى بــيوم المهاجرين العالمي INTERNATIONAL MIGRANTS DAY وذلك كلّ 20, ديسمبر سنويّاً.  وللهجرة والمهاجرين أهميّة في تأريخ الإسلام وفي حياة كلِّ مسلم متمسّك بدينه حقَّ التَّمسّك. ولا نفصِّل الحديث عن ذلك  لضيق المقام.

الدّعَاءُ:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان. اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.    

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأُلكَ إيماناً صَادِقاً، وَلِسَاناً ذَاكِرًا، وقَلْباً خَاشِعاً,اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الإسلامِ، وَارْزُقْنَا حَلاَوَةَ الإيمانِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ.

اللهم اغْفِرْ لِلْمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، الدعوات اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا ربَّ العالَمِين. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.  

Leave a Reply