آداب قضاء الحاجة وصحة الفرد والمجتمع Download here

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى لشهر رجب ٤\٧\١٤٤١هــ (٢٨\٢\٢٠٢٠مـــــ)

حول: آداب قضاء الحاجة وصحة الفرد والمجتمع

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله و صحبه أجمعين.

أما بعد؛ عباد الله اتقوا الله تعالى وأكثروا شكر نعمه، فما أكثرها! وإن من نعمه تعالى على الإنسان أن هيَّأ له طرد فضلات الجسم الضارة المؤذية؛ ليبقى الجسم خالياً من الأمراض والأسقام، وهي نعمة تستوجب الشكر، ثم إن الإسلام دين كامل ما ترك شيئا مما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم إلابينه، ومن ذلك آداب قضاء الحاجة ليتميز الإنسان الذي كرمه الله عن الحيوان. وعلى هذا تدور خطبة اليوم.

عباد الله، إن من أهم آداب قضاء الحاجة ذِكر الله تعالى قبل دخول الخلاء، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ مواضع قضاء الحاجة هي مأوى للشياطين، فقال: (إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) رواه أحمد وابن ماجه. ومن فوائد هذا الذِّكر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلاَءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) رواه الترمذي

 ومن الآداب ألاَّ يتخلَّى في طريق الناس أو ظلِّهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ: الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ) رواه أبو داود وابن ماجه. والموارد: هي المجاري والطرق إلى الماء. وعلة النهي عن التخلي في هذه المواضع الثلاثة: هي تقذير هذه المواضع ففيه إيذاء للناس.

ويُكره دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذِكر الله؛ صيانةً لاسم الله تعالى عن الإهانة والابتذال، وأمَّا إدخال المصحف في مكان قضاء الحاجة فهو محرم، لكن يجوز الدخول به إن كان يُخشى عليه السرقة، ولم يجد صاحبه بد من دخوله معه، ولا يُكلف الله نفساً إلاَّ وسعها.

وجاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وهذا حرام في الخلاء، وعليه يُحمل حديث أبي أيوبٍ الأَنْصَارِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ؛ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ) رواه البخاري. وأمَّا في البنيان فيجوز ذلك، وكذا بوجود ساتر بين المتخلي وبين القبلة استقبالاً واستدباراً.

عباد الله! ومن الآداب أن يُقدِّم الداخلُ إلى الخلاء رجله اليسرى، قال ابن تيمية – رحمه الله: (وقد استقرت قواعد الشريعة على أنَّ الأفعال التي تَشترك فيها اليمنى واليسرى تُقَدَّم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة؛ كالوضوء والغُسل، والابتداء بالشِّق الأيمن في السِّواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والتَّرجُّل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء ونحو ذلك. وتُقدَّم اليسرى في ضدِّ ذلك؛ كدخول الخلاء، وخَلع النَّعْل، والخروج من المسجد).

والأصل في البول أن يكون حال القعود، فأكثر فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقضي حاجته قاعداً، وهو أمكن وأعون على قضاء الحاجة والتطهر منها، ولكن إذا دعت الحاجة إلى البول واقفاً فلا بأس بذلك؛ وقد بال النبي صلى الله عليه وسلم قائماً مرات قليلة؛ لبيان الجواز. وهذا بشرط أن يكون مستوراً عن الناس، وألاَّ يُصيبَه رشاش بوله، وألاَّ يرتد عليه، فإذا كان لا يأمن من تلويث ثيابه بالنجاسة حال البول قائماً فلا يفعل ذلك.

ومن الآداب أن لا يَكشف العورة إلاَّ بعد أن يدنو من الأرض؛ لأنه أستر له، لما جاء عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ) رواه الترمذي. قارن هذا بما يفعله كثير من الناس اليوم من التبول وقوفاً في المحلات المكشوفة وداخل المراحيض العامة، ويرى الناسُ بعضهم بعضاً، ممَّا هو منافٍ للأدب والحياء.

ومنها كذلك ألاَّ يَذكر اللهَ تعالى باللسان أثناء الخلاء، ولو بردِّ السلام؛ تنزيهاً لاسم الله تعالى، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم – وَهُوَ يَبُولُ – فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلاَ تُسَلِّمْ عَلَيِّ؛ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ

ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ) رواه ابن ماجه

 ولا يجوز كذلك الكلام أثناء قضاء الحاجة، إلاَّ لضرورةٍ قصوى، وألاَّ يَستنجي بيده اليُمنى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) رواه البخاري

ومن الآداب ألاَّ يَستعمل الأشياء المنهي عنها في الاستنجاء؛ كالروث، والعظام، والرجيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلاَ بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ) رواه الترمذي. ولا يجوز الاستنجاء بشيء يؤكل؛ فإنه إهانة لنعمة الله تعالى، ولا بشيء فيه ذكر لله تعالى، فإنه إهانة لاسم الله تعالى، واستهزاء به، وهذا كفر بالله تعالى.

وليحذر المسلم أن تُصيب النجاسةُ ثوبَه أو بدنَه؛ لأنَّ عامة عذاب القبر من عدم الاستبراء من البول، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ) رواه البزار

ومنها تنظيف اليد من أثر الاستنجاء؛ لإزالة أيِّ شيء علق بها من الأذى، عن جرير بن عبد اللهِ – رضي الله عنه – قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى الْخَلاَءَ، فَقَضَى الْحَاجَةَ، ثُمَّ قَالَ: (يَا جَرِيرُ! هَاتِ طَهُورًا) فَأَتَيْتُهُ بِالْمَاءِ، فَاسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَقَالَ بِيَدِهِ، فَدَلَكَ بِهَا الأَرْضَ. رواه النسائي. ويقوم الصابون مقام الدلك بالتراب. وثبت بالطب أنَّ اليد إذا لم تُنظَّف جيداً بعد قضاء الحاجة؛ فإن ذلك يكون من أسباب الإصابة بأمراض خطيرة.

ومنها الخروج من الخلاء بالرجل اليمنى، وقول: غفرانك عن عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَكَ) رواه أبو داود وابن ماجه

فبهذه الآداب الإسلامية السامية يمتاز المسلمون عن الآخرين ممن لا يتقيدون بدين ولا أدب. ولا شك أن التقيد بهذه الآداب تتم المحافظة على صحتنا فردا وجماعة. فعلينا أن نتذكرها امتثالا لأمر الله تعالى وتأسّيا برسوله صلى الله عليه وسلم. وبارك الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد أيها المسلمون، فإن الله -تعالى- بحكمته فضل بَعْضَ الْأَيّامِ وَالشّهُورِ عَلَى بَعْضٍ كما فضل بعض الأمكنة والأزمنة على بعض، ومن هذه الأزمنة – أيها الإخوة – شهر رجب الذي نحن في اليوم الرابع منه، وهو أحدُ الأشهر الحرم الأربعة التي نص عليها القرآن في قوله تعالى: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) التوبة\٣٦

وسميت هذه الأشهرُ الأربعةُ – ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب – حرما لعظم حرمتها ولحرمة القتال فيها. قال ابن عباس: خص الله من شهور العام أربعةَ أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح والأجر أعظم.

فينبغي لنا -عباد الله- مراعاة حرمة هذه الأشهر ومنها شهر رجب هذا؛ لما خصها الله به من المنزلة، والحذرُ من الوقوع في المعاصي والآثام تقديرًا لما لها من حرمة؛ لأن المعاصي تعظم بسبب شرف الزمان الذي حرّمه الله.

واعلموا أنه لم يرد حديث صحيح يصلح للحجة في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء معيّن منه، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه. وإنما تفضل العبادة فيه عموما لحرمته كغيره من الأشهر الحرم لا لكونه رجبا. فأكثروا فيها من عبادة ربكم من صلاة، وصيام، وأذكار، وقراءة للقرآن ودعاء، وصدقات…

وفي شهر رجب- عباد الله- تتشوق نفوس المؤمنين لرمضان وتهب عليهم نسائمه ويستشعرون قربه، قال أبو بكر الوراق: (شهر رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع)

 وجدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر، وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.

 الدعاء: بارك الله لنا في رجبنا هذا وفي شعبان بعده ونسأله أن يبلّغنا رمضان. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدين واحم حوزة الدين يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *